مقالات د. سعد الدين إبراهيم

علي هامش الفضيحة الامريكية في العراق الحرب والجنس وحقوق الإنسان

يقول علماء الاجتماع العسكري، أن أقدم مهنتين في التاريخ هما الحرب والبغاء. ومفهوم المهنة هنا هو النشاط المنتظم الذي يتطلب مهارة معينة، لكسب العيش، فهل هناك علاقة بين امتهان الحرب وامتهان البغاء؟
ويواصل علماء الاجتماع سرد مقولتهم حول هذه العلاقة الغريبة. من ذلك أن من يرتزقون من مهنة الحرب، يتركون ذويهم لمدة طويلة، حينما يتوجهون إلي ميادين القتال، وبذلك يحرمون من العلاقات الأليفة والمشروعة، ثم أن البعد عن الأسرة، أو الزوجة لمدة طويلة، يجعل هؤلاء المحاربين المحترفين، وهم عادة في سن الشباب والعنفوان الجنسي، يلجأون للبحث عن البغايا المحترفات، لكي يفرغوا أو يشبعوا حاجاتهم الجنسية المتوهجة. فإذا لم توجد مثل هؤلاء البغايا، فهنا يتم إغراء بعض البنات والنساء بأن يسلكن هذا الطريق. فإذا لم يفلح الإغراء، فإن المحاربين قد يلجأون إلي اغتصاب من تقع عليه أيديهم. كذلك قد يلجأون إلي العلاقات الجنسية المثلية، أو ما يطلق عليه البعض تعبير اللواط ، أو الشذوذ .
وقد أجازت بعض المجتمعات البغاء قانوناً، وخاصة في أوقات الحروب، لا فقط استجابة لحاجة الجنود، ولكن أيضاً لحماية الإناث والزوجات من التحرش الجنسي لهؤلاء الجنود. واستخدم أحد المراقبين لهذه الظاهرة تشبيهاً مجازياً موحياً، وهو أن البغايا المحترفات يؤدين وظيفة اجتماعية، وهي حماية أو حصانة بقية نساء المجتمع ضد التحرش والاغتصاب وهن بذلك أشبه بمستودعات القمامة، فلو تركت هذه القمامة مكشوفة ومنثورة في الشوارع والميادين، لكان ضررها علي الصحة العامة خطيراً.
وهكذا يربط علماء الاجتماع بين ظاهرتي الحرب والبغاء. ويقول لنا علماء الاقتصاد أن الطلب هو الذي يخلق العرض . وفي هذه الحالة فإن المطلب علي الجنس بواسطة المحاربين هو الذي يولد عرض الخدمة بواسطة البغايا، مقابل أجر معلوم.
وقد أثارت الأخبار والصور التي تسربت من سجن أبوغريب في العراق عاصفة هوجاء، من المؤكد أنها ستقتلع وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد. فقد أصبح مؤكداً أن الحراس الأمريكيين في سجن أبوغريب قد قاموا بتعذيب الأسري العراقيين، لا فقط بالإيذاء الجسدي المعتاد: مثل الضرب، والحرمان من النوم، واستخدام الصدمات الكهربائية، ولكن أكثر من ذلك بتعريضهم عرايا للامتهان الجنسي، وإجبارهم علي ممارسة اللواط، والاستنماء العلني علي مرأي من حرس السجن وبقية الأسري. وكان بعض حراس السجن من المجندات الإناث. بل إن كبيرة الحرس في سجن أبوغريب كانت هي التي تعطي الأوامر لممارسة هذه السلوكيات الجنسية الشاذة. وقد تسربت صورها وهي تشاهد هذه الممارسات باستمتاع شديد، كما شوهدت مجندة أمريكية أخري، تجر أحد الأسري العراقيين، عارياً، مقيد اليدين، علي الأرض، كما لو كان كلباً أو حيواناً.
لقد هاج الرأي العام الأمريكي وماج لدي مشاهدته هذه الصورعلي شبكة تليفزيون CBS، يوم الأحد 2/5/،2004 ثم نشرتها الصحف اليومية طوال الأيام الخمسة التالية ثم ظهرت افتتاحيات الصحف الرئيسية لا فقط تعبر عن الصدمة، ولكن أيضاً للتعبير عن العار والشنار الذي لحق بالشرف العسكري الأمريكي وبسمعة أمريكا أمام مجتمعها وأمام العالم كله. وسرعان ما طالبت صحيفة النيويورك تايمز باستقالة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد. وتبعتها صحف الواشنطون بوست ولوس أنجلوس تايمز، وبوسطن جلوب، وشيكاغو تريبيون.
ثم عقد مجلسا الشيوخ والنواب جلستين خاصتين يوم الجمعة 7/1 للاستماع إلي شهادة وزير الدفاع، وأركان وزارته من الجنرالات والمدنيين.
ولم يفت وزير الدفاع أن يبدأ شهادته، التي نقلتها كل وسائل
أن يبدأ بالاعتذار للشعب الأمريكي وللشعب العراقي عما صدر من مجموعة محدودة العدد من الجنود الأمريكيين في حق الأسري العراقيين، وأعلن انه يتحمل كامل المسؤولية الأخلاقية والسياسية، وانه أمر بالتحقيق فيما حدث لا فقط بواسطة الجيش، ولكن أيضا بلجنة خارجية محايدة.
كذلك لم يفت المعلقين سواء في الكونجرس أو الصحافة أن ينوهوا بالعواقب الوخيمة تجاه الرأي العام العربي والإسلامي، وقد أجمعوا ان سمعة أمريكا التي كانت متدنية منذ البداية، قد اصبحت الآن في الحضيض.
وقد سألني بعض الطلبة العرب الذين يدرسون هنا - في الولايات المتحدة - كيف يثور الرأي العام الأمريكي هذه الثورة العارمة بسبب التعذيب أو الامتهان الجنسي لعشرات من الأسري العراقيين، ولكنه لم يثر لمقتل مئات وربما آلاف العراقيين خلال الحرب وإلي الآن؟
وينطوي السؤال نفسه علي مفارقة شديدة.. ولكن مصدر الدهشة لدي الطلبة العرب ومصدر الصدمة والثورة لدي الرأي العالم الأمريكي هو مسألة حقوق الإنسان .
فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة عام ،1948 والذي فصلت مواده عدة اتفاقيات دولية سابقة ولاحقة، ومنها اتفاقية جنيف لمعاملة أسري الحرب، والمدنيين تحت الاحتلال، تجعل ما حدث في سجن أبوغريب مخالفة صريحة، وانتهاكا بشعا لهذه الاتفاقيات، من ذلك ان الأسير أو السجين مدنيا كان أو عسكريا هو أمانة في حوزة السلطة، التي أسرته أو سجنته وعليها ان تحافظ علي حياته وآدميته، ما دام في حوزتها، وهنا المفارقة.
وقد كان ممكنا ان تقتل قوات الغزو الأمريكية هؤلاء وغيرهم أثناء المعارك، أما وقد استسلموا أو وقعوا في الأسر أو تم حبس بعضهم للاشتباه فيهم، فقد أصبحوا أمانة أو وديعة في حوزة سلطة قوات الغزو أو الاحتلال، وعلي هذه الأخيرة ان تراعي القواعد المنظمة لمعاملتهم.
والقياس أو المجاز هنا، مع الفارق، هو الرياضة في الملاكمة، مثلا، من المسموح للملاكمين ان يشتبكوا ويضرب بعضهم البعض، ما داموا في حلبة الملاكمة، أما خارج الحلبة فلا يجوز لأي منهما أن يضرب الآخر، ان فعل الضرب خارج حلقة الملاكمة يعتبر اعتداء يعاقب عليه القانون، حتي لو كان أخف بكثير مما يحدث في حلبة الملاكمة، التي هي أشبه بميدان القتال فلكل منها قواعد منظمة، وهو ما يطلق عليه عادة قواعد الاشتباك .
ومثلما يفخر العرب عادة بالكرم أو الشجاعة .. فإن الأمريكيين يفخرون باحترامهم للقانون وحقوق الإنسان بل ان هذا الاحترام لحقوق الإنسان كان احد مبرراتهم لغزو العراق لكي يضعوا نهاية لنظام صدام حسين، الذي انتهك حقوق الشعب العراقي، وحقوق الشعوب المجاورة للعراق - في إيران والكويت، ومن هنا ثورة الرأي العام الأمريكي علي حكومته، لا فقط بسبب الانتهاك ولكن ايضا بسبب النفاق وإزدواجية المعايير، فسجن أبوغريب نفسه كان رمزا دراميا لانتهاك حقوق الإنسان العراقي بواسطة صدام حسين وها هي سلطة الاحتلال الأمريكي تفعل نفس الشيء بعد سنة واحدة من اسقاط نظام صدام حسين.
ولن يقنع الرأي العام الأمريكي اختلاف درجة أو كمية الانتهاك.. فالتعلل بأن الذين انتهكوا كانوا قلة لا تتجاوز عشرة أو عشرين سجانا، وان الضحايا من العراقيين لم يتجاوزوا العشرات ليس مبررا كافيا، فحتي لو كان صدام قد قتل أو عذب أو انتهك كرامة وحقوق الملايين، فلا يجوز ان يكون ذلك مبررا لقتل أو تعذيب أو انتهاك كرامة حقوق مواطن عراقي واحد، فما دام تحت سلطة الاحتلال الأميركي.
طبعا تعجب الطلبة العرب الدراسين هنا في الولايات المتحدة لهذه المفارقات بين عالمهم الغربي وعالمنا العربي، بين قيمهم وقيمنا، بين مسؤوليهم ومسؤولينا، بين ديمقراطيتهم واستبدادنا، فقلت لهم علينا ان نسعي جميعا - نحن وهم - لنظام إنساني واحد يجمعنا ويجمعهم، يحمي حقوقنا من ناحية ومصالحهم ومصالحنا من ناحية أخري، أقول قولي هذا وأدعو الله أن يغفر لي وان يحاسب حكامهم وحكامنا حسابا عسيرا.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية