مقالات
د. سعد الدين
إبراهيم
في فقه التعذيب
مازال العالم المتحضر يعبر عن صدمته وغضبه وغثيانه من مظاهر التعذيب التي تعرض لها
العراقيون في سجن أبوغريب علي أيدي جنود الاحتلال الأمريكيين، فرغم ان سجون العالم،
قد عرفت أبشع ألوان التعذيب علي مر التاريخ، إلا أن هذه هي المرة الأولي، التي يتم
فيها تسجيل وقائع هذا التعذيب بالصور المفصلة والملونة، بواسطة الضالعين فيه أنفسهم،
وهو ما يدينهم، عملا بالقاعدة القانونية التي تقول ان الاعتراف هو سيد الأدلة .
طبعا مما أضاف إلي الاثارة والغضب والغثيان، هو الأبعاد الجنسية الشاذة التي أدخلها
جنود الفيلق رقم ،372 الذي كان مسؤولا عن سجن أبوغريب - مثل اجبار المعتقلين علي
ممارسة اللواط العلني، واجبار السيدات علي البقاء عاريات، والتناوب علي اغتصابهن،
هذا فضلا عن أن مجندات أمريكيات قد شاركن في ممارسات التعذيب والاغتصاب، فقد قفزت
علي الصفحات الأولي من كبريات الجرائد الأمريكية، أولا، ثم العالمية بعد ذلك مشهد
المجندة ليندي انجلند وزميلها المجند شارلز جوانز وهما يمارسان تعذيب أحد المعتقلين
العراقيين ويستمتعان بما يفعلان، كما تشير علامة إصبع يد ليندي التي تدل علي النشوة
والاستحسان ورؤيت نفس المجندة في صورة ثانية، وهي تسحب سجينا عراقيا آخر، مقيد
اليدين، وملقي علي الأرض عاريا، ومربوطا بحبل طويل حول عنقه، مثله مثل كلب أو حيوان
آخر.
هذه المشاهد وما صاحبها من شهادات واعترافات مفصلة صدمت المجتمع الأمريكي نفسه ربما
أكثر مما صدمت غيره فهذا المجتمع يعتقد انه أرقي وأرحم المجتمعات، وأكثرها احتراما
لآدمية البشر ولحقوق الإنسان، وحكم القانون فإذا به يفاجأ بأن أبناءه وبناته
يمارسون ما لم يخطر علي البال من بشاعات مع أبناء الشعب الذي قيل لهم أن أمريكا قد
جاءتهم لا كقوة احتلال ولكن كقوة تحرير وتبشرة بالحرية واحترام حقوق الإنسان، ولم
يقتنع الرأي العام الأمريكي بالمبررات التي ساقها وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، أو
الرئيس الأمريكي جورج بوش من أن الضالعين في هذا التعذيب هم أقلية هزيلة لا تتجاوز
نصف في المائة من الجنود الأمريكيين في العراق، كما لم يشفع لهم أن الذي ابلغ عن
هذه الممارسات هم مجندون أمريكيون، ثارت ضمائرهم مثل العريف جوزيف دربي أو أن الجيش
قد قام بتقصي الحقيقية من خلال لجنة عليا برئاسة الجنرال انطونيو تاجوبا، وقدمت
تقريرا دامغا حول هذه الممارسات.
كذلك لم يخفف من صدمة الأمريكيين وغضبهم ما ارتكبته جماعة أنصار الإسلام بتصوير حكم
الإعدام في مواطن أمريكي هو نيكلوس برجر، بقطع رقبته بالسيف صحيح قالت هذه الجماعة
من خلال زعيمها ويدعي عبدالله الزرقاوي انه فعل ما فعل ردا وانتقاما من الأمريكيين
لممارسات التعذيب والإذلال للعراقيين، ان الأمريكيين الذين تحدثت إليهم أو قرأت لهم
يدينون منا فعله الزرقاوي، ولكنهم لا يستغربونه، فهو مثله مثل بن لادن، وغيرهما من
الإسلاميين، يمكن ان يفعلا أي شيء باسم الدين ، أيا كان تفسيرهم لهذا الدين، ولكن
المجتمع الأمريكي يخضع في نظرهم لقيم ومعايير وروادع أخري ومختلفة لا تسمح بما حدث
في سجن أبوغريب.
هذا الغضب الأمريكي ظهر في الأيام الأربعة الأخيرة من خلال استفتاءات الرأي العام،
فقد انخفضت شعبية الرئيس بوش لأول مرة إلي ما دون الخمسين في المائة، بينما كانت في
مثل هذا الوقت من العام الماضي تزيد علي 75 في المائة، لذلك، انخفضت نسبة من
يعتقدون ان قرار الحرب في العراق كان قرارا صائبا، من أكثر من 77 الي 40 في المائة
خلال نفس المدة، أوصبح عدد متزايد من المعلقين يعتقدون ان احتمالات خسارة بوش
للانتخابات الرئاسية في نوفمبر قد اصبحت حقيقية فالمنافس الديمقراطي جون كيري له
شعبية تزيد الآن عن 52 في المائة، ولكن كما نعلم جميعا ماتزال هناك ستة أشهر يمكن
ان يحدث فيها ما يغير هذه النسب المئوية لكل منهما، ومن الواضح الي تاريخه ان جون
كيري لم يستغل فضيحة تعذيب الأسري العراقيين ولا الغضب العارم للرأي العام في احراج
الرئيس بوش والحزب الديمقراطي بما فيه الكفاية الي الآن ويبدو أداؤه حول هذا
الموضوع باهتا.
