مقالات د. سعد الدين إبراهيم

على هامش إعلان الدوحة
صدق وعده... فهل يصدق الآخرون
 

 
كتبت في مقال سابق أن خطاب أمير قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في افتتاح مؤتمر "الديمقراطية والإصلاح السياسي في الوطن العربي"، كان مفاجأة سارة للمشاركين، وذلك لجرأته وصراحته وما انطوى عليه من طروحات متقدمة، بشأن الإصلاح والتحول الديمقراطي، والذي رأى فيه أنه حتمية، لا ينبغي للأنظمة العربية، أن تؤجل أو تراوغ بشأنها، سواء بحجة الإسلام أو فلسطين أو العراق. وتعجب المشاركون في المؤتمر يومها واليومين التاليين (3-5 يونية 2004) ما إذا كان أمير قطر يعني فعلاً ما قاله في كلمة الافتتاح، أم كما يقول الأخوة السودانيون أنه "كلام ساكت"، أي غير جاد وغير صادق!
ولكن حاكم قطر فاجأ المشاركون، بعد ثلاثة أيام من مؤتمرهم، بإعلانه عن دستور جديد لشعبه ودولته ومن شأن هذا الدستور الجديد، أن يقفز بقطر خطوة عملاقة، تجعل منها، "ملكية دستورية"، أي يملك فيها الأمير، ولكن معظم السلطتين التشريعية والتنفيذية تكون في أيدي نواب منتخبين انتخاباً شعبياً مباشراً. أي أن أمير قطر ضرب المثل بنفسه، وكان بذلك في طليعة الحكام العرب المستعدين للإصلاح، والذين لا يخافون من الديمقراطية، ولا يتوجسون من شعوبهم. وهو بهذا لا يتجاوب مع رغبات شعبه، بل يستبق هذه الرغبات. ولعل الإلحاح على دور متساو للمرأة في هذا التحول الديمقراطي هو نموذج لأهمية التكامل بين "الاجتماعي" و "السياسي". كذلك هو رسالة مزدوجة لكل من الجارتين الخليجيتين: الكويت والسعودية.
فرغم أن الكويت كانت هي البلد الرائد في الديمقراطية السياسية في منطقة الخليج، إلا أن تكلس العناصر "الإسلاموية" في مجلسها النيابي، حجر على التقدم في منح المرأة الكويتية حقوق المواطنة. هذا رغم أن المرأة الكويتية، قبل الرجل الكويتي، كانت الأكثر صموداً وتفانياً في الدفاع عن الكويت في وجه الغزو "الصدامي" للكويت (1990-1991)، ولكن هاهي العناصر الأشد تخلفاً في الكويت تعطي الإسلام سمعة سيئة بتمترسها ضد حقوق المواطنة الكاملة للمرأة الكويتية.
كذلك فإن الخطوة المقدامة التي ينطوي عليها الدستور الجديد في دولة قطر، هو رسالة ضمنية للأشقاء في السعودية، حيث أن حقوق المواطنة هناك متعثرة للرجال والنساء على حد سواء، ولكنها تكاد تكون معدومة تماماً بالنسبة للنساء السعوديات. وضمن الأعذار التي يتخفى ورائها أعداء التحول الديمقراطي في السعودية هو أن مجتمعهم هو الأشد محافظة في الجزيرة العربية، بسبب المذهب الوهابي المتشدد، وهو المذهب السائد بين أغلبية سكانها. ولعل ما لا يعرفه الكثيرون هو أن اغلبية السكان في قطر هم أيضاُ من أتباع نفس المذهب الوهابي. ولكن ما برهن عليه الشيخ حمد بن خليفة ، وشريكته في التطوير وهي الشيخة موزة بنت مساعد بن مسند، هو أنه إذا صدقت النوايا، وهمّت العزائم، وضرب القادة المثل فإن الشعوب تستجيب، برجالها ونساءها.
ولعل ما طالعتنا به وسائل الإعلام العربية عن اللقاء الوطني الثالث في السعودية، والذي يعقد بالمدنية المنورة هذه الأيام، يكون فاتحة خير للمرأة السعودية بعد طول تجاهل ومعاناة. فقد صرّح الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين، رئيس اللقاء، الذي ينعقد تحت عنوان "المرأة... حقوقها وواجباتها، وعلاقة التعليم بذلك"، أن نساء سعوديات تشاركن في هذا اللقاء، الذي اقتصرت دورتيه السابقتين على الرجال. وكما جاء في القول المأثور "إن أول الغيث قطر".
إن أهمية قضية المرأة في أي تحول سياسي حقيقي تنبع من محوريتها في أي تنمية حقيقية. فهي ليست فقط نصف المجتمع، ولكنها النصف الأهم. ويمكن قياس نهضة المجتمعات بما حققته المرأة نفسها من تطور في كل المجالات. فهي الأم، والزوجة، والشقيقة، والابنة، والحبيبة ولم يكن الشاعر حافظ إبراهيم مبالغاً، حينما صدح ببيته الأشهر:
الأم مدرسة، إذا أعدتها أعدت شعباً طيب الأعراق
هذا فضلاً عن أن المرأة الخليجية خصوصاً، كانت هي عماد مجتمعها قبل الحقبة النفطية. فكما هو معروف كان رجال الخليج، يتغيبون في رحلات الصيد البحرية الدورية الطويلة، لعدة شهور متتالية، تاركين أمور تربية الأبناء، وإدارة الشئون الأسرية للأمهات والزوجات والأبنات. وحافظت نساء الخليج على تماسك واستمرارية مجتمعاتهن لقرون طويلة. ولم ينقلب الحال على نساء الخليج إلا مع الثروة النفطية، التي تحكّم فيها الرجال. فأقلعوا عن الصيد البحري وتجارة المسافات الطويلة. وأعتقد الرجال أنه بإغراق النساء بالاستهلاك الترفي، فإنهم يعوضونهن عن شظف العيش فيما سبق، وينوبون عنهن في أمور الحياة فيما لحق.
ولكن على رجال الخليج، سواء كانوا حكاماً في قمة السلطة أو نواباً في البرلمان، أن يعلموا إن المرأة الخليجية تسعى، وبحق إلى ندية كاملة في شئون المجتمع والدولة. وهي جديرة بذلك. فعلى أصحاب الأمر في السعودية وعلى الأخوة النواب في مجلس الأمة الكويتي، أن يقتفوا سيرة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاكم قطر في منح المرأة حقوقها كاملة. وليس هناك ما يخافون منه إلا الخوف نفسه.
أما بقية حكام الأمة العربية المذعورين من الديمقراطية، فلعلهم يستيقظون، ويدركون أنهم بترددهم أو مقاومتهم للتغيير فهم لا يحاربون شعوبهم فقط ولكنهم يقفون في وجه العالم والتاريخ. فإذا ظلوا متشبثين بسلطاتهم المطلقة، فلا بد أن تقتلعهم موجات الغضب الشعبي وعواصف التاريخ ولعنات العالم. وليكن لهم في صدام حسين نذيرا، وليكن لهم في أمير قطر بشيرا. لقد صدق الشيخ حمد وعده، فهل يصدق الآخرون.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية