مقالات د. سعد الدين إبراهيم

أونكل "علي الدين هلال" ونكبة مصر في المونديال
 

 
غبت عن مصر المحروسة ستة شهور، قضيتها في الولايات المتحدة، حيث كنت أستاذاً زائراً في جامعتي كولومبيا ونيويورك. ورغم أنني كنت أتابع أخبار الوطن والأمة من هناك، إلا أنني لم استشعر طبيعة نبض الناس وانفعالتهم بالأحداث عن بُعد. من ذلك الحدث الذي هو موضوع هذا المقال: التنافس المصري مع دول إفريقية أخرى ـ هي جنوب إفريقيا والمغرب ـ لاستضافة مباريات كأس العالم في كرة القدم لدورة 2010، والتي تُعرف باسم "المونديال".
في طريقي من الولايات المتحدة إلى القاهرة، توقفت لعدة ساعات في مطار هيثرو ـ لندن، كما هي العادة في الآونة الأخيرة، حيث أن نجلي أمير، يعمل مهندساً في شركة البترول البريطانية، التي تتخذ مقرها بالقرب من المطار. ورغم ترحيب ابني بوالده، الذي لم يراه لعدة شهور، إلا أنه بدى حزيناً متجهماً. ولما أبديت ملاحظة بهذا المعنى، استغرب، متسائلاً: ألم تسمع الأخبار؟ وللوهلة الأولى اعتقدت أن مكروهاً قد ألم به أو بأحد الأقرباء، أو الأصدقاء. وسارعت بالسؤال عما هو الخبر، قال "أونكل عليّ ونكبة المونديال". كان يقصد د. علي الدين هلال، وزير الشباب والرياضة في مصر. فهكذا تعوّد أولادي، الذين تربوا مع أولاده، أن يخاطبوه بـ "أونكل علي". حاولت التخفيف من وقع كلمة "نكبة"، فانبريت أخاطب أو (أحاضر) ابني عن أهمية عدم الإسراف أو المبالغة في استخدام الكلمات ـ حيث إننا ندخر مثل هذا المصطلح "نكبة" فيما هو أكثر جلالاً وخطباً، من مجرد الخسارة في منافسة دولية، لا بد أن يكون فيها منتصر واحد، وعدة خاسرين...!
نظر إليّ ابني المهندس نظرة فيها من الاستنكار بقدر ما فيها من الاستخفاف... وقال بشىء من الضيق " انني أدرك أنك كنت بعيداً عن مصر لعدة شهور، ولكنك كنت في أمريكا وليس على سطح القمر أو على كوكب المريخ... إن مصر كلها في مناحة... ومصر كلها تهاجم أونكل علي... وأنا قلق عليه، وعلى ما يمكن أن يحدث له..." . طمأنت أبني، وحاولت التخفيف من وطأة "النكبة" عليه، وأكدت له أن شيئاً لن يحدث لأونكل علي الدين هلال... فأحد وظائف الوزراء في مصر، هي أن ينسبوا كل إنجاز لرئيس البلاد، ويتحملوا هم مسئولية ونتائج أي فشل... وما داموا يحترمون هذه المعادلة، فهم في مأمن من غضب الرئيس... أما غضب الشعب فيجرى امتصاصه بملهاة داخلية، أو بتوجيهه نحو أعداؤنا في الخارج، وأهمهم حالياً الولايات المتحدة وإسرائيل!. سألني ابني المهندس الذي قارب الثلاثين، ورغم ذلك كانت براءة الأطفال في عينيه "هل سيستقيل أونكل علي... كما يحدث هنا عادة في بريطانيا حينما يخطئ أو يغضب الرأي العالم؟" أكدت له مجدداً اعتقادي أن الوزراء في مصر ليست لهم قواعد سياسية مستقلة، تحفظ لهم مساحة من الاستقلالية في الحركة... ومن ثم فهم أقرب إلى الموظفين، يُفصلون ولا يستقيلون. فالرئيس هو الذي يختارهم، وهو الذي يفصلهم... وأن آخر وزراء استقالوا لأسباب سياسية، كان المرحوم الدكتور محمد حلمي مراد، وزير التربية والتعليم العالي في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، احتجاجاً على استمرار نفس السياسات التي أدت إلى هزيمة 1967، والمرحوم السيد/ إسماعيل فهمي، وزير الخارجية في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، احتجاجاً على مبادرته بزيارة القدس، دون أن يخطر بها وزرائه، وكان ذلك عام 1977 ـ أي منذ 27 عاماً!.
حينما وصلت إلى القاهرة، تحققت من صحة كلام ابني أمير. فلعدة أسابيع لم يكن للناس ولا للصحافة من أحاديث غير "فضيحة" أو "نكبة" المونديال وطلبت من الباحثين في مركز ابن خلدون، إعداد ملف كامل عن الموضوع. وكانت المفاجأة، أنهم كانوا قد أعدوا مثل هذا الملف بالفعل، حيث أنهم ـ وهم شباب ـ كانوا أيضاًً مهمومين، مثلما كان ابني أمير تماماً، ربما باستثناء استخدامهم لتعبير "أونكل عليّ"، حيث لم تكن تربطهم بمعالي الوزير نفس الألفة التي تربط أمير!.
فما الذي وجدته في الملف؟
أولاً: وجدت شحناً إعلامياً، يقوده معالي الوزير وأركان وزرائه والاتحاد المصري لكرة القدم، واللجنة الخاصة، التي أوكل أليها مهمة عرض وترويج ترشيح مصر لاستضافة كأس العالم. وكان ضمن أعضاء هذه الأخيرة، كل من الدكتور بطرس بطرس غالي، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، والنجم السينمائي المصري العالمي عمر الشريف. وكانت الرسالة الإعلامية المتسقة والمستمرة، طوال السنة التي سبقت قرار التصويت في الاتحاد الدولي في زيورخ (سويسرا) هي "إن مصر هي الأكثر استحقاقاً لاستضافة المونديال". وكانت حيثيات هذا الشحن الإعلامي، تشمل أن مصر هي أقدم حضارة في العالم، وهي الدولة الإفريقية الأولى التي حصلت على الاستقلال (1923)، وهي الدولة ذات المناخ الأكثر اعتدالاً، وصاحبة أكبر عدد من أيام السنة المشمسة. ومع اقتراب العد التنازلي قبيل التصويت على القرار بالاستضافة، كانت الرسالة الإعلامية الموجة للرأي العام المصري، تزداد، يقيناً بأن مصر هي الأكثر استحقاقاً من منافستيها الإفريقيتين الأخرتين، وهما جنوب أفريقيا والمغرب.
ثانياً: لم أعثر في الملف الإعلامي على مقال، أو تقرير أو رأي واحد، يشرح القواعد والمعايير الدولية، التي يستخدمها الاتحاد الدولي في تقييم وترتيب صلاحية الدول لاستضافة كأس العالم لكرة القدم، والتي يأتي في مقدمتها توفر عدد ونوعية الملاعب والاستادات المهيئة، دولياً، لإقامة المباريات، والفنادق الصالحة لإقامة اللاعبين والإداريين، والمشجعين للفرق المنافسة، والضيوف الوافدين من الخارج، وسهولة وسرعة المواصلات والاتصالات، ومستويات الأمن والأمان، والتي تضاعف الاهتمام بها في السنوات الثلاثين الأخيرة، وتحديداً منذ أولمبياد ميونيخ عام 1972، ثم تضاعف أكثر وأكثر في السنوات الثلاث الأخيرة التالية لأحداث سبتمبر 2001 ـ بعد نسف برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاجون في ضاحية العاصمة الأمريكية واشنطن. وهو الحدث الأخطر في القرن الحادي والعشرين، والذي أشارت فيه أصابع الاتهام إلى مسلمين عموماً، وإلى مصريين خصوصاً. هذا فضلاً عن أن مصر نفسها كانت قد شهدت مواجهات دموية عنيفة مع الإسلاميين، وصلت إلى قمتها في مذبحة السياح بالأقصر في خريف 1997.
ثالثاً: لم يذكر أي مقال أو رأي أو تحقيق في الصحافة المصرية الميزات النسبية للمنافسين مع مصر على استضافة كأس العالم، وخاصة في عدد وصلاحية الملاعب ومستوى الأمن والأمان. فلو كان ذلك قد حدث، ولو على سبيل إثارة شكوك مشروعة، لما كان الرأي العالم المصري قد أصيب بالصدمة الشديدة التي أصيب بها حين تم التصويت، وعُرفت نتائجه. فقد حصلت جنوب أفريقيا على أربعة عشر صوتاً، وحصلت المغرب على عشرة أصوات، ولم تحصل مصر على أي صوت ـ أي حصلت على "صفر"!.
رابعاً: كانت صدمة "صفر" مصر في المونديال، كما وصفها كل المعلقين الرياضيين وغير الرياضيين بمستوى نكسة الهزيمة المصرية المروعة في حرب 1967. وجرى تشبيه د. علي الدين هلال، وزير الشباب والرياضة والذي كان يقود حملة الشحن الإعلامي، بالإذاعي المصري الشهير أحمد سعيد في إذاعة "صوت العرب"، في اليوم الأول لحرب الأيام الستة، حيث أسقط الرجل من خلف الميكرفون نصف طائرات سلاح الجو الإسرائيلي. كذلك جرى عقد أوجه الشبه مع وزير الإعلام العراقي السابق محمد سعيد الصحاف أثناء الحرب الأخيرة، والتي دحر فيها "العلوج الأمريكيين" وردهم على أدبارهم، في دباباتهم التي أحرقها المحاربون الأشاوس من فدائيين صدام، أو أسقطت طائراتهم المقاومة الأرضية العراقية في حقول النخيل. وتحول "صفر المونديال" إلى تعبير مجازي، لوصف كل أداء رسمي مصري ردئ في أي ميدان من ميادين النشاط العام.
بعد دراسة الملف الإعلامي الذي أعده باحثوا مركز ابن خلدون، قفزت إلى ذهني محتويات كتاب كنت قد أعددته بمناسبة مرور مائة عام على المؤتمر الصهيوني العالمي الأول، الذي عقد في مدينة بازل السويسرية، عام 1898، والتي لا تبعد كثيراً عن مدينته زيورخ، حيث جرى التصويت على استضافة المونديال في شهر مايو 2004. كان الكتاب بعنوان "علم النكبات العربية" وكنت قد استوحيت العنوان من التعبير الذي استحدثه أبو المؤرخين العرب في العصر الحديث، الراحل العريق قسطنطين زريق، الذي أعد دراسة في صيف 1948، ونشرها قبل أن تعود الجيوش العربية، وهي تلعق الهزيمة في أول حرب عربية إسرائيلية. وكانت الدراسة بعنوان "دروس النكبة". وفيها قارن ذلك المؤرخ الكبير بين ما حشده الإسرائيليون وما حشده العرب مجتمعون في تلك المواجهة. فرغم الكثرة السكانية العربية، والتي كانت تفوق عشرين ضعفاً، إلا أن الإسرائيليون حشدوا أربعة أمثال حجم القوات العربية المشتركة: 80.000 "مقاتل" إسرائيلي وإسرائيلية، مقابل 20.000 "مجند" عربي (من مصر والأردن والعراق وسورية، وحيث فقدت كتيبتين سعودية ويمنية في الطريق من بلديهما إلى فلسطين، ووقفت كتيبة لبنانية على حدود لبنان مع فلسطين ولم تشارك في أي قتال). هذا فضلاً عن أن المقاتلين الإسرائيليين كانوا هم الأفضل تدريباً، وخبرة، وتسليحاً. رأى قسطنطين زريق الهزيمة العربية قادمة لا محالة، بناء على موازين القوى الكمية والكيفية على أرض المعركة،لا على صفحات الجرائد العربية. وهو ما لا يراه "أونكل علي الدين هلال"، رغم أنه من أول المصريين الذين كانوا قد قرأوا "درس النكبة" لقسطنطين زريق، ونبّهوا غيرهم من مفكري مصر إلى تلك الدراسة الهامة، ثم إلى الدراسة الأهم التي صدرت بعد هزيمة 1967، لنفس المؤرخ الكبير بعنوان "دروس النكبة مجدداً"... كيف لم ير معالي الوزير المصري ما رآه كل العالم حول إمكانيات مصر المتواضعة لاستضافة المونديال. لم تكن المنافسة حول من هي البلد الأقدم حضارة، أو الأكثر آثاراً، أو الأشمس جواً... لقد كانت المنافسة هي بين من لديه الأكثر والأفضل ملاعباً، ومواصلات، وأمن وأمان.
ولكن التضليل السياسي والإعلامي، الذي يرفع توقعات الرأي العام بشكل مبالغ فيه إلى تزييف الحقائق، ثم تأتي النتائج صادمة، فيواصل المسئولون التستر على الأسباب الحقيقية "للهزيمة" أو "النكسة" أو "النكبة" باللجوء إلى نظرية "المؤامرة" الخارجية، أو "الخيانة" الداخلية. فينصرف الناس إلى البحث عن المتآمرين في الخارج والخونة في الداخل، لفترة قد تطول أو تقصر، إلى أن تقع نكسة أو هزيمة أو نكبة جديدة، تستحوذ على اهتمامات الناس، وتشغلهم إلى حين. وهكذا دواليك. وللإنصاف، إن معالي الوزير المصري لم يستحدث هذه الممارسة المذدوجة ـ أي التضليل السياسي والدجل الإعلامي في الحياة المصرية والعربية المعاصرة. لقد ورثها الرجل عن من سبقوه. هو فقط صاحب الفضل في ممارستها حتى درجة الإبداع. فلا حول ولا قوة إلا بالله.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية