مقالات
د. سعد الدين
إبراهيم
علمانيون وإسلاميون وعسكر في تركيا وإيران
السبت 17/7/2004
استمراراً لحديث سابق عن زيارة لتركيا في أواخر شهر يونيو الماضي (2004)، وحيث
تزامنت عدة مؤتمرات سياسية وفكرية، دارت كلها حول حوار الحضارات، والتوتر الكوني،
والإصلاح السياسي في الشرق الأوسط (الصغير والمتوسط والكبير)، وقمت فيها بجولة في
الداخل التركي، حيث الأناضول أو قلبها الريفي الأسيوي.
وقد سيطرت على المناقشات في أحد أيام المؤتمر مقارنتين، أحدهما بين تركيا وإيران،
والثانية بين تركيا ومصر. فهذه البلدان الثلاثة متقاربة في الوزن السكاني، فكل منها
حوالي 70 مليون نسمة. ومن حيث الأهمية الاستراتيجية، فكل منها يطل ويتحكم في مجاري
مائية وشواطئ بحرية هامة للتجارة الدولية. وأهم من ذلك أن كلاً من هذا الثلاثي هو
مركز ثقافي للعالم العربي، وتركيا هي المركز الثقافي للبلدان الناطقة بالتركية من
الجمهوريات السوفيتية السابقة، والتي استغلت بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي (1910).
وبالمثل فإن إيران هي المركز الثقافي لعدد آخر بين البلدان الناطقة بأحد اللهجات
الفارسية من الجمهوريات السوفيتية السابقة، والمتأخمة لها شمالاً. ولكننا سنقتصر في
هذا المقال على المقارنة الأولى ـ بين تركيا وإيران.
بداية تتجاور تركيا وإيران جغرافياً، ولهما حدود مشتركة طويلة، في المنطقة الجبلية،
التي يقطنها الأكراد. وخلال القرون الثلاثة من الخامس عشر إلى الثامن عشر، نشبت عدة
حروب بين الامبراطوريتين العثمانية والفارسية. وفي كل مرة كانت تنتصر أحدهما، كانت
تسيطر بالتالي لا فقط على مرتفعات كردستان، ولكن أيضاً على كل ما يُعرف حالياً باسم
العراق. ورغم استقرار الحدود السياسية بين تركيا وإيران منذ نهاية الحرب العالمية
الأولى، إلا أن مرتفعات كردستان ما تزال منطقة تماس، قابلة للالتهاب بين تركيا
وإيران والعراق.
ولكن المقارنة والمقاربة في مؤتمر دور الثقافات في التوتر الكوني، لم تكن حول
الجغرافيا السياسية، بل حول الدور السياسي للدين في البلدين الكبيرين. وأغنى هذه
المقارنة وجود أربعة مشاركين من إيران وضعف هذا العدد من البلد المضيف، تركيا.
كان هناك ما يشبه الإجماع بين المشاركين الإيرانيين على أن النظام السياسي الإسلامي
الذي جاء مع الثورة التي قادها آية الله الخوميني، فقد بريقه بعد السنوات العشر
الأولى (1979-1989)، والتي أنهكت المجتمع الإيراني، سواء بالمحاكمات الدموية لأنصار
النظام الشاهنشاهي القديم، أو بالصراع الدموي مع العراق، والذي استمر لثماني سنوات.
بعد انتهاء تصفية الحسابات مع بقايا النظام البائد ومع نظام صدام حسين، انتظر
الإيرانيون أن يحقق النظام الحاكم باسم الإسلام (الشيعي الجعفري) كل أو بعض وعوده،
عن استعادة "الفردوس المفقود" ـ أي المجتمع الإسلامي الفاضل، الذي ترفرف عليه أعلام
العدالة والكرامة والعزة والرخاء. فهذا ما تبشر به كل الحركات الإسلامية المعاصرة ـ
أي أنه بمجرد تطبيق الشريعة، ستختفي كل الأمراض الاجتماعية، من فقر وجهل ومرض
وانحلال، وتستعيد الأمة صحتها وقوتها وإزدهارها ومجدها. وظل الإيرانيون ينتظرون...
وينتظرون... وينتظرون، ولكن بلا بوادر أو تباشير هذا الفردوس المنتظر. بل إن العكس
كان هو الذي حدث. فقد تحول رجال الدين الشيعة، آيات الله والمجتهدين والأئمة، إلى
طبقة حاكمة، تمارس السلطة، وتسيطر على مقدرات المجتمع الإيراني. وكما يقول المثل
الشائع في عالم السياسة إن "السلطة تفسد، والسلطة المطلقة هي مفسدة مطلقة"، فهذا ما
حدث وما يزال يحدث في إيران، خلال السنوات الخمسة عشر الأخيرة، أي مع مرور أو
اكتمال ربع قرن منذ الثورة الإسلامية في إيران. وبدأت الطبقة الوسطى تتململ، ثم
تتبرم بالنظام الحاكم باسم الإسلام. بل وبدأ رجال الشيعة ينقسمون على أنفسهم. وظهر
بينهم تيار إصلاحي معتدل، يحاول أن يخفف من غلواء سلطة رجال الدين. وقاد آية الله
خاتمي، الذي كان وزيراً للثقافة هذا التيار، والتف حوله الشباب والنساء، وأقنعوه أن
يخوض الانتخابات الرئاسية، وهو ما حدث، وتم انتخابه بأغلبية كبيرة ضد منافسيه
المتشددين من آيات الله. ولكن لأن المتشددين كانوا وما يزالو يسيطرون على مؤسسات
الدولة الإيرانية، بما في ذلك منصب المرشد الأعلى للثورة والدولة، وهو موقع لا يتم
ملأه بالاقتراع الشعبي العام، ولكن بتوافق كبار رجال الدين الشيعة. ومثله مثل
الأمين العام للحزب الحاكم في الأنظمة الشمولية، فإنه يعلو في السلطة والتأثير على
منصب رئيس الجمهورية، وله سلطة الاعتراض على القوانين التي يصدرها البرلمان (المجلس)
حتى لو وافق عليها واعتمدها رئيس الجمهورية. إن المتشددين في إيران أدركوا أن "الإصلاح"
الذي نادى به خاتمي، ومعه الأغلبية الشعبية والبرلمانية سيكون بداية النهاية لحكمهم
وسلطتهم وسيكشف فسادهم. فاستماتوا في مقاومته وتفريع رئاسة خاتمي من محتواها، حتى
بعد إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية. لذلك توصل عدد متزايد من الإيرانيين إلى
خلاصة مفادها أن نظام الحكم الإسلامي القائم لا أمل في إصلاحه، ولا بد من اقتلاعه،
والعودة لا إلى نظام ملكي شاهنشاهي، ولكن إلى نظام جمهوري علماني مدني. بل ومع
اليوم الأخير من مؤتمر دور الثقافة في التوتر الكوني المعاصر، وبعد الاستماع إلى
تفاصيل التجربة التركية المعاصرة، قال أحد المشاركين الإيرانيين، وهو د. محمود سريع
القلم، من مركز الدراسات الدولية في طهران، أنه يبدو له أن إيران تزخر بنسبة "علمانيين"
أكثر من نسبتهم في تركيا"!.
ربما كان د. سريع القلم مبالغاً بعض الشيء. ولكن حقيقة الأمر أن هناك ما يشبه
الإنقلاب بفوز حزب "العدالة والتنمية" في الانتخابات البرلمانية الأخيرة (نوفمبر
2002)، وتشكيله للحكومة الحالية، برئاسة رجب أردوغان. وحينما تجولت في القلب
الأسيوي ،أي أرياف الأناضول، أدركت سر وأبعاد هذا الإنقلاب الصامت على العلمانية
المتطرفة، التي جاء بها مصطفى كمال أتاتورك، قبل ثمانين عاماً، حينما قام بثورته
على نظام سلاطين آل عثمان، وإلغائه "للخلافة"، ولكل المظاهر الدينية الإسلامية،
التي كانت تتستر بها، على كل إنحلالها وعفونتها، وعلى كل هزائمها في القرن الأخير
من عمرها الطويل الذي امتد لحوالي خمسة قرون.
في البداية التفت الطبقة المتوسطة التركية حول مصطفى كمال، واحتفت به بانتصاراته
العسكرية، ضد دول الجوار، وخاصة من اليونان والأرمن، الذين استغلوا مثل غيرهم ضعف
نظام آل عثمان في اقتطاع أجزاء من جسم تركيا نفسها. ومع طرد الغزاة من التراب
الوطني التركي، واسباغ صفات البطولة على مطصفى كمال، وزملائه من شباب الضباط، تشجع
الرجل وزملاؤه على إعلان ثورة شاملة على النظام السلطاني، وكل ما كان يتستر وراءه
من مظاهر الخلافة لكسب الشرعية. ولم يبك كثير من الأتراك على زوال "الخلافة" بل كان
الذين ذرفوا الدموع من المسلمين خارج تركيا على "الخلافة" أضعافاً مضاعفة. من ذلك
أن حركة الإخوان في استانبول، وأحد أهدافها هو إحياء نظام "الخلافة". واصبح هذا
الهدف ضمن أجندة معظم الحركات الإسلامية التي تفرغت وترعرت من الحركة الأم (الإخوان
المسلمين).
ولكن كان معظم من احتفظوا بالثورة التركية والتفوا حولها من أبناء الطبقة الوسطى
الحديثة، بما في ذلك ضباط القوات المسلحة. ومن شدة حماس هؤلاء بالزعيم مصطفى كمال،
فقد أطلقوا عليه لقب "أتاتورك" ـ أي "أبو تركيا والأتراك"، تمييزاً له ولهم عن كل
ما هو "عثماني"، سلطاني، في الدستور على "جمهورية" الدولة التركية، وعلى "علمانيتها"،
وعدم الإشارة من قريب أو بعيد إلى "الإسلام" أو التراث الإسلامي في الدستور وإمعاناً
في القطيعة مع الماضي العثماني، تحولت تركيا والأتراك من استخدام الأبجدية العربية
في كتابة لغتهم، إلى الأبجدية اللاتينية، ومن الأرقام العربية (الهندية) إلى
الأرقام الإفرنجية (التي هي أصلاً مأخوذة عن العرب، كذلك الغيت الاحتفالات الدينية،
وتغيرت العطلة الأسبوعبة من يوم "الجمعة" إلى يوم "الأحد"، والغيت الأوقاف
الإسلامية، التي آلت إلى الدولة. ولم تعد هذه الأخيرة ترعى المساجد أو المؤسسات
الدينية. كما اسند الدستور إلى القوات المسلحة التركية مهمة المحافظة على "الجمهورية
التركية العلمانية"، وعلى الدستور "الكمالي" عموماً.
نجح هذا الاتجاه العلماني المتشدد في النصف قرن الأول بعد الثورة (1942ـ1974)، بفضل
شخصية مصطفى كمال "الكاريزمية" (البطولية)، وبفضل ولاء القوات المسلحة التركية
لأيدولوجية الثورة العلمانية، وبفضل التفاف الطبقة الوسطى، ذات التعليم الحديث
والقيم الغربية الليبرالية.
ولكن الذي لم يفطن إليه المراقبون، لا وقت مصطفى كمال ولا خلال العقود التالية
لرحيله، هو أن معظم الفلاحين الأتراك في هضبة الأناضول، كانوا من أتباع الطرق
الصوفية، وفي مقدمتها الطريقة "النقشبندية"، و"الجيلانية" و "البكوشية". ولأن هذه
الطرق لم تتورط في السياسة، ولم تكن قريبة من السلطان العثماني، فلم يهتم بها ضباط
الثورة الكمالية، واعتبروها غير ذات أهمية، خاصة وأنها لم تعارض علناً الإجراءات
العلمانية المتطرفة للكماليين، والتي كانت موجهة في الأساس ضد "الإسلام السني
المؤسسي" الذي كان قريباً من سلطة الخلافة العثمانية في استانبول . بل ومع إضعاف
الإسلام السني المؤسسي، إذدهرت الطرق الصوفية المذكورة أعلاه. فقد كان لا بد
للأتراك عموماً، وفي الريف خصوصاً، من بديل وظيفي لإشباع حاجاتهم الروحية، فضلاً عن
الضرورات الشعائرية المصاحبة لظواهر مثل الميلاد، والختان، والزواج، والوفاة، وما
إلى ذلك. ثم كانت ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدينة في العقود الأربعة الأخيرة.
وأتى هؤلاء إلى الأحياء الشعبية الحضرية، بتدينهم الصوفي، وأصبحوا بمرور الوقت هم
الأغلبية. وتعلم الجيل الثاني من أبنائهم تعليماً حديثاً مختلطاً ـ مدنياً ودينياً.
ومن أنف قيادات وكوادر أحزاب تركية ذات توجهات إسلامية ـ مثل "الفضيلة" الذي قاده
نجم الدين أربكان، ثم حزب "العدالة والتنمية" الحاكم، والذي يقوده رجب أردوغان،
رئيس الوزراء.
وكانت خلاصة المقارنة بين ما آلت إليه الأوضاع في إيران وتركيا، هي تأكيد أحد
قوانين الحركة في "الميكانيكا"، كما في "الاجتماع"، والسياسة. وهو أنه "لكل فعل رد
فعل، مساو له في القوة، ومضاد له في الاتجاه". لقد كان غلو وتزمت الثورة الخومينية
في إيران، هو ما أدى إلى إنصراف معظم الإيرانيين عنها، وقوفهم "للعلمانية"، وإبعاد
الدين ورجاله عن السياسة. وكان غلو وتطرف الثورة الكمالية العلمانية في تركيا
ومناهضتها للدين هو ما أدى بمعظم الأتراك إلى العودة إلى الإسلام، ولو من خلال
تنوعاته الصوفية. ولعل في هذا الدرس التاريخي حكمة لذوي الألباب في مصر المحروسة،
والتي نعود إليها في مقارنة مع تركيا في مقال قادم.