مقالات د. سعد
الدين إبراهيم
يدُ عمرو الأمريكي تمتد من جديد
سعد الدين إبراهيم: كاتب مصري:- في اوائل شهر فبراير 2004 سربت
مصادر أمريكية مسودة ورقة عمل مقدمة لقمة الثمانية الكبار، التي تعقد في شهر يونية،
الورقة بعنوان نحو شرق اوسط كبير وتتحدث عن خطة لتطوير اقطار المنطقة الممتدة من
افغانستان شرقا، الي المغرب وموريتانيا غربا وتشمل المنطقة التي تستهدفها الخطة
بلدانا غير عربية وغير اسلامية ففيها ايران وافغانستان وتركيا، وهي اسلامية من حيث
ديانة معظم سكانها، ولكنها غير عربية من حيث اللغة والثقافة، كما انها تشمل اسرائيل
التي لا هي عربية ولا هي اسلامية.
الخطة هي بمثابة مشروع مارشال جديد، وقد كان ذلك المشروع الذي اطلقته الولايات
المتحدة، وسمي علي اسم وزير خارجيتها في ذلك الوقت (1945-1950) يهدف الي اعادة بناء
غرب اوروبا، التي دمرتها الحرب العالمية الثانية، ولم تكن اعادة البناء مادية فقط،
بل ايضا مؤسسية وقيمية، بعد ان شوهتها عقود من الفاشية والنازية والديكتاتورية.
وكان مشروع مارشال، هو الذي انقذ غرب اوروبا من اجتياح الشيوعية السوفيتية، التي
كانت قد اجتاحت شرق اوروبا بالفعل. كما ان المشروع هو الذي مهد لمشروع آخر عملاق
داعب احلام الاوروبيين لمدة قرنين، وهو توحيد القارة الاوربية. واخيرا هو الذي جنب
اوروبا ويلات حرب عالمية ثالثة. فقد صاحب مشروع مارشال الاقتصادي مشروع دفاعي آخر
هو حلف الاطلنطي .
ويبدو ان الخبراء الامريكيين في شؤون الشرق الاوسط قد اقنعوا الرئيس جورج بوش ووزير
خارجيته كولين باول بأن المنطقة كانت وما زالت الأكثر تفجرا وعنفا طوال الخمسين
عاما الاخيرة من ذلك انها:
- تحتوي علي7% فقط من سكان العالم، ومع ذلك استأثرت بحوالي 35% من مجموع الصراعات
المسلحة في العالم، اي خمس مرات اكثر مما تستحق.
- انه رغم ثرواتها الطبيعية الضخمة، وفي مقدمتها النفط والتاريخ والثقافة العريقة،
الا انها ما زالت في ذيل القائمة علي مؤشرات التنمية بين دول ومناطق العالم الاخري.
ولا يتفوق علي هذه المنطقة في التخلف الا افريقيا جنوب الصحراء.
- وقد ربط تقرير الامم المتحدة عن التنمية الانسانية العربية لسنتي 2002- و2003 بين
هذا التخلف وبين نقص او انعدام الحرية والديمقراطية في عالمنا العربي، فالانظمة
الاستبدادية هي التي تبدد الموارد في مشروعات وهمية ومغامرات خارجية. وتورط بلدانها
وجيرانها في صراعات مسلحة بل وقد تجر الدول الكبري من خارج المنطقة للتورط.. في هذه
الصراعات من ذلك ان امريكا استخدمت قواتها المسلحة عشر مرات في منطقة الشرق الاوسط
خلال الخمسين عاما الماضية -اي بمعدل مرة كل خمس سنوات.
- كذلك خلص خبراء المنطقة الي ان غياب الحرية والديمقراطية والتنمية المتراكمة ادي
الي فجوة متزايدة بين شعوب المنطقة وانظمتها الحاكمة. وكان الأكثر احساسا بالغبن
والغضب هم الشباب العربي -المسلم. وان هذا الاحساس هو الذي يدفعه اما الي السعي الي
الهجرة الي الغرب، او الي التطرف الديني، او اليهما معا.
- ان حكام المنطقة، بمن فيهم حلفاء واصدقاء الغرب وامريكا، بدلا من تبديد مشاعر
الغضب والمرارة والغربة عند الشباب العربي المسلم بالتحول الي الديمقراطية والحرية
وفتح ابواب المشاركة في الشأن العام امامهم، فإما انهم اودعوهم السجون او حولوا
غضبهم ومرارتهم ضد امريكا والغرب واسرائيل.
ان هذه القراءة، كان احد ابرز المروجين لها استاذ التاريخ البريطاني الاصل، والذي
كان يشغل كرسي الشرق الاوسط في جامعة برنستون، والأكثر قربا لكل من رتشارد تشيني،
نائب رئيس الجمهورية، ولدونالد رامزفيلد، وزير الدفاع ويشاركه في هذه القراءة استاذ
العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، الدكتور فؤاد عجمي الامريكي من اصل عربي
لبناني.
وبناء علي هذه القراءة، وعلي تقرير الامم المتحدة الذي صاغه حوالي ثلاثين عربيا
مرموقا، تم اعداد خطة الشرق الاوسط الكبير لاصلاح وتنمية كل جوانب الحياة فيه -من
السياسة الي الثقافة، ومن التعليم الي الاقتصاد، ومن انظمة الحكم الي القضاء الي
المجتمع المدني. بهذا المعني الشامل فان خطة الشرق الاوسط الكبير، تتساوي في طموحها
مع مشروع مارشال، سالف الذكر، بل وتتجاوزه.
ولأن الولايات المتحدة قد تعلمت من سلبيات غزو العراق بلا غطاء دولي كامل، فانها
تأخذ مشروع الشرق الاوسط الكبير الي مجموعة الثمانية الكبار -وهم الي جانبها تشمل
المانيا، وفرنسا، وبريطانيا وروسيا، واليابان، وايطاليا، وكندا وهم معا يستحوذون
علي ثلثي الانتاج العالمي. وبتبنيهم للمشروع، تضمن الولايات المتحدة مشاركة
الثمانية الكبار في الرعاية، والتمويل، والتنفيذ، وتدفع عن نفسها تهمة الهيمنة
الامبريالية المنفردة.
والمشروع يعتمد في فلسفته علي الترغيب والتهديد فكل من يرحب به، ويندرج تحت مظلته
سيحصل علي مساعدات اقتصادية ضخمة وعلي تسهيلات تجارية كبيرة، وعلي تدفقات استثمارية
مستمرة. ومن لا يقبل او يعارض فانه لن يحصل علي اي من هذه المزايا، بل وقد يُحرم من
بعض ما يحصل عليه حاليا، انها فلسفة الجزرة والعصا ، المعروفة في العلاقات
الانسانية -سواء في تربية الاطفال او الشؤون الدولية.
فماذا كانت ردود الفعل العربية علي مشروع الشرق الاوسط الكبير ؟
- كان هناك رد فعل رسمي واحد، الي تاريخه، وتمثل في بيان مشترك صدر بعد زيارة خاطفة
بين الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل السعودي الملك فهد، كان فحواها ان اصلاح
الاوضاع في المنطقة عموما، وفي بلديهما خصوصا لا يمكن ان يأتي او يفرض من الخارج،
والا كان مصيره الرفض والفشل واكد الزعيمان العربيان، ان الاصلاح لابد ان ينبع من
الداخل، وبمبادرات وجهود داخلية.
- وعلي هذا النهج المتحفظ او الرافض صدرت ردود افعال عربية اخري، حكومية وغير
حكومية، وفي الغالب دون مناقشة او تفنيد ودون تقديم بدائل. وغلب علي معظم ردود
الفعل هذه ما اطلقنا عليه في مقال سابق فقه النكاية ، فكل ما يصدر عن امريكا لابد
ان نرفضه، حتي لو كان ينطوي علي مصلحة لنا وذلك نكاية في امريكا او في الغرب وهؤلاء
عادة هم من يرفضون كل جديد وكأنه ضلالة بما ان كل ضلالة في النار !
- يختلف عن النهجين السابقين رد فعل ايجابي فاعل، وهو دعوة قيادات المجتمع المدني
العربي لصياغة بدائل للتغيير والإصلاح من ذلك دعوة الدكتور اسماعيل سراج الدين
لمؤتمر عربي اصلي خالص للتداول حول مستقبل الوطن والامة، والذي ينعقد في مكتبة
الاسكندرية، منتصف مارس ،2004 وقبل مؤتمر القمة العربية اواخر نفس الشهر، وقبل
ثلاثة اشهر من قمة الثمانية الكبار، وربما لن تختلف اجتهادات مؤتمر الاسكندرية عن
محتويات مشروع الشرق الاوسط الكبير. ولكنها ستكون بلغة عربية، وذات رداء عربي،
وستخرج من ارض عربية. اي انها ستكون هذه المرة بيدنا لا بيد عمرو!
فلا حول ولا قوة الا بالله