قالات د. سعد الدين إبراهيم

مع مستشاري جون كيري
 


السيناتور جون كيري هو مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة ضد جورج دابليو بوش، الرئيس الحالي ومرشح الحزب الجمهوري الحاكم في انتخابات الرئاسة الأمريكية، التي ستجري في الثلاثاء الأول من نوفمبر 2004.
وكالعادة في الحملات الانتخابية الرئاسية يحشد كل مرشح عدداً من المستشارين ومراكز الدراسات والسياسات لإعداد أوراق عمل حول المسألة الرئيسية التي تشغل الرأي العام الأمريكي، والتي يجب علي المرشح أن يكون مستعداً لتوضيح موقفه حيالها، أثناء الحملة، ثم بعد انتخابه هذا علماً أن هناك دائماً هامش اختلاف بين ما يقوله المرشح أثناء الحملة الانتخابية، ثم ما سيفعله بعد انتخابه، وينطبق هذا بشكل حاد علي الصراع العربي الإسرائيلي. فمن الملاحظ، أن المتنافسين علي الرئاسة يتبارون علي كسب أصوات الناخبين اليهود، الذين يصل عددهم إلي حوالي أربعة ملايين صوت، ورغم أنهم يمثلون أقل من 3% من مجموع الناخبين إلا أنهم يرجحون كفة أي مرشح في الولايات الكبري التي يتركزون فيها.. مثل نيويورك، وكاليفورنيا، وبنسلفانيا، وايلينوي، وفلوريدا. هذا فضلاً عن أن الناخبين اليهود هم أولاً، الأكثر مواظبة وانضباطاً في الإدلاء بأصواتهم من أي مجموعة أو جماعة أمريكية أخري. كما أنهم الأكثر تبرعا وتطوعاً في الحملات الانتخابية. لذلك يمكن القول إن وزنهم الانتخابي يعادل عشرة أمثال وزنهم العددي في الساحة السياسية الأمريكية، يعرف المرشحون سواء للرئاسة أو الكونجرس ذلك، كما يعرفه الأمريكيون اليهود أنفسهم وهذا هو ما يفسر مزايدات المرشحين لكسب هذه الأصوات من خلال التأييد شبه المطلق لإسرائيل، وإغداق الوعود لها مستقبلاً.
بهذه الخلفية استغربت بعض الشيء حينما طلب مني السيناتور جوزيف بايدن، وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، وأحد كبار مستشاري السيناتور جون كيري، أن أقدم منظوراً عربياً للعاملين في حملة المرشح الديمقراطي. ومع ذلك فانطلاقاً من اقتناعي بأهمية الحوار مع الآخرين، مهما كان الاختلاف بيني وبينهم، فقد لبيت الدعوة، واجتمعت بعدد من المستشارين في حملة المرشح جون كيري بمكتب السيناتور جوزيف بايدين، مساء الأربعاء 7/7/2004. وفيما يلي أهم ما عرضته من اجتهادات حول أربع من قضايا العالم العربي والشرق الأوسط.
حول الصراع العربي الإسرائيلي، كانت وجهة نظري هو أن يلح المرشح الديمقراطي علي ما يقبله أغلب الإسرائيليين 54% والفلسطينيين 57%، طبقاً لنتائج استطلاعات الرأي العام، وهي الخطوط العريضة للمصالحة التاريخية التي انطوي عليها اتفاق جنيف، الذي دفعه إسرائيليون يقودهم يوسي بيلين، وفلسطينيون يقودهم ياسر عبدربه، ويقضي بإنشاء دولة فلسطينية علي حوالي 97% من الضفة والقطاع، والقدس الشرقية كعاصمة لها، ويعود إليها معظم اللاجئين الفلسطينيين، مع أعداد رمزية في حدود مائتي ألف يعودون إلي ديارهم داخل خطوط ما قبل ،1948 وتعويض للآخرين عن أملاكهم. ولا يختلف اتفاق جنيف كثيراً عن الخدمة التي كان قد تم التوصل إليها في كامب ديفيد في يوليو ،2000 وتحسنت شروطها قليلاً في طابا وفي ديسمبر من نفس العام وكان التلكؤ في توقيع الاتفاق سبباً في خسارة باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي للانتخابات بعد ذلك بشهرين وتولي أرييل شارون الحكم، ورفضه الاستمرار في عملية السلام، هذه التي كان يرعاها الرئيس الأمريكي كلينتون. وساعده علي التملص منها كلية، انتهاء مدة رئاسة هذا الأخير، وتولي بوش الابن، وعدم اهتمامه بهذا الملف الفلسطيني طوال السنتين الأولتين من رئاسته.
كل الأحوال كانت نصيحتي لفريق المرشح الديمقراطي أن يواصلوا المسيرة السلمية من حيث كان قد تركها رئيس ديمقراطي سابق كلينتون ، ومن حيث أدخل عليها فلسطينيون وإسرائيليون تحسينات وتفصيلات هامة ومن حيث باركها في جنيف في أواخر عام 2003 ثلاثة رؤساء أمريكيين سابقين- هم جيمي كارتر، وبيل كلينتون، وجيرالد فورد - وزعماء عالميون آخرون، في مقدمتهم نيلسون مانديلا وتوني بلير وجاك شيراك، وكوفي عنان، فضلاً عن حوالي خمسين من الفائزين بجوائز نوبل.
من ذلك وفرت للعاملين في حملة جون كيري عدداً كبيراً من توقيعات منظمات يهودية أمريكية تؤيد وثيقة جنيف، حتي لا يخضع لابتزازات المتطرفين اليهود، الذين يسارعون عادة باتهام الآخرين بمعاداة السامية.
وحول العراق، كانت نصيحتي هي المسارعة بتكوين ألوية وفيالق للحرس الوطني العراقي في كل محافظة من أبناء المحافظة، الذين سبق لهم الخدمة في القوات المسلحة العراقية خلال العشرين عاما الماضية، وتم تسريحهم في السنوات الخمس الأخيرة، ممن هم دون سن الأربعين فلأنهم من أبناء المحافظة، فهم أدري بشعابها، ولهم روابط عائلية وعشائر وقبلية بسكانها، ومن ثم سيكونون الأكثر حرصا علي التعامل المسؤول واللائق بذويهم، كذلك سيكون أبناء كل محافظة أحرص علي حماية اخوتاهم المجندين في الحرس الوطني من اعتداءات الغرباء الذين يتسللون الي أرض محافظتهم، كذلك يساعد هذا الاقتراح علي التخفيف من مشكلة البطالة بين أكثر من ميلوني عراقي من الذين سبق لهم الخدمة في أحد فروع القوات المسلحة العراقية، وتم تسريحهم باجراء أرعن من سلطة الاحتلال الأمريكي في العراق خلال الاسابيع الاولي بعد الغزو، وفي كل الاحوال بالموازاة لتكوينات الحرس الوطني العراقي، للحفاظ علي الأمن، لابد من المضي قدما في الاستعداد لانتخابات نيابية قبيل نهاية عام 2004 أو في بداية عام ،2005 تمهيدا لتكوين حكومة عراقية مستقلة تماما وتتمتع بشرعية لا يداخلها الشك، وتنسحب القوات الأمريكية الي مناطق في الشمال حيث ما يزال اكراد العراق يرحبون بها كقوات تحرير - لا كقوات محتلة - وتظل لعدة شهور مستعدة لتلبية طلب المساعدة من الحكومة الشرعية المنتخبة الي ان يتم استكمال بناء مؤسسات الدولة العراقية الجديدة ويمكن ان يدعو جون كيري أثناء الحملة الانتخابية الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي لارسال قوات لحفظ السلام والأمن في كل العراق خلال تلك الفترة الانتقالية وباختصار، كانت النصيحة هي رفع شعار لنترك العراق للعراقيين، وليعد أبناؤنا الأمريكيون إلي ذويهم .
حول مسألة دارفور، والتي تهم الناخبين الأمريكيين السود (الزنوج) في المقام الأول، وهم حوالي عشرين مليون ناخب، كانت النصيحة هي المسارعة بارسال معونات إنسانية - غذائية وطبية، ثم ارسال مراقبين دوليين وطلب قوات حفظ سلام من منظمة الوحدة الافريقية (الاتحاد الافريقي)، ثم في الأجل المتوسط والطويل الدعوة الي ترتيبات سياسية مماثلة لما انطبق عليه اتفاق السلام بين الشمال والجنوب، والذي يضمن مشاركة عادلة في السلطة والثروة، طبقا للوزن النسبي لسكان محافظتي غرب السودان (دارفور، وكوردفان)، أسوة بمحافظات الجنوب، وهذا مع المطالبة بالتعجيل بتصفية ميليشيات الجانجويد التي روعت السكان الآمنين في دارفور، منعا لتكرار نفس المسلسل المأساوي في السودان، بل والمطالبة بترتيبات مماثلة في محافظات شرق السودان.
وحول التحول الديمقراطي في العالم العربي، كانت النصيحة هي ان يدعو جون كيري بدعم القوي الديمقراطية في كل بلد عربي معنويا، وان تكف أمريكا عن دعم الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة بالمساعدات أو الاستثمارات وعدم التدخل المسلح في شؤون المنطقة، مثلما حدث في العراق وأفغانستان، تاركة معركة التحول الديمقراطي للجدل الوطني والصراع المحلي بين دعاة الديمقراطية والأنظمة السلطوية، ومثلما اقترحنا لحملة جون كيري شعار لنترك العراق للعراقيين فليكن شعار حملته حول الديمقراطية هو ان مسؤولية بناء الديمقراطية تقع في المقام الاول علي كاهل الديمقراطيين العرب .
سأل العاملون في الحملة الانتخابية لجون كيري عشرات الاسئلة الاضافية حول الإسلام، والتطرف، والإرهاب، واجتهدت في الاجابة عليها، مما لا يتسع المقام للتفصيل فيه في هذا المقال، وربما نعود إلي هذه الاسئلة في مقال آخر.
 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية