مقالات د. سعد الدين إبراهيم

في فقه التغيير والتطوير اليمن يسارع إلي حلاقة الرأس

اليمن بلد عربي ساحر لكثير من الغربيين، ولقلة من العرب، الذين زاروه أو أقاموا به. فهو ذو حضارة عريقة، وشعب دمث الطباع، وطبيعة جبلية صحراوية بحرية متنوعة وخلابة.
وقد ذهبت الحقبة التي كان يتندر فيها عرب الشمال علي تخلف عرب الجنوب. بل وكان عرب الجنوب أنفسهم في الجزيرة والخليج، يتندرون علي جنوب الجنوب أي اليمن السعيد . ولكن منذ الثورة اليمنية عام 1963، واليمن يشهد أحداثاً متتالية، كان بعضها ممعا في العنف وإراقة الدماء، خلال العقدين التاليين للثورة مباشرة. ولكن معظمها في العقدين الأخيرين انطوي علي إنجازات مبهرة ربما كان أهمها توحيد شطري اليمن، واكتشاف واستثمار الثروة النفطية في تطوير وتنمية اليمن، وسيادة الاستقرار السياسي في البلاد. وقد أغني ذلك كله اليمنيين شر سؤال الأشقاء والغرباء، علي حد سواء.
ومهما كانت إنتقادات بعض اليمنيين والعرب لنظام الرئيس علي عبد الله صالح، إلا أن الجميع يعترف للرجل بالفطنة والكياسة والتواءم الأسرع مع المتغيرات الإقليمية والعالمية. فقد جنب الرجل اليمن المخاطر والتداعيات السلبية لأربعة حروب أحدها في اليمن نفسه (بين الشمال والجنوب)، وثلاثة في منطقة الخليج: العراق مع إيران، (1980 1988) والعراق في الكويت ومع تحالف دولي (1990 1991)، والعراق مع تحالف غربي قادته الولايات المتحدة (2003). وكان الرئيس اليمني هو الأسبق للتجاوب مع تداعيات مع ما بعد الحرب الباردة، ومع ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. من ذلك أنه رأي رياح الموجة الديمقراطية الثالثة تجتاج العالم منذ إنقلاب البرتغال في سبعينيات القرن الماضي، وتوقفها عند الشواطئ العربية. فقد تمترس زملاؤه من الحكام العرب خلف أسوارهم للاستبدادية، رافضين، حتي رمزيات المشاركة في السلطة مع قوي المعارضة. خالف علي عبد الله صالح سرب المستبدينالعرب، منذ عام 1990، وأجري تعديلات دستورية سمحت بمزيد من التعددية الحزبية، وبانتخابات تنافسية نيابية، جعلت التجربة اليمنية هي الأكثر ديمقراطية بين جيرانها في الجزيرة العربية وعبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وليس لدينا أوهام حول التجربة اليمنية في الديمقراطية. فرغم أنها واعدة، إلا أنها لم ترق بعد إلي مصاف الديمقراطيات الناضجة أو المكتلة. وما تنويهنا هنا بالتجربة إلا بقصد الإشادة بما تم علي تواضعه، لأنه الأكثر إنطلاقاً، والأكثر مبادرة.
من ذلك أن اليمن استضاف مؤخراً مؤتمراً حافلاً، حول حقوق الإنسان، والديمقراطية، والمحكمة الجنائية الدولية خلال الفترة من 10 إلي 12 يناير 2004. وقد شارك في تنظيم المؤتمر والدعوة إليه عدة أطراف دولية منها: منظمة لا سلام بلا عدالة التي ترأسها عضوة البرلمان الأوربي، والناشطة العالمية إيما بنينو ، والمفوضية الأوربية، والأمم المتحدة. وقد شاركت في أعمال المؤتمر حكومات أوربية وعربية، وعشرات الأحزاب والبرلمانات ومنظمات المجتمع المدني من أكثر من أربعين بلداً.
سلط المؤتمر الضوء علي أهمية المحكمة الجنائية الدولية، وهي آخر منظمة في منظومة المؤسسات الدولية، حيث تم إنشاؤها عام 2002. وتختص بالتتبع والتحقيق فيما يقدم لها من شكاوي ضد الحكومات ومسؤوليها فيما يتعلق بمخالفات أو انتهاكات حقوق الإنسان أو ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ومحاكمة من ثبت جدية الاتهامات الموجهة لهم. ومن هنا جاء عنوان وهدف المؤتمر الذي ربط بين المحكمة وحقوق الإنسان... فماذا عن الديمقراطية؟
