مقالات
د. سعد الدين
إبراهيم
على هامش مؤتمر الدوحة عن الإصلاح والديمقراطية
الطغاة العرب يجلبون الغزاة الأجانب
ليس صحيحاً أن المنتديات والمؤتمرات العربية قد أصبحت في الآونة الأخيرة تكراراً
مُملاً، وإعادة إنتاج عقيمة، "لطواحين الكلام العربية". ففي مؤتمر حول "الديمقراطية
والإصلاح في الوطن العربي"، دعى إليه مركز دراسات الخليج، بجامعة قطر، وعُقد في
الدوحة، بين 3و5 يونيه 2004، اكتشفت، وتعلمت، انا شخصياً، أشياء كثيرة، لا فقط عن
موضوع المؤتمر، ولكن أيضاً عن المشاركين فيه، وخاصة من أبناء بلدان الخليج.
كانت أكبر مفاجآت المؤتمر هي في دقائقه الثلاثين الأولى من جلسة الافتتاح. فقد وصل
الشيخ حمد بن خليفة آل ثان، أمير دولة قطر، في الموعد المحدد تماماً، وألقى كلمة
افتتاحية أدهشت، وأسعدت، وأحبطت المشاركين في المؤتمر. أدهشت كلمة الشيخ حمد الجميع
بجرأتها وخلوها من المجاملات. واسعدت الكثيرين من دعاة الديمقراطية والتغيير، حيث
طرح الشيخ حمد مقولات متقدمة للغاية في هذا الصدد، لا فقط بمعايير القادة العرب كما
عرفناهم وألفناهم في مؤتمرات القمة، ولكن أيضاً بأكثر المعايير الليبرالية تقدماً.
وربما كان ذلك هو السبب في إحباط بعض المشاركين الشغوفين بالمزايدات في أي موضوع
يُطرح للنقاش. ولأن الرجل قد رفع سقف الاستحقاقات الديمقراطية المطلوب أداؤها من
جانب الأنظمة الحاكمة والمجتمع المدني على السواء، وفي الأجل المنظور، فإن هؤلاء
المزايدين، وجدوا أنفسهم في حيرة مؤقتة. فماذا عساهم أن يطالبوا بأكثر مما طالب به
الشيخ حمد، حاكم دولة قطر. ولندرة ما يمكن أن يقال مختلفاً عن أقواله، إنصرف هذا
البعض يتساءل عما إذا كان الرجل يعني أو يؤمن فعلاً بكل ما قاله عن الإصلاح والتحول
الديمقراطي، أم أنه يُبطن شيئاً آخر. وشغل هذا التساؤل حديث الكواليس وموائد الطعام
خلال اليومين التاليين. وأظن أنه بعد مساءلة أبناء قطر المشاركين في المؤتمر، ثم
العرب غير القطريين المقيمين فيها، والتجوال في انحاء قطر وأسواقها، والحديث مع
طلابها وأساتذتها، بات معظمهم مقتنعاً بأن ما سمعوه من الحاكم يتطابق إلى حد كبير
مع رؤية ومشاعر المحكومين. ولذلك فمع اليوم الأخير. وفي الجلسة الختامية للمؤتمر
كان هناك إجماع على أن ينشأ "مرصد" لمتابعة توصياتهم وللتطور الديمقراطي في العالم
العربي. والأهم من ذلك أن يكون مقره دولة قطر. فكرة المرصد جاءت من الباحث الأردني
النابه د. فارس بريزات، الذي أتحف المشاركين بنتائج استطلاعات الرأي العام نحو
الديمقراطية في البلدان العربية في السنوات الخمس الأخيرة. أما فكرة توطينه في قطر،
فقد ألح عليها أستاذ الطب المصري، د. مدحت خفاجي. وهو صاحب العبارة الشهيرة في
المؤتمر "إن الديمقراطيين العرب يحتاجون إلى سماوات آمنة، وأرض حانية، وإن قطر هي
الضالة المنشودة لذلك". وقد اقتنع بهذه المقولة معظم، إن لم يكن كل المشاركين. ولكن
كان أكثر المتحفظين على هذه الاندفاعة العاطفية نحو قطر، هو المضيف د. حسن الأنصاري،
المؤرخ ومدير مركز دراسات الخليج، والذي نظم وأدار شئون المؤتمر باقتدار مشهود.
وسألته عن سر تحفظه، فقال بتواضع شديد، ما معناه "رحم الله إمرءاً عرف قدر نفسه ..
رغم غبطتي بهذه التوصية وترحيبي بالمهمة.. إلا أنني وزملائي في مركز دراسات الخليج
لا بد أن نتأكد من قدراتنا البشرية والمالية والتنظيمية على الاضطلاع بهذه المهمة،
حتى لا نُخيب أمل الأخوة فينا، فكفانا خيبة آمال في السنوات الأخيرة..."
لقد كان مؤتمر الدوحة هو رابع لقاء عربي كبير لقوى المجتمع المدنـي هـذا العـام
(2004)، يتصدى لموضوع التغيير، ويناقش ضرورات وصعوبات التحول الديمقراطي في الوطن
العربي. كان اول وأكبر هذه اللقاءات في العاصمة اليمنية صنعاء في شهر يناير، وتلاها
بعد شهرين مؤتمر مكتبة الإسكندرية، الذي دعى إليه مديرها النشط، د. إسماعيل سراج
الدين في أول مارس. وكان اللقاء العربي الثالث في بيروت في أواخر نفس الشهر. وقد
صدر عن كل من هذه اللقاءات بيانات أو إعلانات، سُميت بأسماء المدن التي عقدت فيها،
على التوالي، ربما مع عناوين فرعية عن مضمون كل لقاء. من ذلك أن الوثيقة التي صدرت
عن لقاء بيروت أخذت عنوان "الاستقلال الثاني". وقد عرض واحد أو أكثر ممن شاركوا في
اللقاءات الثلاثة الأولى أهداف ومضمون الوثيقة التي صدرت عنه. فقد فهمنا مثلاً من
الزميل بهي الدين حسن، مهندس لقاء بيروت، ومدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان، أن
المشاركين في بيروت قد استوحوا عنوان وثيقتهم من اخوتهم الأفارقة، الذين اعتبروا أن
الاستقلال السياسي الذي حصلوا عليه قبل أربعة عقود قد اُجهض، بسبب الممارسات
الاستبدادية في أفريقيا السوداء، ولذلك عليهم أن يناضلوا مرة ثانية من أجل
الاستقلال. لقد كان نضالهم في المرة الأولى ضد الاستعمار الأجنبي، ولكن نضالهم في
المرة الثانية هو ضد الطغيان المحلي لحكام من ابناء الوطن. وأقر عدد منهم أن النضال
الأول والاستقلال الأول كانا أسهل بكثير من النضال الثاني والاستقلال الثاني. ففي
الأول كانت الخطوط الفاصلة في اللون والعرق والثقافة والموطن، واضحة بجلاء. اما في
الثاني فإن الخطوط متعرجة، متداخلة، ضبابية، والاشتباك بلا قواعد، إلا تلك التي
يقررها الطغاة ويغيرونها حسب هواهم.
وقد استدعى حديث الطغيان، وضرورة الاستقلال الثاني مشاعر عربية مفعمة، ولكنها
مختلطة ومتناقضة ـ مثل خطوط المعركة الإفريقية تماماً. وكانت العراق نموذجاً لهذا
الاختلاط عند العديد من المشاركين. ولكن ثلاثة من المفكرين الإسلاميين المشهود لهم
بالاستنارة والأمانة والاستقامة تحدثوا في الموضوع باتساق شديد وصفاء بالغ ـ وهم
السيد الصادق المهدي، الزعيم والمُعارض السوداني المعروف، والداعية الإسلامي الكبير،
الاستاذ جمال البنا، والفقيه القانوني والمفكر القطري د. عبد الحميد الأنصاري. كنت
أعرف الأول والثاني منذ سنوات طويلة. أما ثالثهم، د. الأنصاري، فقد كان اكتشافاً
جديداً ومبهراً بالنسبة لي. وهو العميد السابق لكلية الحقوق والشريعة بجامعة قطر.
وقد أجمع ثلاثتهم على مقولة أساسية، فحواها أن "الطغاة هم الذين يجلبون الغزاة"
واستشهدوا في ذلك بنكبة العراق. فالطاغية صدام حسين هو الذي بدّد موارد بلده في
مغامرات عسكرية خارجية، واستنزف الجيش العراقي في حرب اهلية ممتدة مع فريق من
مواطنيه، هم الأكراد. وهو الذي زج بالعراق والعراقيين في حرب الثماني سنوات مع
إيران (1980-1988)، والتي راح ضحيتها مليون قتيل من الجانبين مناصفة. ثم زج بهم مرة
ثالثة في مغامرة الطمع والجشع والنهب، بغزوه للكويت. وكانت المغامرة الأخيرة هذه هي
التي فتحت الأبواب والنوافذ أمام الهيمنة الأجنبية عموماً، والأمريكية خصوصاً في
منطقة الخليج. ولم تكن أطماع هذه القوى الأجنبية في النفوذ والثروة تخفى على أحد.
وبدلاً من أن يقطع الرجعة عليها بالامتثال الأمين لقرارات الأمم المتحدة، التي
استصدرتها أمريكا بسهولة، ظل يراوغ ويُعطي هذه القوة الذريعة بعد الذريعة لضربه،
حتى كان غزو العراق في ربيع 2003.
وفي الواقع، حين نتأمل مقولة هذا الثلاثي الإسلامي المستنير بأن الطغاة العرب ـ
سواء في العراق أو السودان أو ليبيا ـ هم الذين سهّلوا، ومن ثم جلبوا الغزاة
الأجانب، نجدها تصدق على كل الطغاة في العصر الحديث. لقد كان هتلر وموسوليني
وأمبراطور اليابان طغاة في بلادهم، واتخذوا من القرارات ما أوقع بلادهم في آتون
حروب عدوانية متتالية، كان من نتائجها، استنزاف دماء وموارد بلادهم، ثم الهزيمة على
يد أعدائهم وغزو بلادهم.
وعكس ذلك ردد مشاركون من عرب المهجر ـ وهم تحديداً د. إبراهيم كروان، ود. فريد عبد
النور، ود. منى ميخائيل ـ مقولة مضادة، مفادها أن الديمقراطيات لا تحارب بعضها بعضاً.
قد تدخل بلد ديمقراطية الحرب مع بلد أخرى، ولكن غالباً تكون هذه الأخيرة غير
ديمقراطية. وهكذا اصبحنا بصدد مقولتين هامتين انتهى إليهما مؤتمر قطر ـ أحدهما عن
الطغيان والاحتلال، والأخرى عن الديمقراطية والسلام. وأضاف إليهما مشاركون آخرون
مقولات مشابهة عن الديمقراطية والتنمية، وعن الديمقراطية والعدالة.
والشاهد هو أن التحدي الذي أحس به المشاركون وردّدوه مراراً وتكراراً، هو "نعم"،
كلنا مقتنعون بمزايا وأهمية الديمقراطية. إن المشكلة ليست فينا، ولكنها في حكامنا
الذين لا يريدون أن يقتنعوا او يتغيروا، أو يسمحوا بهامش معقول من مشاركة مواطنيهم
في السلطة واتخاذ القرار من خلال مجالس تمثيلية منتخبة. وهنا دخل المشاركون في خيار
صعب: الانتظار إلى أن يهتدي الحكام من تلقاء انفسهم، او الضغط عليهم باستخدام وسائل
تندرج إلى المقاومة المسلحة، او الاستعانة بقوى اجنبية، كما فعلت بعض فصائل
المعارضة العراقية والسودانية. وتحدث المشاركون من العراق والكويت والسودان حديثاً
يقطر الماً وحزناً، لاضطرارهم إلى اللجوء إلى قوى أجنبية لمواجهة الطغيان أو الفوضى،
بعد أن تركهم اخوانهم العرب، حكومات وشعوباً وجامعة عربية، تحت رحمة من لا يرحم.
لقد عبّر البيان الختامي لمؤتمر الدوحة "الديمقراطية والإصلاح في الوطن العربي"، عن
بعض هذه المعاني والاتجاهات. ولكن الأهم هو أن بيان الدوحة، قد بني على، ثم تجاوز
مبادرات صنعاء والإسكندرية وبيروت، ووجه نداءاته لقوى المجتمع المدني العربية،
وللأنظمة الحاكمة، وإلى كل القوى الديمقراطية في العالم. فإلى مقال آخر لقراءة
لإعلان الدوحة بتمعن.