مقالات د. سعد
الدين إبراهيم
الديمقراطيـة وفقـه الحجـاب
إنشغل الإسلاميون في الغرب والوطن العربي بمشروع القانون الفرنسي
الذي يمنع ارتداء غطاء الرأس لدى المسلمات في المدارس والمؤسسات الحكومية الفرنسية،
وذلك بذريعة الحفاظ على "العلمانية" التي كانت أحد إنجازات الثورة الفرنسية، عام
1789. ويعتز الفرنسيون بهذا الإنجاز الذي حررهم من طغيان الكنيسة الكاثوليكية، التي
كانت تتدخل في كل شئونهم الدنيوية، والتي أعاقت بذلك مسيرة التطور والإبداع في
فرنسا، وتلكأت خلف بريطانيا وألمانيا في مجالات البحث العلمي والاختراعات والتقدم
الصناعي. ومن هنا تتضح الحساسية المفرطة لدى الفرنسيون من عودة خلط الدين بالحياة
العامة في فرنسا. ولا يماثل فرنسا في هذه الحساسية إلا تركيا، فمنذ ثورة مصطفى كامل
أتاتورك في عشرينيات القرن الماضي، وإلغاء الخلافة والأخذ بالعلمانية والدولة
التركية، وفي قلبها الجيش التركي، أشد حرصاً على إبعاد الدين عن أمور الدولة
والسياسة والحياة العامة.
ولا تعنى هذه الحساسية المفرطة سواء في فرنسا أو تركيا، أن البلدين قد نجحا تماماً
في إبعاد الدين عن الدولة. وهاهي قضية الحجاب أو غطاء الرأس تفرض نفسها على الحياة
العامة في البلدين. ولكننا في هذا المقال سنركز على فرنسا، حيث أن حسم القضية فيها
سيكون له تداعيات في بقية بلدان الجماعة الأوربية، التي يوجد فيها حوالي عشرين
مليون مسلم، من أصول عربية وأسيوية وإفريقية. وقد وفد هؤلاء على أوربا في فترة ما
بعد الحرب العالمية الثانية لسد العجز في الأيدي العاملة، وهو العجز الذي نتج عن
الخسائر البشرية الفادحة أثناء الحرب... وبمرور السنين أنجب هؤلاء المهاجرين جيلا
ثانياً، ثم هم على وشك إنجاب جيل ثالث وهكذا وصل عددهم إلى عشرة ملايين مسلم.
من هولاء المسلمين من اندمج وتكيف، وربما إنصهر تماماً في الحياة الأوربية. ولكن
هناك من لم يندمج أو ينصهر ـ إما لأنه لا يريد ذلك، أو لأن المجتمع الأوربي لم يقبل
أو يساعد على مثل هذا الانصهار والاندماج. وبعض هؤلاء هم من حرصوا على تنشئة
أبنائهم وبناتهم تنشئة إسلامية وأصبح الحجاب أو غطاء الرأس رمزاً لها.
إن مشروع القانون الفرنسي لمنع ارتداء الرموز الدينية في المؤسسات التعليمية
الحكومية، لا يستهدف المسلمين أو المسلمات وحدهن، فهو ينطبق أيضاً على المسيحيات
اللائي يلبسن الصليب، وعلى اليهوديات اللائي يلبسن نجمة داود أو الأولاد الذين
يلبسون طاقية الرأس (اليماكا).
ومع ذلك فإن مسلمي فرنسا هم الذين نظموا مظاهرات الاحتجاج في أكثر من ثلاثين مدينة
فرنسية. وهو ما يرجّح أن المظاهرات ليست فقط للاحتجاج على مشروع القانون، ولكن ربما
لأسباب أخرى وأهداف أخرى. وجاء مشروع القانون مجرد مناسبة سانحة للتعبير عن كل
مظالم المسلمين.
من هذه المظالم زيادة تعبيرات العنصرية ضد المسلمين منذ حوادث سبتمبر 2001 في
الولايات المتحدة، والتي انتقلت تداعياتها السلبية إلى عديد من المجتمعات الغربية،
حتى تلك التي اتخذت حكوماتها مواقف مناوئة أو مناهضة للسياسات الأمريكية في السنتين
الأخيرتين. من ذلك أن فرنسا، تحديداً، أخذت موقفاً مضاداً من الحرب الأمريكية على
العراق. ولكن هاهم المسلمون يكتشفون أن سياسات الدول لا تسير كلها حزمة واحدة في
اتجاه واحد. فنفس فرنسا التي تتعاطف مع العرب في العديد من قضاياهم، يظل لها
أجندتها الخاصة، التي تُملي عليها اتخاذ سياسات قد لا يرضى عن بعضها بعض العرب أو
بعض المسلمين، على نحو ما رأينا في موضوع تحريم الرموز الدينية في المدارس الحكومية.
ولكي لا يشعر بعضنا خطأ أن مشروع القانون الفرنسي هو جزء من "حرب صليبية" يشنها
الغرب ضد المسلمين فإننا نُعيد للزاكرة أن د. حسين كامل بهاء الدين، وزير التربية
المصري، قاد حملة علنية منظمة ضد المعلمات والمعلمين الذين كانوا يروجون أو يضغطون
على التلاميذ لارتداء الحجاب والجلباب في المدارس.
كذلك فإن تركيا، وهي عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي، قد أصدر برلمانها منذ ثلاث
سنوات قانوناً مشابهاً لمشروع القرار الفرنسي لتحريم الحجاب، لا فقط في المدارس،
ولكن في كل مؤسسات الدولة التركية. وقد طبّق هذا القانون بصرامة طالت بعض النائبات
المنتخبات في البرلمان التركي. وأصرت بعضهم على التمسك بالحجاب حتى إذا انطوى ذلك
على خسران مقاعدهم في البرلمان. كذلك رفض رئيس الجمهورية التركي استقبال زوجة رئيس
الوزراء المنتخب رجب رضوان بالقصر الجمهوري لإنها محجبة.
والجدير بالملاحظة أن المسلمين في فرنسا استطاعوا أن يتظاهروا احتجاجاً على أمر لا
يرضون عنه، رغم أنهم أقلية عددية. ولم يمنعهم البوليس الفرنسي، ولم يستخدم العنف في
تفريقهم، وذلك احتراماً لحق من حقوق الإنسان، وهو حق التعبير السلمي عن الرأي. ومن
ناحيتهم فإن المتظاهرين المسلمين لم يلجأوا إلى العنف. ولم يوحي أي تقرير إخباري أن
أي عنف قد حدث في أي من المدن الثلاثين التي شهدت مظاهرات في الأسبوع الثاني من
ديسمبر 2004.
لقد فعل المسلمون في فرنسا ما لم يستطع اخوانهم في العديد من البلدان العربية
والإسلامية أن يفعلوه وهو ممارسة حق التظاهر كأحد حقوق التعبير عن الرأي. كذلك فعل
المسلمون في فرنسا، وهم أقلية عددية ودينية، وافدة، ما لاتستطيع أي أقلية دينية أو
لغوية أصلية أن تمارسه في معظم بلادنا العربية والإسلامية. فيالهول المفارقة:
تستطيع الأقليات العربية والإسلامية أن تتظاهر في بلاد وفدوا إليها حديثاً، بينما
لا نستطيع نحن ـ أغلبيات وأقليات ـ أن نتظاهر في بلادنا، ونحن أصلاء فيها ولسنا
دخلاء!.
ولذلك بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مشروع القرار الفرنسي، فلا ينبغي أن
يفوت علينا المغزى الأهم لكيفية صدور مشروع القرار وكيفية التعبير عن أصحاب الشأن
حياله. إنها الديمقراطية.
فالديمقراطية هي التي تسمح لممثلي الأغلبية أن يتخذوا من القرارات ما يعتقدون أنه
يخدم "الصالح العام". والديمقراطية هي نفسها التي تحمي حق الأقلية في التعبير عن
احتجاجها على ما فعلته الأغلبية. ونفسها الديمقراطية هي التي تبقى الباب مفتوحاً في
المستقبل أمام الأقلية لتغيير القرار، وذلك بإقناع أو استمالة جزء من الأغلبية التي
صوتت للقرار، بأن تغير رأيها وموقفها. أي أن الديمقراطية تترك الباب دائماً مفتوحاً
لإعادة تعريف "الصالح العام".
فليس في الديمقراطية قرارات نهائية أو أزلية، إن الدائم والأزلي هو "المصالح".
ومصالح البشر بطبيعة الحال متغيرة... فكل من عليها فان ولا يبقى إلا وجه ربك ذو
الجلال والإكرام.
د. سعد الدين إبراهيم
23/1/2004