يجمع المراقبون ودعاة الديمقراطية ونشطاء حقوق الإنسان أن البلدان الأكثر ديمقراطية هي الأقل إنتهاكاً لحقوق الإنسان أو إرتكاب جرائم ضد الإنسانية - مثل القتل الجماعي، والتطهير العرقي، وتشريد الناس من أراضيهم وأوطانهم. ورغم أن ثلاثة عشر بلداً عربياً قد وقّعت علي المعاهدة الخاصة بإنشاء المحكمة، إلا أن بلدين فقط هما اللتان صدّقت عليها إلي تاريخه - وهي الاردن وجيبوتي.
من المؤسف والطريف أن الولايات المتحدة نفسها لم توقع علي اتفاقية المحكمة، توجساً من تعرض جنودها في الخارج للملاحقة والمحاكمة علي إنتهاكات حقوق إنسانية. هذا مفهوم، وإن كان لا تبرير له، من دولة عظمي تدعي أنها راعية وداعية للديمقراطية في كل مكان!.
ولكن الأكثر أسفاً والأشد طرافة، والذي لا يوجد له مبرر علني علي الإطلاق، فهو عدم توقيع ثماني دول عربية علي الاتفاقية، وامتناع أو تلكؤ إحدي عشرة من التي وقّعت في التصديق. وبذلك أضاقت علي نفسها فرصة ترشيح قضاة من ابنائها للجلوس علي منصة المحكمة. وطبعاً السبب الأكثر احتمالاً هو توجس قيادات في هذه الدول من الملاحقة والمحاكمة علي ما ارتكبوه من جرائم ضد أبناء شعوبهم أو ضد شعوب أخري مجاورة!.
حضر المؤتمر أكثر من ثمانمائة مشارك. وكان اللافت للأنظار مشاركة وفد عراقي كبير، سواء من المسؤولين في الحكومة المؤقتة أو منظمات المجتمع المدني العراقية. وكان احتفاء الجميع بهم من القلب، فقد افتقدت المنتديات والتجمعات العربية مشاركة الأشقاء العراقيين الأحرار لسنوات طويلة. ولام المشاركون العراقيون الظن بهم فقد كان أداؤهم رائعاً ومسؤولاً، للأشقاء العرب الذين تركوهم وحدهم تحت رحمة من لا يرحم، وهو صدام حسين، الذي جعل حاكما دمويا مثل أبو الحجاج الثقفي، يتضاءل إلي جانبه مثل طفل يحبو.
أما العبارة التي لن ينساها الكثيرون، فقد جاءت ضمن خطاب الرئيس علي عبد الله صالح، الذي افتتح وختم المؤتمر بنفسه. كانت العبارة الأولي هي أنه لم يعد في العالم، وبالقطع في الوطن العربي مكان للديكتاتوريات . أما العبارة الثانية فهي أنه إذا لم يبادر الحكام العرب بحلق رؤسهم من تلقاء أنفسهم، فإن آخرين سيحلقون هذه الرؤوس رغم أنوفهم .
كانت طرافة العبارة الأولي هي أن كثيرين يعتقدون أن الرئيس اليمني نفسه هو أحد هذه القيادات الديكتاتورية. ومن الواضح إما إنه لا يشاركهم هذا الاعتقاد، أو أنه ينوي أن يزيل عن نفسه هذه الصفة في أقرب وقت. وربما استخدم المناسبة للتبشير بما هو مقبل عليه.
أما طرافة العبارة الثانية حول "حلق الرؤوس، اختياراً أو إجباراً"، فقد كانت الأكثر بلاغة وألواناً. ولم تكن مصادفة أنني حينما استخدمت عبارة مماثلة في معناها منذ ستة شهور (الحياة 13/8/2003) إن لم يكن التغيير بيدنا، فستمتد يد عمرو لتقوم بالتغيير ، قامت دنيا العديد من المثقفين العرب ولم تقعد. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
هنيئاً لليمن بهذا المؤتمر الناجح، وهنيئاً للرئيس اليمني علي عبد الله صالح بتبشيره بمزيد من الديمقراطية في اليمن، وندعو الله أن يقوم هو، بنفسه، بحلاقة رأسه.
سعد الدين إبراهيم

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية