مقالات د.
سعد الدين إبراهيم
رجل العالم المريض
سعد الدين إبراهيم-كاتب مصري: -لمدة قرن وربع من الزمن - منذ
اواخر القرن الثامن عشر الي اوائل القرن العشرين، شاع تعبير رجل اوروبا المريض ،
اشارة الي الامبراطورية العثمانية، التي ظل سلاطينها يقاومون التغيير ويحاربون
الاصلاح، ويضطهدون شعوب المنطقة، التي كانت تحت سيطرة الامبراطورية العجوز، والتي
كانت تهزم في اواخر سنواتها علي ايدي القوي الخارجية في ارض المعارك. ومع ذلك تمعن
في الاستئساد علي رعاياها.
وكانت هذه الفُصامية في طبيعة الامبراطورية العثمانية، فضلاً عن فساد وانحلال
السلاطين وذويهم، هي التي اغرت المراقبين الاوروبيين باطلاق تعبير رجل أوروبا
المريض علي الامبراطورية التي ترفض تناول الدواء، كما ترفض اجراء اي جراحة، رغم
اشتداد المرض، وتضخم العلة، وكان الجميع -الا السلاطين- يرون الحالة المتدهورة،
ويتوقعون لها ان تموت بالسكتة القلبية في اي لحظة، ولكن هذه اللحظة طالت الي اكثر
من قرن، الي ان تجرعت الامبراطورية العجوز آخر هزائمها في الحرب العالمية الاولي،
فانهارت بعد انقلاب بعض ابنائها عليها بقيادة مصطفي كمال اتاتورك، وبذلك انتقل رجل
اوروبا المريض الي الرفيق الاعلي.
ونحن في الوطن العربي علي وشك ان يُطلق علينا رجل العالم المريض ، فكل التقارير
الطبية الصادرة عن المنظمات الدولية تشير الي حالتنا الصحية المتدهورة. وكان آخرها
التقرير العربي للتنمية الانسانية الذي صدر عن البرنامج الانمائي للأمم المتحدة
والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لعامي 2002 و 2003 والذي يكشف بكل
جلاء عن السبب الاول والرئيسي لكل امراضنا، وهو نقص مزمن في الحرية والديمقراطية،
ونقص آخر في المساواة بين الجنسين، ونقص ثالث في المعرفة والتكنولوجيا.
ومن العجيب والغريب ان عديدا من المهتمين او المهمومين بالشأن العربي والشرق الاوسط
قد علقوا علي التقرير، بما في ذلك كبريات الصحف العالمية في كل قارات العالم، كما
علق عليه زعماء اوروبيون وامريكيون، بمن فيهم رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير،
ووزير خارجيته جاك سترو والرئيس الامريكي جورج بوش، ووزير خارجيته كولين باول، هذا
فضلا عن الامين العام للامم المتحدة، كوفي عنان، الذي تحدث عنه اكثر من مرة، كان
آخرها في الكلمة التي ألقاها ممثله في الاحتفال باعادة افتتاح مركز ابن خلدون في
30/6/2003.
ومع كل هذا الاهتمام العالمي، فان الرؤساء والملوك العرب، ووزراءهم قد تجاهلوا
التقرير تماما، وكأنه لا يعنيهم من قريب او بعيد، وهم في ذلك اشبه بسلاطين آل عثمان
الذين كانوا يتجاهلون كل التنبيهات، والمطالبات، والصيحات، واخيرا الاستغاثات من
اجل الاصلاح، سواء كانت هذه آتية من ابناء الوطن في الداخل، او من الاصدقاء
والاعداء في الخارج. فبعد صدور تقرير الامم المتحدة المشار اليه، والذي شارك في
اعداده خبراء مشهود لهم بالعلم والنزاهة والوطنية، بحوالي سنة صدرت مبادرة كولين
باول، وزير الخارجية الامريكي، للشراكة في الشرق الاوسط (نوفمبر 2002) ثم صدرت
مبادرة دانماركية (يوليو 2003) اثناء رئاسة الدانمارك للجماعة الاوروبية، ثم صدرت
مبادرة برشلونة الثانية، والتي تهدف مثل برشلونة الاولي (1994)، الي شراكة اوروبية
-متوسطية من اجل التنمية والامن والديمقراطية لبلدان جنوب المتوسط التي هي بلدان
عربية واخيرا (فبراير 2004)، تسربت اخبار عن مبادرة امريكية، ستقدم الي مجموعة
الثمانية الكبار، في قمتهم القادمة في يونيو، والتي تتناول تفصيلا امراض الوطن
العربي، والشرق الاوسط بالتشخيص، وتقترح علاجا شاملا لهذه الامراض.
ومن الجدير بالذكر، ان قوي سياسية عديدة في الداخل العربي، قد قامت هي بالتشخيص،
واقتراح العلاج، قبل ان يتطوع بذلك المخلصون او المغرضون في الخارج، بعدة سنوات.
ولكن السلاطين العرب الجدد في الاقطار ذات الثقل السكاني والجغرافي قابلوا اقتراحات
بنيهم في الداخل بنفس التجاهل، او احيانا التنكيل، الذي قابلوا به نصائح الخارج بل
ان الطريف هو ان الحاكم العربي الوحيد الذي ورث اللقب السلطاني عن آبائه واجداده،
في عُمان، وهو السلطان قابوس، قد اظهر من الاستجابات والمبادرات، ما لم يظهر معظم
السلاطين المحدثين، وخاصة من اغتصبوا حكم بلادهم بانقلابات عسكرية او ورثوا السلطة
من انظمة بدأت بمثل تلك الانقلابات كذلك اظهر معظم الملوك العرب نفس روح المبادرة
نحو الاصلاح والتحديث -مثلما رأينا في السنوات الاخيرة في كل من المغرب والبحرين
وقطر والكويت والاردن. ولكن هؤلاء السلاطين والملوك والامراء هم اولا اصلاء وليسوا
دخلاء، علي كراسي الحكم وهم ايضا الاكثر تعليما وانفتاحا.
أما من اسميناهم في هذا المقال بالسلاطين الجدد فهم في معظمهم رؤساء جمهوريات عربية،
وقد اسميناهم بالسلاطين لانهم يتصرفون مثل سلاطين آل عثمان في الحقبة الاخيرة من
عمر تلك الامبراطورية، التي سادها الفساد والانحلال والاستبداد.
ومن حظ العرب العاسر، ان هؤلاء السلاطين أي الرؤساء الجمهوريين، هم الذين يتحكمون
في مصائر اكبر البلدان العربية والتي تقع في قلب الوطن العربي بينما السلاطين
والملوك والامراء الذين بادروا باصلاحات ديمقراطية فان بلدانهم تقع في اطراف الوطن
العربي -اقصي الغرب مثل المغرب، او اقصي الشرق مثل البحرين، او اقصي الجنوب مثل
عمان. كما ان سكانها مجتمعين لا يمثلون اكثر من 10 بالمائة من اجمالي سكان الوطن
العربي.
ومن المهم ان ندرك ان رعايا الامبراطورية العثمانية قبل قرنين لم يكونوا هم المرضي،
ولكن تعبير الرجل المريض كان كناية لنظام سياسي انتهي عمره الافتراضي، ومع ذلك ظل
متشبثا بالحياة، اي بالسلطة، مستعينا في ذلك بكل الوسائل الصناعية وغير الشرعية.
لذلك حينما نقول ان الوطن العربي علي وشك ان يطلق عليه رجل العالم المريض فان ذلك
لا يعني ان المواطنين العرب هم المرضي فكل الشواهد تدل علي ان الانسان العربي راغب
في التقدم، وقادر علي الاخذ بأسباب التقدم المادية والمعنوية. وقد رأينا في السنوات
الاخيرة من ابناء الوطن العربي من حازوا ارقي الدرجات الجامعية، واعلي الجوائز
العلمية والثقافية والرياضية فالمريض -اذن- ليس هو الانسان العربي كفرد، ولكنه
النظام السياسي العربي كمنظومة من القيم والممارسات، التي عفي عليها الزمن واصبح
استمرارها، تحت اي مبرر، خطرا علي ابناء الامة وعلي العالم.
من ذلك ان الآلاف من ابناء الامة يهربون يوميا الي اوروبا بطرق شرعية او غير شرعية،
انقاذا لحياتهم ومستقبلهم من النظام السياسي العربي الكريه، الذي يرفض العلاج،
ويرفض ان يلفظ انفاسه، فاذا كان الارهاب هو التحدي الداخلي الاكبر للولايات المتحدة
منذ احداث سبتمبر 2001 فان الهجرة غير الشرعية هي التحدي الاكبر لأوروبا الغربية.
من هنا اصبح الاهتمام بعلاج المريض العربي هما عالميا وانسانيا، ومصلحيا فمثلما لم
يكن الاهتمام برجل اوروبا المريض ملائكيا لوجه الله، حيث كان هناك من يتربصون
لوراثة الرجل العثماني المريض، فكذلك الحال مع رجل العالم العربي المريض. فهناك من
اصحاب المبادرات الاصلاحية الوافدة من الخارج من يضمر في نفسه اغراضا واطماعا لا
تخفي عن فطنة المراقبين.
فندعوا الله ان يبادر السلاطين العرب - الاصلاء منهم والدخلاء- الي العلاج علي ايدي
اطباء عرب، قبل ان تأتي سيارات الاسعاف الخارجية، اقول قولي هذا وادعو الله أن يغفر
لي ولهم..