مقالات د. سعد
الدين إبراهيم
مسودة مشروع بيان لمؤتمر الدوحة
الديمقراطية هي الطريق الأمثل
منظور مركز ابن خلدون
عاشت الأمة العربية لأكثر من نصف قرن تبحث عن طريق الخلاص لكي
تستكمل استقلالها، وتحقق وحدتها وتحرر شعوبها من ثالوث الفقر والجهل والمرض، وتلحق
بالمسيرة الإنسانية المتسارعة نحو المستقبل.
وقد غرر بعض زعماؤنا وأنظمتنا بشعوب الأمة، حين زينوا لهما التضحية بالحرية
والديمقراطية مقابل تحقيق هذه الأهداف النبيلة والمشروعة. ومرت عقود النصف الثاني
من القرن العشرين دون أن تحقق هذه الأهداف، ودون أن تستعيد شعوبنا حريتها، أو تحقق
وحدتها أو تبني ديمقراطيتها. هذا في الوقت الذي عبرت فيه شعوب مائة من بلدان
العالمين الثاني والثالث من مرحلة الاستبداد إلى الحرية، ومن أنظمة الحكم الشمولية
والسلطوية إلى أنظمة حكم ديمقراطية.
إن بين الشعوب التي أنجزت هذا العبور، بلداناً إسلامية، مثل أندونيسيا وبنجلادش
وماليزيا وتركيا والسنغال. ومنها بلدان سلافية أرثوذكسية ـ مثل اليونان وروسيا
وبلدان البلقان. ومنها بلدان كاثوليكية ـ مثل البرتغال وأسبانيا وبولندا، والفلبين
وأمريكا اللاتينية. ومنها بلدان افريقية، مثل جنوب أفريقيا وغانا ونيجيريا. ومنها
بلدان هندوكية وبوذية وكونغوشية ـ مثل الهند، وكوريا وتايوان واليابان. وتحتوي هذه
القائمة كل الثقافات والأديان والأعراق والألوان، في كل قارات العالم. لذلك فإن ما
يردده بعض حكامنا من أعذار ومبررات لمقاومة أو تأجيل التحول الديمقراطي في بلادنا
العربية، هي أعذار واهية، ومبررات متهافتة. فلا الفهم الصحيح للدين الإسلامي، ولا
الثقافة العربية يناقض الممارسة الديمقراطية.
بل إن التاريخ القريب لبعض بلداننا العربية خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر
والنصف الأول من القرن العشرين، يشير إلى أنه حينما اتيحت الفرص، فإن شعوبنا في مصر
والسودان والعراق وسورية ولبنان والأردن والكويت، والمغرب، لم تتردد عن ممارسة
الديمقراطية النيابية ـ رغم مستويات التعليم والدخول المتواضعة.
لقد دأب بعض حكامنا على التسويف والتأجيل، بدعوى حل القضية الفلسطينية. وليس هناك
عربي يشك في عدالة هذه القضية أو يتوانى في دعم النضال النبيل للشعب الفلسطيني
المجاهد. ولكن دعاة الديمقراطية العرب يرفضون أن تستمر الأنظمة العربية الحاكمة في
ارتهان الديمقراطية أو تأجيلها إلى أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة،
التي يناضل هو، وليس تلك الأنظمة المستبدة من أجلها. فرغم كل ادعاءاتها، فإن هذه
الأنظمة لم تحرر شبراً واحداً من الأرض الفلسطينية المغتصبة. إن الشعب الفلسطيني هو
الذي سيحرر أرضه ويبني دولته الديمقراطية المستقلة.
إن الأنظمة المستبدة غير قادرة، او راغبة، على التعامل الجاد مع التهديدات الخارجية
ومخططات الهيمنة الأجنبية، بل إن كل الشواهد تشير إلى أن هذه الأنظمة على استعداد
للمهادنة والاستسلام، ما دام ذلك يضمن لها الاستمرار في احتكار السلطة والثروة. وفي
الآونة الأخيرة أضيفت العراق إلى قائمة نكبات الأمة، التي تسبب فيها أحد أنظمتها
المستبدة، الذي عرّض شعبه إلى أهوال القمع الداخلي ردحاً طويلاً من الدهر، ثم قذف
به إلى آتون حروب ممتدة، مع مواطنيه الأكراد في الداخل، ومع جيرانه في إيران
والكويت. واستنزف قدراته البشرية والمادية في مغامرات مجنونة، فسهّل على أعدائه غزو
العراق، واحتلال أراضيه. واستسلم النظام، وتبخر من الوجود، وأصبح أثرا بعد عين.
ولكن ها هو الشعب العراقي الباسل يهب بعد الصدمة ليقاوم الاحتلال ويتطلع إلى بناء
عراق ديمقراطي جديد. ولم يطلب الشعب العراقي من الأنظمة العربية المستبدة أن تتحدث
باسمه، أو تستخدم قضية كذريعة لتأجيل التحول الديمقراطي في بلدانها. لقد صمتت تلك
الأنظمة دهراً، حينما كان صدام ينكل بالشعب العراقي، ويبدد ثرواته، ويغامر بمصيره.
وليس من حقها الآن أن تتباكى على العراق. أنها دموع التماسيح.
وتحديداً، نحن دعاة الديمقراطية العرب نطالب:
أولاً: كل أنظمة الحكم العربية التي لا توجد بها دساتير، أو قوانين أساسية، أن تشرع
في استحداثها، خلال هذا العام، أو بداية العام التالي. إن الوطن العربي يذخر
بالفقهاء الدستوريين. كما أن بلداناً إسلامية وافريقية وأسيوية ولاتينية تتمتع
بدساتير ديمقراطية، يمكن الاستنارة بها والاستفادة منها.
ثانياً: نطالب كل أنظمة الحكم العربية التي توجد بها دساتير بضرورة تغييرها، أو
تعديل موادها ونصوصها، بحيث تتحول الأنظمة الملكية (أو السلطانية أو الأميرية) إلى
ملكيات دستورية، يتم الفصل فيها بين "الملك الوراثي" "والسلطة التنفيذية". فالأول
هو رمز الدولة وعنوان الشرعية والاستمرارية. أما الثانية فهي رئيس حكومة منتخب،
والذي يختاره الشعب دورياً، ويتم تغييره هو وحزبه سلمياً من خلال الاقتراع الشعبي
المباشر او بواسطة الأغلبية البرلمانية.
ثالثاً: نطالب كل أنظمة الحكم الجمهورية، التي توجد بها دساتير، أن تعدل المواد
الخاصة باختيار رئيس الجمهورية، من خلال انتخابات تنافسية مباشرة وتقليص صلاحيات
وسلطات رئيس الجمهورية، واستحداث مواد تنص صراحة على آليات لمراقبة ومحاسبة رئيس
الجمهورية، وسحب الثقة منه أو أي من نوابه ومعاونيه.
رابعاً: نطالب كل أنظمة الحكم العربية ـ ملكية وجمهورية ـ أن تبادر بإلغاء قوانين
الطوارئ، والمحاكم الاستثنائية ومحاكم أمن الدولة بكل أنواعها، والعودة للقوانين
العادية وللقضاء الطبيعي، واحترام القانون واستقلال القضاء، وتنفيذ ما يصدر من
أحكام بشكل ناجز، وبلا انتقائية أو تمييز.
خامساً: إلغاء كل القوانين المقيدة للحريات وللصحافة والإعلام، أو التي تعطي الدولة
حق احتكارها أو ملكيتها، أو التدخل في شئونها أو التحايل على المساواة في تعامل
الأجهزة الحكومية معها ـ ترخيصاً، وتمويلاً، وامداداً بالمواد الإعلامية أو
بمداخلات انتاجها وعملها. وللقضاء، والقضاء فقط حق المراقبة والمحاسبة، حماية لحرية
التعبير من ناحية ولمصلحة الوطن من ناحية ثانية، ولسمعة المواطن من ناحية ثالثة.
سادساً: إلغاء كل القوانين المقيدة لحرية المواطنين في تأسيس الأحزاب، والجمعيات،
والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، على أن تكون القاعدة في هذا الصدد هي "الإباحة"،
وأن تكون أي قيود في هذا الصدد هي الاستثناء، وأن تطالب به الحكومة وتنظر المحاكم
في ضرورته أو مبرراته في كل حالة على انفراد.
سابعاً: نطالب كل القوى السياسية في داخل كل قطر عربي أن تحترم دواعي الأمن الوطني
الخارجي، ودواعي الأمن السياسي والاجتماعي الداخلي، وأن تمارس مطالبها للأنظمة
لتحقيق الإصلاحات المذكورة في هذا الإعلان بطرق سلمية ـ تتدرج من التوصيات المكتوبة،
إلى المسيرات والمظاهرات والاعتصامات إلى المقاومة والعصيان المدني.
ثامناً: نطالب الأنظمة الحاكمة والقوى السياسية المعارضة بالالتزام بمواثيق وطنية،
يتم صياغها في كل قطر، وتنص صراحة على قواعد المشاركة السياسية، واحترام حقوق
الآخرين، بما في ذلك حق تداول السلطة، والتزام الأغلبية بروح ونصوص الدستور، وعدم
حرمان أي مواطن من الحقوق المدنية والسياسية بسبب دينه أو طائفته أو نوعه وجنسه، او
العرق أواللغة، أو إقحام السياسة في الدين أو الدين في السياسة.
تاسعاً: نطالب القوات المسلحة في كل قطر عربي أن تنأي بنفسها عن التدخل في السياسة،
وأن تحرص على أن يكون واجبها الأساسي هو حماية التراث الوطني، وأن يكون أداة في يد
أي حاكم أو نظام حاكم للعبث بالدستور وأحكام القانون. وأن تكون، شأنها شأن السلطة
القضائية، لخدمة كل الوطن وكل المواطنين على قدم المساواة.
عاشراً: نطالب القوى الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني في العالم ـ شرقاً وغرباً،
شمالاً وجنوباً ـ أن تدعم جهود دعاة الديمقراطية العرب معنوياً، ومادياً، وتنظيمياً.
وأن تستغل هامش الحرية الكبير المتاح لها في بلدانها، لكي تضغط على حكوماتها، ومن
أجل الحل العادل والناجز لقضيتي فلسطين والعراق، لا فقط من أجل الحق العادل
لشعبيهما في الحرية والاستقلال، ولكن أيضاً حتى لا تستمر الأنظمة العربية المستبدة
في التستر وراء القضيتين لتأجيل الإصلاح السياسي، واتخاذها ذريعة لتعويق التحول
الديمقراطي في بلدان الوطن العربي والشرق الأوسط.