مقالات د.
سعد الدين إبراهيم
الإعلام العربي وعلم النكبات:
في تقرير أصدرته منظمة "بيت الحرية" عام 2002، عن الحريات
الصحفية في العالم، قسمت بلاد العالم إلي ثلاث مجموعات. المجموعة الأولي، هي بلدان
الحرية الصحفية الكاملة، وقد خلت تماماً من أي بلد عربي. أما المجموعة الثانية، فهي
بلدان تتمتع فيها الصحافة بحرية جزئية، وتضمنت قائمتها بلدين عربيتين فقط هما
الكويت والمغرب. أما المجموعة الثالثة فهي تلك التي لا تتمتع الصحافة فيها بالحرية،
وقد شملت بقية البلدان العربية العشرين. وهذا كله طبقاً لمعايير مفصلة، وتم إخضاعها
لصرامة منهجية كمية وكيفية، بما في ذلك شهادات العاملين في هذه الصحافة.
وقد تأكدت هذه الشهادات المؤلمة في التقرير الأول الذي أصدرته منظمة "مراسلون بلا
حدود" الفرنسية بعد ذلك بسنتين، حيث جاءت البلدان العربية في ذيل قائمة تضم مائة
وتسعة وثلاثين دولة، رتبتها حسب احترامها لحرية الصحافة. فقد خلت الخمسين الأولي من
أي دولة عربية. وتضمنت الخمسين التالية أربع بلدان عربية فقط هي لبنان (56)
والبحرين (67)، والكويت (78)، والمغرب (89) والأردن (99). بينما جاءت كل الدول
العربية الأخري في الخمسين الثالثة والأخيرة حيث جاءت مصر (في المرتبة 101) واليمن
(103)، والسودان (105)، والسعودية (125)، وسوريا (128) وليبيا (129)، والعراق
(130).
ربما لا تفاجئ هذه التقارير العالمية المتخصصين العرب في مجال الإعلام، أو حتي كهول
وشيوخ المهنة العاملين في هذا المجال. فهم شهود وجوديون علي التدهور، ثم الانحطاط
الذي أصاب مهنتهم في الخمسين سنة الأخيرة. ولكن الذي يجب التوقف عنده ملياً،
والتأمل في تداعياته الحالية والمستقبلية، هو تأثير هذا التدهور والانحطاط علي
الأجيال العربية الشبابية سواء من العاملين في هذا الإعلام أو مستهلكيه من عامة
الشعب.
إن إعلامنا العربي يعيش محنة مستمرة منذ الحقبة الشعبوية التي بدأت في الخمسينيات،
والتي صادرت علي الحريات الليبرالية باسم "الشعب"، أو من أجل "الوحدة العربية"، أو
"العدالة الاجتماعية"، أو "تحرير فلسطين، أو "القضاء علي الرجعية"" و"أعوان
الاستعمار": "فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة" ، و "الحرية كل الحرية للشعب، ولا حرية
لأعداء الشعب".
ولأن الحقبة الشعبوية/الثورية اعتمدت أساساً علي استراتيجية "التعبئة والحشد" ،
وليس علي استراتيجية المشاركة فقد جسّم الإعلام العربي المكتوب والمسموع
والمرئي هذه الاستراتيجية التي لا تؤمن لا بالتنوع ولا بالاختلاف، لأن من شأن ذلك
أن يكون مدعاة للفرقة والتشتت والضعف، وهو ما يؤدي بدوره إلي سهولة "اختراق صفوفنا"،
و"النفاذ إلي جبهتنا الداخلية"!!
وللتأكد من دفع هذه الشرور، فقد عرفت الصحافة العربية منذ منتصف القرن الماضي دور "الرقيب
المقيم" في كل دار صحفية عربية، والذي تطور إلي "الرقيب الذاتي" في داخل كل إعلامي
عربي، يريد الحفاظ علي لقمة عيشه أو علي مستقبله ومستقبل ذويه.
الغوغائية والتضليل في الإعلام العربي
حتي لو كانت هناك حكمة أو ضرورة لإعلام تعبوي في لحظات المواجهة مع عدو خارجي أو
مقاومته في حالة نزاع مسلح، إلا أن الخطوط الفاصلة بين التعبئة والحشد من ناحية،
والمبالغة ثم الكذب، ثم التضليل، ثم الغوغائية من ناحية أخري هو الأخطر علي عقلية
ونفسية الشعوب في الأمدين المتوسط والطويل.
من ذلك أن الحماس لشد أزر المقاومة ينطوي علي إبراز البطولة والبسالة في صفوف
مقاتلينا وهو أمر مقبول ومحمود. ولكن أن يتطور ذلك أو يتحول إلي اختلاق بطولات أو
بسالات وهمية فهو "كذب بواح" و "ضلال فواح".
وبنفس منطق شد أزر الجبهة الداخلية والمقاومة الميدانية، من المقبول والمعقول إبراز
نقاط ضعف العدو وانتكاساته وخسائره المادية والبشرية. أما أن يتحول ذلك إلي تهوين،
ثم تتفيه من شأن الخصوم والأعداء، وهو ما يؤدي منطقياً إلي الاستخفاف به، ومن ثم
ينتهي إلي عكس المطلوب تماماً أي عدم أخذ هؤلاء الأعداء والخصوم مأخذ الجد في
المعارك والمناورات وهو ما يؤدي إلي الهزائم.
ولأن الإعلام العربي الذي بدأ تعبوياً مشروعاً، تحول في النهاية إلي إعلام تضليلي
كذوب، فإن مستهلكيه من البسطاء وحتي المتعلمين لا يستوعبون، ومن ثم لا يقبلون
النتائج المنطقية للمبالغات في قوة الذات والاستخفافات بقوة الخصوم في أي مواجهات
إذ لا يمكن لعقل عربي إقناعه إعلامياً، مثلاً، أن الجيوش العربية كانت علي مشارف تل
أبيب في أواخر شهر مايو 1948، ثم يراها تعود مهزومة إلي أوطانها، بعد ذلك بعدة شهور.
إذن لا بد أن في الأمر "سراً" .. وهنا تتجمع البذور الجنينية لنظريات "المؤامرة" أو
"العمالة" أو "الخيانة".
ويصبح التحدي الجديد هو اكتشاف "المتآمرين" و "الخونة" و "العملاء" في صفوفنا،
واقتلاعهم أو اقصائهم أو إبادتهم، قبل أن ندخل المعركة الحتمية والضرورية مع العدو
الذي هزمنا، لا بسبب قوته الموضوعية، ولكن بسبب المتآمرين والخونة والعملاء في
صفوفنا.
تكرر هذا السيناريو أربع مرات بحذافيره في النصف الثاني من القرن العشرين، وفي مثل
هذا الوقت من العام الماضي، في مطلع القرن الحادي والعشرين.
وارتبطت وجوه وأسماء إعلامية عربية بكل سيناريو. فكان هناك اسم نجيب أبو الخير،
الذي أطلق علي الأعداء في 1948 أسماء العصابات، وشذاذ الآفاق، وأنها ستفر هاربة
مذعورة أمام جيوشنا العربية المغوارة.
وكان هناك الإعلامي الصاخب أحمد سعيد، بطل إذاعة صوت العرب، يا أعرب أمجاد، في
مواجهتي 1956 و1967. وفي هذه الأخيرة، أسقط الرجل من وراء ميكرفونه نصف طائرات سلاح
الجو الإسرائيلي في الساعات الأربع الأولي من يوم 5 يونية.
وكان هناك وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف، الذي تحول إلي نجم إعلامي كوني
خلال أيام من الحرب الأخيرة في العراق، حيث دفن الرجل أو أباد آلاف "العلوج"
الأمريكيين وهم في دباباتهم علي الأرض أو في طائراتهم في السماء، قبل أن يصلوا إلي
بغداد.
الإعلام العربي من الغوغائية إلي عبادة الزعيم
وهكذا تحول الإعلام العربي من غاية مشروعة وهي التعبئة والحشد في لحظات الدراما
القومية، إلي الكذب والتضليل، ثم إلي الغوغائية، التي تتخاطب مع المشاعر لا مع
العقول، وتغازل الخيال العربي وتدفعه إلي مزيد من الجموح والقطيعة مع الواقع
والعرفان.
وإذا كان ذلك كله علي مساوئه، قد بدأ وتطور باسم مصالح وطنية عامة، أو مقاصد قومية
نبيلة، إلا أن الأخطر والأسوأ هو أنها تحولت تدريجياً بنفس المبالغات الغوغائية إلي
تمجيد الزعيم، ثم تعظيمه، ثم عبادته.
وبنفس المنطق اللاهوتي انخرط إعلام كل بلد عربي إلي نقد، ثم تشويه، ثم إقصاء، ثم
تخوين، أو تكفير خصوم هذا الزعيم الأوحد الذي لا شريك له. فتصبح مساءلته أو نقده أو
العيب فيه أخطر في عواقبه الدنيوية من الشرك أو العيب في الذات الآلهية. فعقاب هذه
الأخيرة إذا كان ثمة عقاب، هو يوم القيامة، وقد تقبل فيه الشفاعة. أما العيب في ذات
الزعيم الأوحد، فهو من الكبائر، وهو اثم، لا شفاعة فيه في هذه الدنيا.
ومع تحويل الإعلام العربي لزعمائنا إلي آلهة، أصبح الاستبداد بلا قيود، والخوف بلا
حدود. وقد وثّق وحلّل وفسر هذه الظاهرة المنسق العراقي "كنعان مكيه" في كتابه
الذائع الصيت "جمهورية الخوف" The Republic of fear)).