مقالات د.
سعد الدين إبراهيم
فقه الجملوكيات العربية نهاية للإشاعة وليس نهاية للقلق
سعد الدين إبراهيم :- كنا قد كتبنا منذ أربع سنوات سلسلة من
المقالات، نُشر بعضها في صحيفة الحياة، وبعضها في مجلة المجلة، حول أنظمة الحكم
الملكية وأنظمة الحكم العربية، وكيف تعامل كل منها مع إدارة التغيير، والإصلاح
السياسي. وقد تزامنت هذه السلسلة مع رحيل العاهلين المغربي الحسن الثاني، والأردني
الحسين بن طلال. وكان الجديد في تلك المقالات محاولة تفسير مشهدي رحيل الملكين، حيث
ودعتهما جماهير غفيرة، تفجرت فيها ومنها تعبيرات أحزان تلقائية، من الصعب اصطناعها
أو حشدها لأغراض دعائية. وكان مما ذكرناه في هذا الصدد هو إنه رغم المسيرة المختلطة
للملكين، حيث كانت في معظمها معادية أو مستفزة للقوي الشعبية في بلديهما، إلا أن
السنوات العشر الأخيرة شهدت مبادرات حقيقية للمصالحة الوطنية، وللتحول الديمقراطي.
وإنه علي ما يبدو كانت هذه الخاتمة هي التي علقت وتعمقت في وجدان الجماهير المغربية
والأردنية.
قارنت بين حالتي المغرب والأردن من ناحية وحالة خمس جمهوريات عربية من ناحية أخري،
وكيف أن الأنظمة الحاكمة لهذه الجمهوريات قد عشعشت في السلطة لحوالي ثلاثين عاماً،
وأن مسيرتها كانت عكس مسيرة الملكين المغربي والأردني تماماً. فقد بدأت أنظمة تلك
الجمهوريات بدايات "ثورية" وأعدت بإنجاز كل الأحلام التاريخية للأمة: الوحدة
العربية، وتحرير فلسطين، والحفاظ علي الاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية،
والتقدم الاقتصادي، والأصالة الحضارية. ولكن كلما طال الأجل بهؤلاء الرؤساء
الجمهوريين في قمة السلطة، كلما تعاظم استبدادهم، واستشري فسادهم، وجلبوا الخراب
علي بلادهم. وأكثر من ذلك كلما بدأ كل منهم في إعداد أحد أبنائه لوراثته في الحكم.
لم يكن بشار الأسد، قد خلف أباه حافظ الأسد بعد. ولكن لم يكن خافياً إنه قادم. ومن
هنا استحدثنا مصطلحاً جديداً، لا سابق للغة العربية أو أي لغة أخري عهد به، وهو
مصطلح "الجملوكية" أي نصف "جمهورية" ونصف "ملكية".
وكان آخر مقالات السلسلة، والذي نُشر في مجلة المجلة في صيف 2000، هو "الجملوكيات
العربية: مساهمة العرب لعلم السياسة في القرن الحادي والعشرين". وكان هذا المقال هو
آخر ما كتبته، حيث ألقي القبض عليّ وعلي زملائي من مركز ابن خلدون بعد نشره مباشرة.
ثم محاكمتي، ودخولي السجن خلال السنوات الثلاث التالية. وربما كان تسلسل هذه
الوقائع كلها مجرد صدفة بحتة.
ولكن الذي أثار الشجون والذكريات هو تصريح الرئيس المصري محمد حسني مبارك يوم
الخميس 1/1/2004، والذي نشرته جميع الصحف اليومية المصرية بعناوين بارزة في أعلي
صفحاتها الأولي، وهو "إنه لا توريث للحكم في مصر". وضمن ما قاله الرئيس مبارك في
هذا الصدد أن مصر تتبع النظام الجمهوري، حيث لا توريث للحكم، حتي لو حدث ذلك في
بلدان عربية أخري! ذكر الرئيس أن قصة توريث الحكم في مصر كانت "إشاعة أطلقها أحد
الأشخاص الذي ذهب إلي المحكمة فيما بعد، وصدقها الناس...". وقد سألني كثيرون منذ
ذلك الحين عما إذا كنت أنا هذا الشخص الذي أشار له الرئيس. وحيث أنني لم أكن متأكداً،
فقد كانت إجابتي هي "الله أعلم بمن قصده الرئيس".
وبعيداً عن هذه القصة، سألني العديد من الصحفيين العرب والأجانب عن مغزي تصريح
الرئيس، وتوقيته، وإخراجه بهذا الشكل الدرامي، وماذا بعد ؟ وفيما يلي فحوي إجاباتي:
أولاً، حسناً ما فعله الرئيس، حيث قطع الشك باليقين، علي الأقل إلي إشعار آخر.
ثانياً، رحّبت مثل غيري من المصريين بتصريح الرئيس الذي وضع حداً للإشاعات التي
كانت تملأ مصر حول هذا الموضوع طوال السنوات الأربع الأخيرة، والتي تضاعفت بعد
تعيين السيد جمال مبارك، نجل الرئيس، في موقع هام بالحزب الوطني، وهو رئاسة لجنة
السياسات، منذ عامين. ثم تضاعفت الإشاعات بوتيرة أسرع بعد الإغماءة التي ألمت
بالرئيس، أثناء افتتاحه للدورة الأخيرة لمجلسي الشعب والشوري في 19 نوفمبر 2003.
ثالثاً، وضعت تصريحات الرئيس حول رفض توريث السلطة حداً للإشاعات حول هذه المسألة
تحديداً، ولكنها لم تضع حداً للقلق الذي يساور المصريين علي مستقبل بلدهم. ولم يشف
غليلهم في الماضي ولا يُقلل من قلقهم في الحاضر، ما يردده الرئيس من أنه لم يعين
نائباً له طوال الثلاثة وعشرين عاماً الماضية، لأنه لا يريد أن يفرض الرئيس التالي
علي المصريين! طبعاً يمكن للرئيس أن يُعين نائبين أو أكثر، ويترك لمجلس الشعب، أو
للشعب نفسه أن يختار من بينهم.
ربما هناك بعض الحكمة فيما يذهب إليه الرئيس. ولكن الحكمة كاملة هو أن يشارك
المصريون أنفسهم في تقرير هذا الأمر.
وقد أجمعت القوي السياسية، خارج الحزب الوطني، الذي لا نعرف له رأياً مستقلاً عن
الرئيس، علي أن الحكمة هي في تعديل الدستور، وخاصة في مواده الخاصة باختيار رئيس
الجمهورية، ومدة شغله لهذا المنصب، والسلطات المخولة له.
- والإجماع الوطني، كما قرأناه مؤخراً، هو أن يكون الاختيار "تنافسياً"، بين أكثر
من مرشح، وليس "استفتائياً" لمرشح واحد، مهما كان كماله، فالكمال لله وحده.
- والاجماع الوطني، هو أن يكون شغل منصب رئيس الجمهورية هو لمدة واحدة، مدتها ست
سنوات، كما في المكسيك، أو أقصاها مدتين متتاليتين كل منهما أربع سنوات، أي ما
أقصاه ثماني سنوات، كما في معظم الجمهوريات الديمقراطية.
- والإجماع الوطني، هو الحد من سلطات رئيس الجمهورية، التي توجد في الدستور الحالي
بشكل مطلق، ودون آليات لمحاسبته أو إقالته من منصبه. وهي سلطات لا يتمتع بها أي
رئيس جمهورية آخر، في العالم. والفقه الدستوري في هذا الصدد يوازن بين السلطات،
بحيث تسهل المراقبة والمحاسبة. أما عندنا، فإلي تاريخه لا يوجد رقيب أو حسيب.
- والإجماع الوطني، هو أن الإصلاح الدستوري المشار إلي أهم بنوده أعلاه، لا يستقيم
بدون إصلاح سياسي أشمل، يتضمن إلغاء قوانين الطواريء وإطلاق حرية تكوين الجمعيات،
وإنشاء الأحزاب، والكف عن تدخل السلطة التنفيذية في شئون النقابات المهنية.
- والإجماع الوطني، هو أن يستعيد القضاء المصري وحدته واستقلاله، وهو ما يعني إلغاء
كل أنواع القضاء الموازي والاستثنائي مثل محاكم أمن الدولة والعيب والمدعي
الاشتراكي وما علي شاكلته.
- وأخيراً فإن الإجماع الوطني هو أن يستعيد الإعلام في مصر استقلاله وحريته، بعد أن
تخلف كثيراً، لا فقط مقارنة بالإعلام العالمي والغربي، ولكن مقارنة أيضاً بالإعلام
العربي. ولا يتأتي ذلك إلا بإطلاق حرية إنشاء الصحف والإذاعات والتليفزيونات الخاصة.
فقول في النهاية حسناً فعل الرئيس مبارك بحسم قضية التوريث، ولكن هذه خطوة واحدة،
تزيل اللغط ولكنها لا تزيل القلق. إن الذي يزيل القلق حقاً فهو الإصلاح السياسي
والدستوري علي النحو الذي ذكرناه أعلاه. وهذا وحده هو الذي يجعل التغيير بأيدينا،
لا بأيدي زيد أو عمرو!
إن العالم من حول مصر والوطن العربي، لا فقط يخطو أو يعدو ولكنه ينطلق كالصاروخ نحو
المستقبل، بينما نحن في مصر والوطن العربي أشبه بمن يتثاءب وهو يحاول فك عقال
البعير، ناهيك عن ركوبه ومعرفة الجهة التي يتحرك صوبها.
مدير مركز أبن خلدون - مصر