أما علي الجانب العربي، فقد لاحظت وسائل الإعلام الأمريكية الفارق الكبير بين صمت
المسؤولين العرب والإدانات اللفظية الصاخبة للدوائر الشعبية، كما تعكسها صحف
المعارضة والفضائيات العربية وترجع هذه الفجوة في نظر المراقبين الي ان الحكام
العرب أنفسهم قد مارسوا في سجونهم الوانا من التعذيب نوهت عنها كل المنظمات
الحقوقية المحلية والدولية طوال السنوات العشرين الأخيرة، وبالتالي آثر هؤلاء
الحكام الصمت أي أننا أصبحنا هنا بصدد ظاهرة فريدة لا تتكرر كثيرا في السنوات
الأخيرة، وهي التوافق في الغضب والإدانة والاشمئزاز في كل من الرأي العام الأمريكي
الذي أتي من أبنائه المذنبين والرأي العام العربي الذي أتي منه الضحايا.
ان أمريكا الرسمية قد اصيبت في مقتل بالعراق كان هذا المقتل الي شهر مضي هو تصاعد
المقاومة العراقية المسلحة، واتساع رقعتها فلم تعد محصورة فيما يسمي بالمثلث السني
- بغداد، تكريت، الفلوجة، فقد انضم الي هذا المثلث جيب في الجنوب الشيعي، وتحديدا
في مدينتي (النجف وكربلاء) التي تضم العتبات المقدسة وهي المقاومة التي يتزعمها
الشاب المتحمس مقتدي الصدر وهو ظاهرة ملتبسة، وتستحق معالجة مستقلة في مقال آخر.
ولكن المقتل الجديد هو الذي حدث علي أيدي الجنود الأمريكيين أنفسهم، بممارستهم لما
تحدثنا عنه من تعذيب للأسري والمعتقلين العراقيين وهنا المفارقة، فما لم تحققه
المقاومة العسكرية العراقية المسلحة من اضعاف لإدارة الرئيس بوش، حققه عدد صغير من
الجنود الأمريكيين الذين مارسوا التعذيب، وافتضح أمرهم.
لقد أصبحت الإدارة الأمريكية في اضعف وأسوأ حالاتها فحتي إذا كانت جادة في دعوتها
للديمقراطية في العراق أو في الشرق الأوسط الكبير، فإن هذه الدعوة قد انتكست نكسة
كبري، ربما لا تفيق منها، لقد انخفضت مصداقية هذه الإدارة عموما، وفي مسألة الدعوة
الديمقراطية خصوصا الي ما يقرب من الصفر، فإذا كان لأمريكا أن تلعب دورا في هذا
الصدد علي الاطلاق، فربما يكون علي يد إدارة أمريكية أخري، أو من خلال واجهة
أوروبية.
ان كل احتلال وأي احتلال مهما كانت ادعاءاته نبيلة يولد تلقائيا مقاومة وطنية، إن
آجلا أو عاجلا، والمدهش ان هذه المقاومة في العراق كانت عاجلة وليست آجلة، وحين
تبدأ المقاومة فلا سبيل للقضاء عليها بواسطة قوات الاحتلال النظامية، مهما كانت
قوتها وحجمها لم تستطع قوات الاحتلال الإسرائيلية ذلك في مواجهة مقاتلي حزب الله في
جنوب لبنان رغم الفارق الشاسع في قوة النيران ومستويات التدريب فذلك الجيش
الإسرائيلي الذي انتصر علي كل الجيوش العربية خلال الخمسين سنة الماضية، لم يستطع
ان ينتصر علي مقاتلي حزب الله ونحن نري الشيء يتكرر في فلسطين، وفي العراق.
كما قال ماوتسي تونج الزعيم الصيني الأشهر، والذي قاد حربا شعبية ممتدة لأكثر من
عشرين عاما، ضد الاحتلال الياباني ثم ضد تشانج كاي تشيك: إذا لم ينتصر الجيش
النظامي علي المقاومة الشعبية، فهو الخاسر النهائي في الصراع، وإذا لم تنهزم
المقاومة الشعبية في مواجهة أي جيش نظامي، فهي المنتصرة في الصراع ان الجيوش
النظامية مدربة لكي تنتصر في الحروب، فإذا لم تحقق هذا الهدف فإن معنوياتها تتدني،
ونفقاتها تتصاعد والتأييد لها من الرأي العام في بلادها يتلاشي تدريجيا، فتضطر في
النهاية للإنسحاب فبهذا المعني تنتصر المقاومة المهم أن تصمد وتستمر حتي ان لم تحقق
انتصارا كاسحا في أي معركة ان استمرارها هو انتصارها.
من الواضح ان جورج دبليو بوش، ودونالد رامسفيلد، وديك تشيني لم يقرأوا ماوتسي تونج
ولذلك ارتكبوا العديد من الحماقات وآخرها فضيحة التعذيب وإذا بقيت قوات الاحتلال
الأمريكية في العراق فإن مزيدا من الحماقات والبشاعات ستقع مهما كانت النيات طيبات،
وهو أمر مشكوك فيه، علي أي الأحوال، ولا حول ولا قوة إلا بالله.