مقالات د. سعد الدين إبراهيم

مؤتمر الإصلاح العربي بالإسكندرية
من فقه النكاية إلي فقه المكابرة
 

سعد الدين إبراهيم- كاتب مصري: افتتح الرئيس حسني مبارك، مؤتمراً نظمته مكتبة الإسكندرية وعدد من منظمات المجتمع المدني، يوم الجمعة 12/3/2004 مؤتمراً عربياً حافلاً للتداول حول إصلاح النظام العربي، من كل جوانبه، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ويجيء التآم هذا المؤتمر الأهلي غير الحكومي، بعد أن كثرت المبادرات والدعوات من الداخل والخارج التي تدعو إلي تحول ديمقراطي حقيقي في الوطن العربي وبقية بلدان الشرق الأوسط. والتي كان آخرها ما أشيع عن مبادرة أمريكية في أوائل فبراير شباط الماضي، تحت عنوان الشرق الأوسط الكبير، والتي ستناقش في مجموعة الثمانية الكبار، في شهر يونيه 2004. وقد سبقت هذه المبادرة عدة مبادرات أوروبية، بدأت في برشلونة عام ،1994 أي منذ عشر سنوات.
وكانت مبادرة برشلونة، والتي وقعت معظم الدول العربية بروتوكولها مع دول الاتحاد الأوروبي، تنطوي علي ثلاث حزم أو سلال مترابطة، هي:
حزمة الأمن والدفاع.
حزمة التنمية والتعاون الاقتصادي.
حزمة المجتمع المدني والديمقراطية.
وقد نفذت معظم الدول العربية التي وقعت علي بروتوكول برشلونة الحزمتين الأولي والثانية فقط، لأنهما انطويتا علي تلقي سلاح ومساعدات اقتصادية ولكنها تلكأت، وناورت، وكذلك فيما يتعلق بالحزمة الثالثة- أي تحرير المجتمع المدني، والاتجاه نحو الديمقراطية. أي أن دولنا العربية تلك تريد سلاحاً غربياً، وتكنولوجيا غربية، وأموالا غربية، ولكنها لا تريد ديمقراطية غربية، أو حتي هندية ، أو ماليزية أو بنغالية بنجلاديش ، أو أندونيسية أو تركية !
فواقع الأمر كما بين الأوروبيون، حينما سمعوا بعض الحكام العرب يتذرعون بالدين والثقافة الإسلامية ليبررو تلكؤهم في تنفيذ حزمة برشلونة الثالثة، أن ثلي المسلمين في العالم يعيشون في ظل حكومات منتخبة ديمقراطياً.. القطاع الوحيد من العالم الإسلامي الذي لا يعيش في ظل أنظمة ديمقراطية هم معظم العرب المسلمين.
وقد أطلقت الدنمارك، التي لا تمثل تهديداً لأحد في الشرق الأوسط أو غيره، مبادرة مماثلة في روحها لمبادرة برشلونة، في خريف عام ،2003 ولكنها أكثر تحديداً وتفصيلاً، حيث جعلت السلام الفلسطيني- الإسرائيلي، عنصراً من عناصر مبادرتها. وقد وعدت بأن تستغل رئاستها للمجموعة الأوروبية في دفع هذه المبادرة وتمويلها.. وطاف وزير خارجيتها بدول المنطقة في ديسمبر ويناير، للترويج لها.. لم يجد بين معظم الحكام العرب إلا الرغبة في المال والمساعدات الاقتصادية، والرفض المستتر أو العلني للديمقراطية، بدعوي أن شعوبهم غيرمؤهلة بعد، وأن الديمقراطية تفتح الباب للفوضي والعنف كما حدث في الجزائر!
لم ييأس الأوروبيون من هذا التلكؤ العربي، علي مستوي الأنظمة الحاكمة، فأطلق يوشكا فيشر ، وزير الخارجية الألمانية مبادرة ثالثة في مدينة ميونخ، بمناسبة انعقاد المؤتمر السنوي الأربعين، للسياسات الأمنية، يوم 7 فبراير ،2004 والتي أضاف فيها بندين إضافيين للمبادرات الأوروبية الأخري، أحدهما عن أفغانستان، والثاني عن العراق. ونقد مبادرة برشلونة، والمبادرة الدنماركية، شدد فيشر علي أهمية الشمول والترابط والشراكة بين قضايا الأمن والتعاون الاقتصادي، والديمقراطية، وإقامة دولة فلسطين أي أن المبادرة الألمانية، تستوعب وتلبي كل المطالب العربية المعلنة. ومع ذلك فقد تجاهلها الحكام العرب تماماً، وكذلك وسائل الإعلام العربية، وكذلك المثقفون العرب.
ولكنهم هبوا، وانتفضوا، وغضبوا، وزمجروا، وشجبوا، وتوعدوا، حينما سمعوا، مجرد سماع، عن مبادرة أمريكية في الطريق، فاجتمع رؤساء ثلاث دول عربية رئيسية هي السعودية، ومصر وسورية، ليعلنوا بملء أفواههم أنهم لن يقبلوا أي مبادرات للإصلاح تأتي من خارج الحدود!
حسناً، ربما يكون ذلك مفهوماً ومبرراً من أنظمة حاكمة لا تتعاطي مع الغرب عموماً، ومع أمريكا خصوصاً، وهو ما ينطبق إلي حد ما علي سورية. ولكنه في الحالتين المصرية والسعودية ينطوي علي مغالطات ظاهرة.
وفي كل الأحوال دعونا نتفق علي أنه من غير المستحب أن تأتي دعوات أو مشاريع الإصلاح من الخارج. والسؤال في هذه الحالة، ماذا عن مبادرات ومشاريع الإصلاح من الداخل؟ هل هناك ندرة أو انعدام، أو جفاف لمثل هذه المبادرات والمشاريع؟
والإجابة هي أن المبادرات والمشاريع من قوي عديدة في الداخل العربي لم تتوقف أو تنقطع طوال العقود الثلاثة الأخيرة فعلي سبيل المثال..
1- في فبراير ومارس ،1968 اجتاحت مظاهرات طلابية عارمة، المدن المصرية، تطالب بالديمقراطية، والشفافية، ومحاسبة المسؤولين عن الهزيمة العربية النكراء في يونيه 1967. واستجاب الرئيس الراحل عبدالناصر وقتها، ببيان 30 مارس، الذي وعد فيه بتلبية كل هذه المطالب، فور الانتهاء من تصفية آثار العدوان. ولكن المنية وافته قبل أن يحقق هذا أو ذاك، في سبتمبر 1970.
2- في فبراير ،1974 وبعد ما اعتبرته القوي السياسية المصرية انتصاراً في أكتوبر ،1973 تلبية ما كان قد وعد به عبدالناصر في بيان مارس قبل خمس سنوات. فأصدر الرئيس السادات ما سُمي بورقة أكتوبر في فبراير ،1974 والتي وعد فيها بتحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة ولكنه لم ينفذ من هذه الوعود إلا بعض الاصلاحات الاقتصادية.. وهي سياسة الانفتاح، وبعض الاصلاحات السياسية الشكلية، وهي المنابر . ثم رحل الرجل أيضاً عن دنيانا، قبل أن يتم بقية الاصلاحات، هذا إن كان ينويها فعلاً.
3- أما في عهد الرئيس مبارك فقد تعددت المطالبات من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني طوال العشرين سنة الأخيرة. وكان آخرها وأبرزها تلك التي صدرت عن لجنة الدفاع عن الديمقراطية التي تشكلت من الأحزاب الخمسة الرئيسية المعارضة (الوفد والتجمع، والناصري، والأحرار، والعمل)، وعشر من منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني، في عام 2002. وظلت اللجنة تحاول خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة الاجتماع بالرئيس مبارك أو أحد كبار المسؤولين من مساعديه لتقديم هذه المطالب الإصلاحية، ونظمت اللجنة ثلاث مظاهرات في ميدان التحرير، أكبر ميادين العاصمة المصرية، توجهت منه إلي قصر الرئاسة في عابدين، ولكن المتظاهرين كانوا يردون علي أعقابهم. وفقط في المظاهرة الأخيرة في 15 فبراير ،2004 سُمح لوفد من المتظاهرين أن يسلموا مذكرة مكتوبة إلي الحرس الجمهوري، عند البوابة الخارجية للقصر.
4- وأخيراً وليس آخرا، انضم الاخوان المسلمون، أقدم وأعرق الحركات الإسلامية في مصر والعالم إلي قائمة المطالبين بالتغيير، والاصلاحات السياسية والدستورية، فقد أعلن مرشدهم الجديد في اجتماع حاشد في مبني نقابة الصحفيين، أن الجماعة تتبني نفس المطالب الإصلاحية للجنة المصرية للدفاع عن الديمقراطية: انتخابات حرة ونزيهة، تحت الإشراف الكامل للقضاء، وانتخاب رئيس الجمهورية ونائب له في انتخابات حرة تنافسية لمدة أقصاها ست سنوات، أو مدتين كل منها أربع سنوات، وعودة القضاء الطبيعي إلي استقلاله، وإلغاء كل أنواع القضاء الاستثنائي وإلغاء حالة الطواريء وقوانين الطواريء، وخصخصة الإعلام، وإطلاق حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب.
5- ولم يختلف الأمر في بلدان عربية، حيث لم تتوقف المطالبات الشعبية بالتغيير والإصلاح السياسي والاجتماعي. ولعلنا نذكر مظاهرة النساء السعوديات اللائي قدن سياراتهن في شوارع الرياض أثناء الاستعدادات لحرب تحرير الكويت عاصفة الصحراء ، بعد أن رأين المجندات الأمريكيات يقدن كل أنواع المركبات في شوارع وطرق المملكة، بينما ظللن هن محرومات من هذا الحق الإنساني البسيط. كما تتالت بعد هذه المظاهرة النسائية، مطالبات المثقفين السعوديين بالإصلاح التدريجي لأوضاع بلادهم.. وكانوا في ذلك في قمة المسؤولية والاعتدال. وفقط في العام الأخير ،2003 وافق ولي العهد، الأمير عبدالله علي لقاء وفد من هؤلاء المثقفين للحوار معهم.. وصدرت عدة وعود بمزيد من الاصلاحات الداخلية.
وهكذا لم تنقطع المبادرات الداخلية في معظم بلادنا العربية مطالبة بالإصلاح، ومزيد من الديمقراطية. لذلك لم يكن هناك معني أو مبرر لهذه الضجة المفتعلة حول الإصلاح من الداخل أو من الخارج . كما لم يكن هناك معني أو مبرر للرفض المسبق لكل دعوة للإصلاح تأتي من الخارج، لا لشيء، إلا نكاية في الغرب أو نكاية في الولايات المتحدة، حتي لو كان هذا الإصلاح يخدم شعوبنا، ويلبي طموحاتها المشروعة.. فالخارج لم يبدأ بمطالبة الأنظمة الحاكمة العربية بالإصلاح إلا بعد أن رأي تجاهل هذه الأنظمة لمطالب شعوبها. فالمبادرات الشعبية العربية ليست سراً حربيا، فلكل بلد غربي سفاراته وخبراؤه الذين يتابعون الأوضاع الداخلية، لا فقط في البلدان العربية، ولكن في كل بلدان العالم. وهو نفس الشيء الذي تفعله، أو ينبغي أن تفعله، السفارات العربية في البلدان الأجنبية.
إن الرفض لمجرد النكاية هو سلوك طفولي أو سلوك مراهق لا يليق لا بالحكام ولا بالمثقفين العرب.. لا يتساوي مع سلوك النكاية هذا من حيث الطرافة والمراهقة إلا سلوك آخر هو المكابرة ففي المؤتمر الأخير بمكتبة الإسكندرية، تباري المتحدثون لتسجيل ثلاثة مشاهد تبدو متناقضة:
المشهد الأول، هو صب اللعنات والإدانات علي الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، لمواقفها العدائية من العرب وقضيتهم الأولي، فلسطين، وقضيتهم الثانية، العراق.
المشهد الثاني، هو تسجيل الرفض لكل ما يأتي من الغرب أو الولايات المتحدة من مبادرات لإصلاح الأنظمة العربية، حيث لابد أن وراء هذه المبادرات مؤامرات أو مخططات خبيثة، حتي لو تسترت تحت شعارات الديمقراطية.
المشهد الثالث، وهو مكابرة الأنظمة الحاكمة نفسها بأنها كانت هي المبادرة للإصلاح الديمقراطي من تلقاء نفسها، ولم تنتظر أو تحتاج إلي نصيحة أطراف خارجية لكي تقوم بهذا الإصلاح.
ونحن نقول لا بأس من تسجيل هذه المشاهد وغيرها علي تناقضها وطرافتها.. إذا كان في ذلك إنقاذاً لماء وجه الحكام، أو إبراء ذمة المثقفين. المهم أن يتحقق الإصلاح، وأن يلحق العرب بركب الديمقراطية في العالم في مطلع القرن الحادي والعشرين، بعد أن أضاعوا نصف قرن بين فقه النكاية ، و فقه المكابرة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية