مقالات
د. سعد الدين
إبراهيم
دارفور... أحدث النكبات العربية
دارفور، لمن لا يعرف، هي الإقليم الذي يقع في أقصى غرب السودان، وتسكنه قبائل زنجية
مسلمة هي قبائل "الفور"، ولأن الإقليم هو موطنهم الجغرافي والتاريخي، فقد أطلق عليه
العرب اسم "دار" الفور، كما أطلقوا اسم بلاد "السود" على الوطن الأكبر، فأصبح اسمه
"السودان". ولم يكن إقليم "دارفور" دائماً جزءاً من السودان، إلا في أواخر القرن
التاسع عشر، بعد سيطرة الإنجليز على مقدرات وادي النيل، مع احتلالهم لمصر (1881)،
ثم تغلغلهم بالتبعية إلى جنوب الوادي، الذي كان تابعاً لمصر، منذ عهد محمد علي
الكبير، مؤسس الدولة المصرية الحديثة، والذي فتح السودان، نيابة عن الدولة
العثمانية في الربع الأول من القرن التاسع عشر. وكان هدف محمد علي هو اكتشاف منابع
نهر النيل، واستغلال الموارد الطبيعية والبشرية للسودان في تشييد أحلامه
الامبراطورية. ولم تكن "دارفور" جزءاً من هذا المشروع، لذلك لم يهتم محمد علي أو
خلفائه في ضم دارفور إلى بقية السودان، أو لمصر، خلال ما تبقى من القرن التاسع عشر.
وظلت دارفور مملكة قبلية تقليدية، تتسع أو تنكمش مع قوة سلاطينها مقارنة بقوة
جيرانهم.
وحينما بسطت بريطانيا هيمنتها على مصر، والسودان المصري، إثر نشوب الثورة المهدية،
فإنها لم تكتف بالتغلغل جنوباً، وتغيير الاسم إلى "السودان المصري ـ الإنجليزي"،
ولكنها امتدت غرباً وضمت "كودفان" و "دارفور" إلى هذا السودان المصري ـ الإنجليزي.
ولأن دارفور، تحديداً، تتاخم عدداً من بلدان الجوار الإفريقية الزنجية السوداء،
أهمها تشاد ونيجيريا، فإن الأغلبية الساحقة من سكانها أكثر "إفريقية" منهم "عروبة".
فهم مسلمون، ولكنهم ليسوا عرباً، وليست اللغة العربية هي اللغة الأم بالنسبة لهم.
ومن يتحدث العربية منهم، فقط الذين تعلموها في المدارس، ومن الاختلاط اليومي
بالسودانيين العرب من الشمال، ومن وسائل الإعلام.
عانى أهل دارفور ـ مثلما عانى أهل الجنوب وأهل الشرق ـ من الإهمال والتهميش على يد
الحكومات السودانية المتعاقبة منذ الاستقلال (1956). وكانت هذه المعاناة تزداد بسبب
الظروف المناخية، مثل الجفاف والتصحر، الذي يؤدي إلى هلاك قطعان الماشية لاشتداد
العطش. كما كانت تزداد الأحوال بؤساً في ظل الأنظمة العسكرية ـ الاستبدادية ـ مثل
نظام اللواء إبراهيم عبود (1958-1964)، واللواء جعفر نميري (1969-1985). ولكن
الأسوأ على الإطلاق كان وما يزال في ظل النظام الحالي، الذي يطلق عليه حكم "جبهة
الإنقاذ"، التي جمعت بين الاستبداد والقحط والجفاف. وزاد الطين بلة، أن حكومة
الإنقاذ بكل تعصبها الديني وتزمتها العنصري حاولت أن تغطي على تعثرها وفشلها في
إدارة مسألة الجنوب، بالظهور بمظهر القوة والحسم، حينما بدأت مقاومة أهل دارفور
تشتد نتيجة هذه المعاناة. وارتكبت حكومة "الإنقاذ"، احد أكبر حماقاتها بإنشاء
ميليشيات عسكرية من قبائل "الجنجويد" ذات الأصول العربية، لتستعين بهم من أجل البطش
بالمحتجين من اهل دارفور. ولما كانت حكومة الإنقاذ مفلسة مالياً، ومنهكة عسكرياً،
ومستنزفة سياسياً، فقد تركت الزمام لميليشيات الجنجويد، لكي "تنهب"، و "تسبي"، و "تغتصب".
وكانت النتيجة في الشهور الستة الماضية تشريد وتشتيت حوالي نصف مليون من أهل دارفور،
لجأ معظمهم إلى الأراضي التشادية المجاورة، تاركين ورائهم حقولهم ومراعيهم وقطعان
الماشية إذا لم تكن ميليشيات الجنجويد قد نهبتها بالفعل. وخلال هذه المحنة لأهل
دارفور تعرض مئات الآلاف من اطفالهم للموت جوعاً وعطشاً إما من سوء التغذية، أو
بسبب غياب وترويع آبائهم وامهاتهم. وكان لا بد أن تنبثق من صفوف أهل دارفور مقاومة
مسلحة للدفاع الجماعي عن النفس. وقد أدى ذلك بدوره إلى اتساع رقعة الحروب الأهلية
في السودان. فقد أصبحنا الآن بصدد جبهة جديدة في غرب السودان. وهناك بوادر جبهة
مشابهة يزيد فيها التوتر يوماً بعد يوم، لنفس الأسباب، في شرق السودان، حيث تعيش
قبائل "البجا".
لماذا اخترنا كلمة "النكبة" لوصف ما يحدث في دارفور؟
أولاً: لأن ما يحدث بالفعل هو مأساة إنسانية بكل المعايير، على النحو الذي رصدنا
بعضه، أعلاه.
ثانياً: لأن العالم كله خارج الوطن العربي، كان وما يزال يتابع المأساة بقلق شديد.
وتجلى ذلك في أوربا ممثلة بالبرلمان الأوربي، وعدة حكومات أوربية، ومنظمات حقوقية ـ
مثل منظمة العفو الدولية، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، ومرصد حقوق الإنسان (هيومان
رايتس ووتش)، ومنظمة "حقوق الإنسان أولاً" (هيومان رايتس فيرست). بل أن الأمم
المتحدة، على لسان أمينها العام، كوفي أنان، ومفوضية حقوق الإنسان، قد عبّرت عن
قلقها المتزايد لما يحدث في دارفور. وطالبت الأسرة الدولية بتقديم المساعدات
الغذائية والطبية العاجلة لأهل دارفور.
ثالثاً: كانت الضغوط والوساطات الدولية المتوالية وراء التوصل إلى اتفاق لوقف
القتال وإطلاق النار بين الميلشيات الموالية لحكومة الخرطوم والمقاومة "الدارفورية"،
منذ شهرين. ولكن كما هو الحال في كل الحروب الأهلية، وتعدد الميلشيات وعدم الانضباط،
فإن الالتزام بهذه الاتفاقيات لا يتم احترامه، ويضع كل طرف المسئولية على الطرف
الآخر. ولكن الذي يدفع الثمن عادة، هم المدنيون، وخاصة من النساء والأطفال.
رابعاً: في كل هذا المشهد المأساوي، الذي اهتم به العالم كله، ظل العالم العربي،
ممثلاً بحكوماته، صامتاً، كأنما ما يحدث في غرب السودان، بإقليم دافور، يحدث في
بلاد الواق واق، أو جزر الهند الغربية. حتى حينما حاول البعض مخاطبة الجامعة
العربية، وحث مؤتمر القمة الأخير، الذي عقد في تونس في أواخر شهر مايو، على التدخل
لوقف المأساة أو احتواء تداعياتها، لم تحرك الجامعة ساكناً، ولم يهتم الزعماء العرب.
ولم تساهم أي حكومة عربية بإرسال الغذاء أو الكساء أو الدواء لضحايا هذا العنف
الواسع النطاق.
خامساً: إن هذا التجاهل العربي الرسمي هو الذي يغري أو يدفع العالم الخارجي إلى
مزيد من التدخل في الشأن العربي الداخلي بل هو الذي يدفع أهل دار فور، كما دفع
غيرهم من المظلومين، إلى توجيه النداءات ثم الاستغاثات إلى العالم الخارجي لإنقاذهم
من براثن حكومتهم المستبدة أو من الفوضى والبؤس والهوان. هذا ما حدث للكويتيين بعد
غزو صدام حسين للكويت، وبعد أن اشتد بطش الرجل بالأكراد من شعبه حيناً، وبالشيعة
حيناً. لا تتدخل الأنظمة العربية بدعوى احترام "السيادة"، وحين يتدخل الكبار
الأقوياء، إما أن الأنظمة تظل على صيحتها أو تطلق أبواقها الإعلامية للصياح
الاحتجاجي ضد التدخل الأجنبي. بتعبير آخر، إذا ذبح أي نظام عربي أبناء شعبه أو
أبناء شعب عربي أو إسلامي مجاور، كما فعل صدام مراراً، أو كما فعلت حكومة الإنقاذ
السودانية، فإن ذلك يندرج تحت ما يمكن تسميته "ذبحاً حلالاً" من وجهة نظر الأنظمة
أو الدول الأعضاء في الجامعة العربية. أما إذا تدخل غير العرب فتقوم قائمتهم، لأن
هناك شبهة الخوف من "ذبح حرام" أو غير شرعي. ولم نجد من الأمين العام لجامعة الدول
العربية من المبادرة والشهامة الإنسانية، مثل، ما بادر به أمين عام الأمم المتحدة
في هذا الشأن الدارفوري ـ السوداني. فلماذا؟.
سادساً: إن للنكبات العربية ألف وجه ووجه. من هذه الوجوه تداعياتها الإنسانية
العاجلة وتداعياتها السياسية والقومية الآجلة. من ذلك أن تمسك الشعب بقوميته
وعروبته قد تلقي طعنة نجلاء بعد الغزو الصدامي لأراضيه. ومن قبله حدث شيء مشابه
للشعب اللبناني الذي مزقته حرب أهلية طال أجلها. ومن بعده الشعب العراقي الذي تركته
الحكومات والشعوب العربية تحت رحمة من لا يرحم لأكثر من ثلاثين عاماً. وهناك هواجس
حقيقية أن الشيء نفسه يحدث للسودانيين بعربهم ومسلميهم وزنوجهم. فهم لم يروا من
الحكومات العربية إلا تأييدها الأعمى للحكومات السودانية المستبدة، التي جلبت معها
للسودان الفساد والخراب.
وأخيراً لن ينصلح حال السودان، ولن تتوقف مآسيه إلا بصيغة فيدرالية تعددية لنظام
الحكم ـ لا فقط بين الشمال والجنوب، ولكن أيضاً تشمل الغرب والشرق. فلنندفع نحن
العرب نحو هذا الحل الفيدارلي الديمقراطي، قبل أن يفرض على السودان من الخارج،
وبواسطة أطراف غير عربية.