مقالات د. سعد الدين إبراهيم

ديمقراطيون وإسلاميون في تركيا
 


قضيت عشرة أيام في تركيا، خلال النصف الثاني من شهر يونية 2004، شاركت في أثنائها في مؤتمر دولي عن "دور الثقافات في التوتر الكوني المعاصر" (استانبول 20-23/6)، وتجولت في الجزء الأسيوي من تركيا، مراقباً ومتحدثاً مع عشرات من المثقفين والسياسيين والمواطنين الأتراك من الجنسين، ومن مختلف الطبقات. وهذه هي الزيارة العاشرة التي أقوم بها لتركيا، خلال ثلاثين عاماً، ولكنها الثانية في السنة الأخيرة، بعد الخروج من السجن.
كنت قد تابعت باهتمام أثناء سجني (2000-2003) ما يحدث في تركيا من تطور سياسي لحزب "العدالة والتنمية" الذي يرأسه الناشط الإسلامي رجب أردوغان. وخلال نفس تلك السنوات الثلاث كنت قد دخلت في حوار مثير مع زملائي الإسلاميين المصريين في سجن مزرعة طره. وضاعف من حرارة الحوار وقوع أحداث كونية جسيمة، أهمها الهجوم الانتحاري على مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، صباح 11 سبتمبر 2001، وما أعقب ذلك من تداعيات، شملت إعلان الحرب الأمريكية على الإرهاب، بداية بأفغانستان، ضد نظام طالبان بزعامة الملا عمر، وتنظيم القاعدة، بزعامة السعودي أسامة بن لادن والمصري أيمن الظواهري، ومروراً بغزو العراق لإسقاط نظام البعث الحاكم بقيادة صدام حسين.
ولأن أصابع الاتهام الأمريكية قد أشارت إلى عشرين متهماً، كلهم من المسلمين، اعتبرتهم مسئولين عن تفجيرات 11/9/2001، ولأن ردود فعلها كانت كلها موجهة إلى بلدان إسلامية، فقد تصاعدت الشكوك لدى الكثيرين ـ شرقاً وغرباً ـ عما إذا كان ما يحدث هو تحقيق نبوءة عالم السياسة الأمريكي صاموئيل هنتجنتون عن "صدام الحضارات". ومع ذلك حرص كثير من كبار المسئولين في الغرب على نفي مقولة صدام الحضارات عموماً، وصدام الغرب مع الإسلام والمسلمين خصوصاً. وأمعن الرئيس الأمريكي جورج بوش على تأكيد هذا المعنى، بل أنه حرص على التنويه بعظمة الدين الإسلامي وبفضل المسلمين على الحضارة الغربية. ويتعمد في كل فرصة مواتية زيارة المركز الإسلامي في العاصمة واشنطون، والحديث إلى الجاليات الإسلامية والعربية في الولايات المتحدة. ولكن هذا كله لم يضع نهاية للشكوك والمخاوف حول مقولة صدام الحضارات، رغم مرور عشر سنوات على إطلاقها وإطلاق مئات التصريحات والمقولات المضادة لنفيها. ولم تكن مجرد صدفة أن يختار منظمو مؤتمر "دور الثقافات في التوتر الكوني" مدينة استنابول لكل هذه المؤتمرات الفكرية ـ والأكاديمية، والسياسية ـ العسكرية، لم يخلو من مغزى. فكما لو كان هناك حرص مشترك من مسلمين وغربيين على إعادة فتح ملفات كثيرة للعلاقات بينهم، دون تمويه أو استعداء أو مجاملة، ولكن بقصد الفهم من ناحية، واستكشاف طرق ووسائل احتواء التوتر من ناحية أخرى.
لماذا بدت استانبول موقعاً مثالياً لهذه المؤتمرات الثلاثة؟
إن استانبول، والتي تبدّل اسمها من القسطنطينية إلى اسلامبول إلى اسمها الحالي، هي أكبر مدينة إسلامية في القارة الأوربية. فسكانها حوالي عشرة ملايين نسمة، وتقع في الجزء الأوربي من تركيا. وهي أكثر المدن التركية ذات الصبغة الغربية. وكانت هذه الطبيعة الأوربية للمدينة هي التي دفعت مصطفى كمال أتاتورك لاختيار موقع آخر ومدينة أخرى كعاصمة لتركيا بعد ثورته في أوائل عشرينات القرن العشرين، وهي الثورة التي أنهت الإمبراطورية ألغت خلافة سلاطين آل عثمان. ورغم ميوله التحديثية المفرطة وعلمانيته المتشددة، إلا أنه كان قبل كل شئ قومياً تركياً متشدداً. وكرمز لهذه القومية التركية احتار مدينة "أنقرة" عاصمة للجمهورية التركية، التي أعلنها على أشلاء الخلافة الإسلامية والامبراطورية العثمانية البائدة. وكانت أنقرة في قلب منطقة الأناضول، بعيدة عن التأثير الأوربي المباشر، الذي رمزت له استانبول. وقد انطوى المشهد الكمالي الأتاتوركي على "فصامية" أو اذدواجية محيرة في زمانه. وظلت هذه الفصامية جزءاً لا يتجزأ من المشهد التركي إلى الوقت الحاضر ـ أي بعد ثمانين عاماً من الثورة الكمالية.
ولكن اختيار استانبول موقعاً للمؤتمرات الثلاثة في نفس الأسبوع، لم يكن بسبب هذه الاذدواجية أو الفصامية لمدينة أنقرة، بقدر ما كان ينطوي على الأمل الواعد لمدينة استانبول كجسر للتواصل وليس للصدام الحضاري.
كذلك كانت استانبول تمثل مفارقة إيجابية أخرى. فهي القاعدة التقليدية التي انطلق منها الناشط الإسلامي رجب أردوغان منذ عشرين عاماً. فقد نشأ الرجل في أسره متواضعة في أحد الأحياء الشعبية التي يقصدها الوافدون من قرى الأناضول، نظراً لإنخفاض إيجارات مساكنها المكتظة. ومثل معظم المهاجرين الفقراء من الريف، كان أبوه متديناً، فأرسل الابن (رجب) إلى مدرسة "الأئمة والخطباء" وكان هذا النوع من المدارس مستحدثاً، في ستينيات القرن الحادي والعشرين، ويجمع بين منهج التعليم التركي ـ العلماني العام ومنهج التعليم الديني (القرآن والحديث واللغة العربية). ورغم صعوبة هذه المدارس، إلا أن إقبال أبناء المهاجرين الريفيين عليها كان شديداً. كما أن خريجيها كانوا يحوزون على مجموع درجات أعلى في المتوسط من زملائهم في المدارس التركية ومدارس اللغات الأجنبية في الشهادات العامة، وخاصة التي تؤهلهم لدخول الجامعات وخلال ربع قرن من بدء مداس "الأئمة ـ الخطباء"، كان خريجوها يتصدرون، ما نسميه في مصر بكليات القمة ـ مثل الهندسة والطب والصيدلة ـ أكثر من ذلك بدأ بعض خريجي كليات القمة هذه، الذين أتوا أصلاً من مدارس الأئمة ـ الخطباء، يخوضون غمار المجالس المحلية في المدن الكبرى. وخلال عقد التسعينات من القرن العشرين نجح هؤلاء في الفوز برئاسة بلديات المدن التركية الكبرى: استانبول، أنقرة، أزمير، وقونية. وكانت المحليات في تركيا مثلها مثل المحليات في مصر والعديد من دول العالم الثالث موقعاً للفساد. ونجح الوافدون الجدد من خريجي مدارس الأئمة ـ الخطباء في أن ينظفوا هذه المحليات، ويرفعوا مستوى الأداء، والذي استفاد منه في المقام الأول سكان المناطق الشعبية الفقيرة والمكتظة، وهو ما ساعد بدوره هذا الجيل الجديد من الوافدين إلى عالم السياسة التركية في أن ينتقلوا تدريجياً من خوض انتخابات المحليات إلى خوض الانتخابات القومية العامة للبرلمان التركي. وبسبب سمعتهم الناصعة على مستوى المحليات، حالفهم الحظ على هذا المستوى القومي أيضاً، حتى وصلوا في نوفمبر 2002 إلى الحصول على أكثرية برلمانية، مكنتهم من تأليف الحكومة التركية الحالية بزعامة رجب أردوغان.
خاض أردوغان الانتخابات البرلمانية تحت لافتة حزب جديد اسمه حزب "العدالة والتنمية"، وهو حزب ذو توجه إسلامي معتدل. ونشأ على أشلاء أحزاب إسلامية سابقة ـ مثل حزب "الفضيلة" وحزب "الرفاة"، اللذان كانا أسسهما ناشط إسلامي سابق هو المهندس نجم الدين أربكان في الربع الأخير من القرن العشرين. ولكن المؤسسة العسكرية التركية كانت للإسلاميين بالمرصاد فهي تعتبر نفسها حامية التراث الكمالي العلماني. ولم يبدد مخاوفها. ولأن الدستور التركي يعطي المؤسسة العسكرية مهمة الحفاظ على علمانية الجمهورية التركية، فقد نجحت عدة مرات في تكتيل الأحزاب السياسية ضد أربكان وحزبه الإسلامي، وأجبرته أكثر من مرة على الاستقالة من رئاسة الحكومة، بل ومن الحياة السياسية كلها. وقد استفاد جيل الناشطين الإسلاميين التالي الذي يقوده رجب أردوغان وعبد الله جول، من الدروس المريرة التي خاضها أربكان وحزبي الفضيلة والرفاة. فلم يرفعا أي شعارات إسلامية صارخة، ولم يتحدثا عن تطبيق الشريعة، ولا نقدا أو ناهضا توجه المؤسسة العسكرية التركية للتحالف الاستراتيجي مع إسرائيل. أكثر من ذلك أظهر حزبهما ـ وهو العدالة والتنمية ـ حماساً ملحوظاً للانضمام إلى الاتحاد الأوربي، والتجاوب مع شروطه سواء في حل المسألة القبرصية، أو حل المسألة الكردية، أو قضايا الحريات وحقوق الإنسان. ونجح الحزب في كسب تأييد وتعاطف الأحزاب الديمقراطية الأوربية والبرلمان الأوربي خلال سنوات قليلة، بشكل لم تنجح فيه الأحزاب التركية العلمانية خلال نصف قرن. بل أصبح ما يتمتع به حزب العدالة والتنمية أوربياً من إعجاب، بمثابة حصانة له في أي مواجهة محتملة مع المؤسسة العسكرية التركية. وهكذا نجح أردوغان، لا فقط فيما لم تنجح فيه الأحزاب العلمانية ولكن أيضاً فيما لم تنجح فيه الأحزاب الإسلامية السابقة بقيادة استاذه ومعلمه نجم الدين أربكان.
لم أجد في تركيا ذعراً بين المثقفين بسبب وجود حكومة ذات توجهات إسلامية. لقد اعترف معظم من تحدثت معهم من أساطين العلمانيين الأتراك، أن حكومة أردوغان قد كسبت احترامهم بنفس الطريقة التي كسبت احترام أوربا. إن حزب العدالة والتنمية ربما يدخل التاريخ كبداية لما يمكن تسميته بالأحزاب الديمقراطية الإسلامية. وتكون مثلها في ذلك مثل الأحزاب الديمقراطية المسيحية التي نشأت في أوربا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية