مقالات د.
سعد الدين إبراهيم
في فقه الإسلام المهاجر إلي أوروبا
سعد الدين إبراهيم-كاتب مصري:- ارتبط مفهوم الهجرة في التراث
الاسلامي بمعني البحث عن الحرية والامان، وذلك منذ اضطر المسلمون الاوائل تحت ضغط
قريش الي الفرار من مكة واللجوء الي البلدان المجاورة التي كان اهمها في القرن
السابع الميلادي، اليمن والحبشة ثم جاءت هجرة الرسول صلي الله عليه وسلم نفسه الي
يثرب عام 622 ليضفي علي هذا السلوك معني نبويا مقدسا، حتي ان المسلمين اختاروا ذلك
اليوم وتلك السنة بداية لتقويم جديد اسوة بالتقويم الميلادي والتقويم الارثوذكسي
القبطي.
وهكذا اصبح للسلوك الهجري والتقويم الهجري معاني السعي في بلاد الله الرحبة بحثا عن
الامان الشخصي والحرية الدينية -اعتقادا وممارسة. بعد سبعة قرون من الهجرة النبوية
الاولي بحثا عن الامن والحرية، اضطر مسلمو الاندلس الي الهجرة هربا من محاكم
التفتيش التي خيرتهم بين التحول عن دينهم الي الكاثوليكية او الموت. وقد تحول بعضهم
بالفعل، ومات بعضهم الآخر، ولكن الاغلبية اختارت الهجرة الي المغرب والجزائر وتونس
بعد سقوط غرناطة عام 1492.
ثم بعد ذلك بخمسة قرون عادت اعداد كبيرة من المسلمين الي الهجرة من اوطانهم الاصلية
-في افريقيا وآسيا- الي اوروبا والاميركتين واستراليا، وكانت الهجرة هذه المرة لا
هروبا من الاضطهاد الديني، ولكن سعيا وراء الرزق، بعد ان اخفقت حكومات بلدانهم في
توفير فرص العمل والدخل والحياة الكريمة لهم وتكاثرت اعدادهم بمرور السنوات الخمسين
الاخيرة الي ان قاربت الثلاثين مليونا، من جيل الاباء والابناء والاحفاد واصبح
المسلمون في معظم دول اوروبا الغربية يمثلون الديانة رقم ،2 بعد المسيحية وقبل
اليهودية والهندوكية والبوذية.
ومع زيادة اعدادهم، وولادة جيل واحد علي الاقل من المسلمين علي التراب الاوروبي،
ودخول المدارس الاوروبية، واتقان لغاتها والتمرس بأسلوب حياتها بدأ المسلمون ينظمون
صفوفهم لجماعات ضغط للمطالبة بحقوقهم كمواطنين اوروبيين وضمن هذه الحقوق الحفاظ علي
هويتهم الثقافية، واحترام معتقداتهم وكان مهاجرون اخرون قد سبقوا المسلمين في
اوروبا وكندا والولايات المتحدة في المطالبة بهذه الحقوق الثقافية دون ان يكون ذلك
علي حساب حقوقهم المدنية والسياسية. وتحتاج هذه النقطة مزيدا من التوضيح.
فإلي عهد قريب كان المهاجرون الوافدون الي المجتمعات الغربية يطلب منهم ان يتعلموا
لغة واسلوب حياة المجتمع الغربي الذي وفدوا اليه، وان يتخلوا عن ثقافة ولغة مجتمعهم
الاصلي، ان هم ارادوا ان يتمتعوا بحقوق المواطنة كاملة في المجتمع الجديد. بتعبير
اخر كان مطلوبا منهم التخلي عن هويتهم السابقة والانصهار الكامل في ثقافة المجتمع
الجديد، واكتساب هويته الجديدة ولكن مع الربع الاخير من القرن العشرين اكتشف
المهاجرون الوافدون الي المجتمعات الغربية ان هذه مقايضة غير عادلة فما داموا يؤدون
واجباتهم كمواطنين في العمل، ودفع الضرائب واحترام القانون واداء الخدمة العسكرية
فليس مطلوبا منهم ان يتخلوا عن هويتهم الثقافية والدينية. ومن هنا ارتفع شعار جديد
هو المجتمع التعددي مقابل المجتمع المنصهر والمجتمع التعددي بهذا المعني هو المجتمع
الذي يحتفي بالتنوع والاختلاف، دون اخلال بمبدأ المساواة في المواطنة.
طبعا لم يكن الانتقال من ايديولوجيا الانصهار الي ايديولوجيا التعدد امرا سهلا لقد
احتاج هذا الانتقال الي الاعتراف بالتعددية الي خمسين عاما في معظم المجتمعات
الغربية بل ان بعضها لم يكتمل اعترافه بها تماما وربما كانت كندا وهولندا والبلدان
الاسكندنافية هي الاسرع لقبول التعددية يليها بريطانيا وفرنسا. وقد شهدنا في
السنوات الثلاث نوابا مسلمين ينتخبون للبرلمان او المجالس المحلية في هذه البلدان،
كما رأينا وزراء مسلمين يختارون في حكومات تلك البلدان.
وكان احد مظاهر تأكيد الهوية الثقافية والدينية للمسلمين في اوروبا تكاثر بناء
المساجد بمآذنها الشاهقة في عدد من المدن والعواصم الاوروبية. وقد رصد تحقيق لمجلة
نيوزويك الاميركية في نهاية شهر يناير ان عدد المساجد في المانيا وحدها قد قفز من
اقل من مائة مسجد عام 2000 الي حوالي ثلثمائة مسجد مع نهاية عام 2003 ولانا لا
نعتقد ان عدد المسلمين في المانيا قد قفز الي ثلاثة امثال في ثلاثة اعوام، فان هذا
التنافس في بناء المساجد هو تعبير ربما مبالغ فيه عن الهوية الثقافية في وجه الهوية
الوطنية فالمسلمون الاتراك مثلا يتنافسون مع المسلمين المغاربة والمسلمين المشارقة
في هذا الصدد وهي ظاهرة لمسنا مثيلا لها في مصر والاردن واليمن في الثمانينات
والتسعينيات من القرن الماضي.
ولكن المهم في فهم (فقه) الاسلام المهاجر الي اوروبا والغرب عموما هو اكتساب
الوافدين الجدد للمهارات المهنية والتنظيمية والسياسية من المجتمعات التي ارتضوا
العيش فيها بارادتهم الحرة. فرغم ان الايديولوجية التعددية هي التي انتصرت في معظم
المجتمعات الغربية، وفي طريق الانتصار في بقية هذه المجتمعات. الا ان ذلك لا ينبغي
ان يصرف مسلمي اوروبا عن المثابرة في اكتساب المعارف الحديثة حتي لا يظلوا محبوسين
في الاعمال الدنيا ففي النهاية سيتردد دورهم السياسي والاجتماعي لا فقط باعدادهم،
ولكن بمستواهم المهني والاقتصادي.
كذلك لا ينبغي ان تغويهم اعدادهم بالمبالغة في استعراض القوة او استفزاز غيرهم من
الجماعات التي تشاركهم في الوطن الواحد، وخاصة اهل البلاد الاصليين وليس خافيا ان
هناك نزعات عنصرية تطفو علي سطح هذه المجتمعات بين الحين والاخر، تطالب بتقييد
الهجرة، او حتي التخلص من المهاجرين المقيمين وارسالهم الي بلدانهم الاصلية.
ومع ذلك فلابد من التنويه ان المسلمين الذين تظاهروا في منتصف يناير 2004 احتجاجا
علي مشروع القانون الفرنسي المقترح لتحريم الحجاب والصليب ونجمة داود كانت مظاهرات
سلمية متحضرة وشارك مع المسلمين فيها كثير من الفرنسيين غير المسلمين اي ان هناك من
التعاطف والتضامن مع مطالب المسلمين المشروعة ما ينبغي الحفاظ عليه وعدم تديده
بالمبالغات او باستخدام العنف ان المسلمين ما زالوا يعانون من الآثار المدمرة التي
لحقت بهم وبدينهم بسبب احداث سبتمبر 2001 لقد استغلت قلة متطرفة من شباب المسلمين
هامش الحرية والكرم في المجتمع الاميركي المفتوح لتدمير رمزين هامين من رموزه
وازهاق ارواح حوالي ثلاثة الاف اميركي من المدنيين المسالمين فلا ينبغي ان يتكرر
ذلك لا في اوروبا ولا في اميركا ان امام الثلاثين مليون مسلم الذين يعيشون في الغرب
في الوقت الحاضر فرصة ذهبية للاستفادة والتطور والتعلم ولكي يكونوا جسرا بين
مجتمعاتهم الاصلية ومجتمعاتهم الجديدة. فلعل وعسي ان يغسلوا بكريم سلوكهم
وانجازاتهم بعض او كل ما علق بسمعة الاسلام والمسلمين من ادران واوزار.