مقالات د. سعد الدين إبراهيم

ماذا عن حالة الملكيات العربية
 

الراية القطرية سعد الدين إبراهيم -

 أثار مقالي عن الحالة القطرية أسئلة عديدة توالت علي بالبريد الالكتروني؛ وكان بعضها من أصدقاء وزملاء ورفاق قدامي، ودارت حول مغزي المقال؛ أو بتعبير أدق ماذا وراء المقال؟ وحاول بعضهم تذكيري بمرحلة الصبا والشباب، أيام كنت ثورياً، يسارياً، ناصرياً، وخاصة في سنوات قيادتي للطلبة المصريين، ثم للطلبة العرب بالولايات المتحدة وكندا في عقد الستينيات من القرن الماضي. ففي تلك المرحلة كنت ومعظم أبناء جيلي نناصب الملوك العرب العداء ؛ ونتهمهم بالرجعية. ونهتف بسقوطهم؛ ونحتفل حينما يسقط أحدهم. وكان السؤال المتكرر في رسائل الرفاق والزملاء هو ما إذا كنت قد فقدت ثوريتي؛ وكيف أقول كلاماً طيباً في حق أي أمير أو ملك عربي في مطلع القرن الحادي والعشرين؟ ولم تغضبني أو تحزنني هذه التساؤلات. بل وأعتبرتها جميعاً أسئلة مشروعة، وتستحق الإجابة عليها من جانبي، والتحاور حولها من المفكرين والباحثين العرب. وها هي إجابتي، وربما إسهامي في الحوار المرتقب.
أولاً: حينما كنا نهاجم الملوك والأمراء والسلاطين العرب في الستينيات ونتهمهم بالرجعية ، فقد كانوا بالفعل رجعيين، أو هكذا بدا لنا الأمر في ذلك الزمان، وخاصة إذا قورنوا بالأنظمة الثورية العربية المعاصرة لهم. فقد أعلنت هذه الأخيرة عداءها للاستعمار والصهيونية في الخارج، وللإقطاع والرأسمالية والاستبداد والفساد في الداخل. وهو ما لم يفعله الأمراء والملوك العرب وقتها، لا بالأقوال ولا بالأفعال، كذلك لم يقم هؤلاء الملوك والأمراء بتغييرات أو إصلاحات اجتماعية، مثل تلك التي شهدتها الجمهوريات العربية في ذلك الوقت.. كالإصلاح الزراعي والحد من الرأسمالية المستغلة أو الاقطاع، أو تأميم الشركات الأجنبية. من ذلك أن الثورة المصرية حددت الملكيات الزراعية، وأممت شركة قناة السويس الإنجليزية - الفرنسية. وفعلت الثورة العراقية 1958 نفس الشيء، وأممت شركة النفط العراقية الإنجليزية . كذلك تخلصت هذه الجمهوريات الثورية من القواعد الأجنبية علي أراضيها، واستكملت بذلك استقلالها. ولم تفعل ذلك الأنظمة الملكية هذا، وبادرت الأنظمة الثورية لبرامج تنمية طموحة، وأخذت بالتخطيط المركزي، وحاولت إقامة صناعات ثقيلة- مثل الحديد والصلب، والسلاح، والصواريخ، وألهب ذلك خيالنا في ذلك الوقت، وهو ما لم تفعله أو تحاوله البلدان العربية ذات الأنظمة الملكية أو الأميرية.. وباختصار، كان حماسنا للأنظمة الثورية وعداؤنا للأنظمة الملكية مبرراً، وبدا منطقياً. ودعم من ذلك أن العالم كله كان يعيش عصراً ثورياً، وكانت حروب التحرير الوطنية مشتعلة الأوار- في الهند الصينية، والجزائر وكوبا، وأنجولا وموزمبيق. كما كانت الولايات المتحدة نفسها تموج بحركات الاحتجاج- سواء من أجل الحقوق المدنية للزنوج، أو ضد الحرب في فيتنام، أو من أجل حماية البيئة. وكنت وجيلي من الطلبة العرب الذين كانوا يدرسون في الولايات المتحدة في ذلك الوقت جزءاً لا يتجزأ من هذا المشهد. فإلي جانب قضايانا العربية التي أنشغلنا بها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وقضية الوحدة العربية، فقد شاركنا زملاءنا من الشباب الأمريكي حركاتهم الاحتجاجية ضد حكومتهم. وكذلك فعل الطلبة العرب في أوروبا.
ثانياً: لم تكن قضية الديمقراطية مطروحة علينا بإلحاح في الستينيات. بل وكنا نتشكك في نوايا من يطرحونها، معتبرين ذلك تضليلاً وتزييفاً للوعي ، وشغلنا بحريات برجوازية علي حساب الأولويات القومية والاجتماعية الأكثر أهمية وحيوية للحاضر والمستقبل. وتقبل جيلنا الطرح الناصري والماركسي، الذي جعل من المسألة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والتحرر الوطني أولويات أكثر إلحاحاً، حيث هي تلبية لمطالب الأغلبية الشعبية، صاحبة المصلحة في التغيير، بينما الديمقراطية فقد كانت تعتبر بذخاً برجوازياً لخدمة مصالح من يملكون الثروة، ويريدون من خلال الديمقراطية أن يحتكرون السلطة.
ثالثاً: جاءت هزيمة يونية ،1967 التي منيت بها الأنظمة الثورية علي يد إسرائيل لتعيد الوعي إلي بعض أبناء جيلي، وأنا منهم. فقد كانت الأنظمة الثورية قد جاءت إلي السلطة في أواخر الأربعينيات وخلال الخمسينيات، كرد فعل للهزيمة العربية الأولي في فلسطين عام 1948. وكانت البيانات الأولي للانقلابات العسكرية في سوريا 1949 ، ومصر 1952 ، والعراق 1958 والسودان 1958 ، واليمن 1962 ، وليبيا 1969 تبرر نفسها أنها جاءت لغسل عار الهزيمة وتحرير فلسطين، وتحقيق الوحدة العربية. وأنهم الذين قاموا بهذه الانقلابات من الضباط، اتهموا الحكومات المدنية المنتخبة بالفساد والخيانة، وبأنها السبب في وقوع هزيمة 1948.
وهكذا تصورت الجماهير العربية، ونحن ضمنها، أن تلك الأنظمة، التي غيرت صفتها من انقلابات إلي ثورات هي التي ستحرر في فلسطين. وفي سبيل هذا الهدف النبيل، قبلت الجماهير العربية، ونحن ضمنها، التضحية بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فلما وقعت هزيمة1967 وكانت أكثر فداحة وهولاً من هزيمة ،1948 بدأ بعض أبناء جيلي، وخاصة ممن كانوا في الخارج، يكتشفون الخدعة الكبري التي أوقعتنا فيها الأنشطة المسماة بالثورية . وبدأ بعضنا يعيد النظر في المقايضة التاريخية التي كنا قد أرتضيناها في الخمسينيات- أي التضحية بالديمقراطية في سبيل فلسطين. فقد اتضح لنا أن الأنظمة العربية الليبرالية المنتخبة كان أداؤها في حرب ،1948 رغم الهزيمة، أفضل من الأنظمة العسكرية الانقلابية للثورية من ذلك، مثلاً، أن جيوش الأنظمة الليبرالية التي خاضت حرب ،1948 قد صمدت في تلك الحرب لمدة ثمانية شهور مايو 1948 إلي فبراير 1949 ، بينما لم تصمد الأنظمة الثورية الليبرالية التي خاضت حرب 1967 سوي ستة أيام، وأن الأولي لم تخسر أياً من أراضيها، رغم الهزيمة، بينما خسرت الثانية أجزاء شاسعة من ترابها الوطني للعدو الإسرائيلي. ومن هنا بدأ بعضنا، وأنا منهم، يقلع عن الحكم علي الأنظمة العربية بما تدعيه عن نفسها أو لنفسها. وبدلاً من ذلك بدأنا نحكم عليها بسلوكها الفعلي، وأدائها العملي علي أرض الواقع، دون اعتبار لشكل الحكم، سواء كان ملكياً، سلطانياً، أميرياً، أو جمهورياً أو جماهيرياً.
رابعاً: بناء علي ذلك، لاحظنا أن معظم البلدان العربية ذات الأنظمة الملكية- السلطانية- الأميرية كان أداؤها أفضل بكثير في السنوات العشر الأخيرة من البلدان ذات الأنظمة الجمهورية الثورية. ومن هنا لم تكن الحالة القطرية هي الوحيدة التي كان أداؤها متميزاً في الآونة الأخيرة. صحيح ان الحالة القطرية هي الأكثر إبهاراً- ربما لأنني لمستها مباشرة وتحدثت للمسؤولين عنها. ولكن ها هي لمحات خاطفة مما حدث ويحدث من المحيط إلي الخليج.
1- في المغرب الأقصي يقود الملك الشاب محمد السادس ثورة اجتماعية صامتة، إلي جانب استمراره في رعاية ودعم التحول نحو الديمقراطية من ذلك أنه وضع أمام البرلمان في نوفمبر 2003 مشروع قانون للأسرة، يعطي المرأة المغربية حقوقاً متساوية في كل ما يتعلق بالشؤون الأسرية من زواج، وطلاق، وحضانة للأطفال. ومن ذلك أيضاً، أنه اعتمد بمرسوم ملكي إنشاء لجنة للحق والإنصاف تقوم بتقصي الحقائق في كل قضايا حقوق الإنسان، وما انطوت عليه من مخالفات وانتهاكات، خلال الأربعين عاماً السابقة- أي طوال فترة حكم والده، الملك الحسن الثاني، وذلك للاعتذار لضحايا هذه الانتهاكات، وتعويضهم مدنياً ومالياً، وعقاب من ارتكب هذه الانتهاكات إذا كان ما زال علي قيد الحياة.
2- في البحرين، في أدني الطرف الشرقي المقابل للوطن العربي، قام ملك البحرين الملك حمد بن عيسي آل خليفة بتحويل نظام الحكم من الإمارة المطلقة إلي ملكية دستورية، وتم بالفعل إقرار دستور جديد، تم استفتاء للشعب عليه، ويمنح المرأة البحرينية حقوقها السياسية كاملة، وبناء عليه تمت الانتخابات النيابية، وافتتاح البرلمان الجديد، عام 2003. وكانت الحياة النيابية في البحرين قد عطلت منذ سبعينيات القرن الماضي. ورغم أن المعارضة البحرينية ما زالت تطالب بالمزيد، إلا أن الشاهد، هو أن الخطوات التي اتخذت إلي تاريخه قد هدأت الخواطر، ووضعت حداً للعنف الطائفي الذي كانت البحرين قد شهدته في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
3- وفي عُمان ومسقط، في أقًصي الأطراف الجنوبية للوطن العربي، استمر السلطان قابوس في إصلاحاته السياسية والاجتماعية، التي بدأها منذ عقدين، وقد أصبحت مجالس الشوري علي مستوي المحافظات، ثم علي مستوي عُمان كلها تتم عضويتها بالانتخاب الحر المباشر. وتبوأت المرأة العُمانية مواقع ملحوظة في هذه المجالس.
4- وفي الأردن، استمر ملك شاب آخر، هو عبدالله الثاني، في قيادة مسيرة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والتربوية بحماس ملحوظ. وتساعده في كل ذلك الملكة رانيا، ذات الثقافة الرفيعة والتعليم الحديث.
أما السعودية والإمارات فما يزال التحول الديمقراطي وعداً أكثر منه حقيقة، وإن كانت الضغوط السلمية الداخلية والخارجية مستمرة من أجل هذا التحول. وقد وجه أي أحد من كتبوا الرسائل هما هو تفسيري لهذه الظاهرة الجديدة التي تبدو فيها الأنظمة الملكية أكثر إقبالاً وجرأة على الإصلاح. وكان تخميني هو أن معظم القائمين عليها هم من الشباب، وأنهم تلقوا قسطاً وافراً من تعليمهم في بلدان ديمقراطية ـ مثل فرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة. ومن ثم فهم أكثر انفتاحاً وإدراكاً لمتطلبات القرن الحادي والعشرين، وأكثر استجابة وتكيفاً مع المتغيرات الداخلية والخارجية. فلعل وعسي أن ينفخ الله سبحانه وتعالي من روحه في رؤساء الجمهوريات، التي كانت ثورية وأصابها الجمود، أن تتحرك قبل فوات الأوان.
ولا حول ولا قوة إلا بالله!
 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية