مقالات د. سعد الدين إبراهيم

تجارة العفريت الأمريكي
 


في يوم الأحد قرأت لكاتبين مصريين، أكن لهما الاحترام والتقدير. وهما مجدي مهنا، في صحيفة "المصري اليوم"، وعلي سالم، في صحيفة "الحياة". والمشترك بينهما فيما كتباه هو الانشغال بأمريكا، التي يعتبرها كثيرون في عالمنا العربي مصدر كل المشاكل والشرور في هذا الكون ـ من مشكلة الصيد في أيسلندا لمشكلة الجفاف والرعاه في دارفور.
وابدأ تعليقي بما كتبه مهنا، بعموده "في الممنوع". فهو يحكي فعلاً عن كاتب آخر هو أنيس منصور، قوله أن عفريتاً هبط في أرض العراق، ودخل إلى المنطقة بدعوة من الرئيس المخلوع صدام حسين، ولن يستطيع أحد صرفه إلا بعد تحقيق أهدافه. والعفريت بالطبع هو أمريكا!
ولكن مجدي مهنا يسجل نقلة كيفية عملاقة، مقارنة بما كان قد كتبه من قبل (المصري اليوم 6/8/2004) حيث ذهب إلى أن أمريكا اختلقت أو انتهزت مشكلة دارفور لكي تحتل السودان، في مسلسل أمريكي يستهدف مصر لحصارها وتحجيم دورها. ولكنه في عموده بعد ذلك بأسبوعين (26/8/2004) أصبح يُقر بأن المسئولية الأولى تقع على كاهلنا نحن العرب. يقول مجدي مهنا، لا فض فوه "وحتى لا يتهمني الدكتور سعد الدين إبراهيم، مدير مركز ابن خلدون أنني أعلق فشلنا وخيبتنا ووكستنا على العفريت الأمريكي، الذي لا نعرف كيف يتحرك، ولا في أي اتجاه، ولا ما هي خطواته المقبلة، فإن المخابئ التي يدخلها العفريت مليئة بالفساد وبالعفن. ونحن كعرب أو كأنظمة عربية المسؤولون عن إعداد هذه المخابئ، التي أصبحت صالحة كأوكار لدخول العفريت إليها".
ويمثل هذا التطور أو التحول في رؤية مجدي مهنا، أرضية مشتركة يمكن الحوار عليها في فهم الدور الأمريكي في منطقتنا، بشكل أكثر عمقاً وعقلانية، حتى يمكن التعامل معه بلا أوهام أو أساطير، ودون تهوين أو تهويل. فبذلك فقط سنكتشف أنه ليست ثمة عفريت أمريكي. وحتى إذا كان كذلك، فهناك وسائل عديدة لصرفه. وقد امسك مجدي مهنا نفسه بأحد خيوط صرف العفريت، مستوحياً إياها من فيلم مايكل مور "فهرنهايت 11/9". وهناك خيالات أخرى عديدة، يمكن تقييد العفريت بها، واقتلاعه من أرض العروبة الطاهرة، وسنعود إلى ذلك في مقال آخر.
وينقلنا ذلك من العفريت إلى التجارة العربية المزدهرة، التي جعلت من ذلك العفريت الأمريكي سلعتها الرئيسية. وهذا ما يتحدث عنه الفنان علي سالم، بأسلوبه الساخر، الذي اعتدناه، ولم نملّه. يقول علي سالم في مقال بعنوان "تراجع دور مصر... أسطورة جديدة للمحافظة على التخلف" (الحياة 26/8/2004): "معظم دول منطقتنا تربطها علاقات قوية بأمريكا. والقلة القليلة الباقية تعمل على ذلك أو تحلم بذلك. وكل مواطني هذه المنطقة يحلمون بالعيش في أمريكا أو في ظل قوانين تماثل قوانينها. حتى الإرهابيين اكتشفوا (قبل 11 سبتمبر) أنهم يستمتعون هناك بحقوق أكثر تتيح لهم ضرب أهدافهم الأمريكية. وعند كل مشكلة نصيح : آه أمريكا هي السبب... لا تتدخلي في حياتنا يا أمريكا... وعندما نواجه مشكلة نعجز عن حلها، أو نرفض حلها، نصيح لماذا لا تتدخلين يا أمريكا... تدخلي يا أمريكا... إن المحافظين الجدد لا يريدون التدخل لحل مشاكلنا، لأنهم يريدون لنا استمرار المعاناه... إن تهمة تنفيذ أوامر أمريكا ليست أكثر من أداه جديدة للابتزاز والبلطجة السياسية غير أنها أودت للأسف ببعض رجال السياسة إلى نوع من الازدواجية الخطرة. فخوفاُ من هذه التهمة، حرصوا على الهجوم على أمريكا، عمّال على بطّال، بما في ذلك بالطبع أعمال مسرحية وسينمائية وجرائد، ربما قاموا بتمويلها من فلوس المعونات الأجنبية. فظهرت بذلك تجارة جديدة، مربحة، في التلفزيون والسينما والمسرح والصحافة هي الهجوم على أمريكا..."
ربما يبالغ علي سالم بعض الشئ، ولكنه بصراحته الموجعة، فضح ازدواجية الخطاب العربي المعاصر في نظرته إلى "الآخر"، الذي كان "أوربياً" لحوالي قرنين ـ من الحملة الفرنسية (1798) إلى تحرير الجزائر (1964)، ولكن هذا "الآخر" أصبح منذ منتصف ستينيات القرن الماضي أمريكياً!. وبالطبع كان لدينا من الأسباب الموضوعية والذاتية ما يجعلها تنفذ، وتهاجم، وتقاوم "الآخر الأوربي"، الذي استعمر ونهب أقطارنا. وبنفس المنطق لدينا من الأسباب الموضوعية والذاتية ما يجعلنا، ويبرر لنا، نقد ومقاومة "الآخر الأمريكي". المهم أن نحدد لماذا، وأين، وكيف؟ وهذا ما نريد حواراً عقلانياً حوله، نتجاوز به الخطاب الغوغائي الاتهامي، بلا معلومات أو دلائل، أو منطق. وهو ما أوشك أن ينزلق إليه الصحفي النابه مجدي مهنا، في تعليقه على مقال سابق لنا بعموده، في الممنوع، (المصري اليوم 15/8/2004) حينما اتهمني بأنني "أروج للأجندة الأمريكية في المنطقة"، دون سند أو دليل، أو اقتباس واحد من كتبي (الأربعين) أو مقالاتي الصحفية (التي تتجاوز الألف). ولأنني أقدر الرجل فقد اعتبرت ذلك زلة لسان في لحظة إنفعال، أعاتبه عليها في مناسبة قادمة. وها أنا أفعل.
إننا نختلف مع أمريكا في قضية أساسية واحدة، هي القضية الفلسطينية، وذلك بسبب تأييدها الكاسح وتحيزها الصارخ للطرف الإسرائيلي، الأقوى والأظلم، ضد الشعب الفلسطيني الأضعف وصاحب القضية العادلة. وأننا في هذا الموقف من أمريكا، نستند لا فقط إلى قوانين الشرعية الدولية، ولكن أيضاً إلى أكثر من مائة قرار من قرارات الأمم المتحدة، وإلى مواقف معظم القوى العالمية الأخرى، بما فيها حلفاء أمريكا التقليديون، في أوربا الغربية، والذين يتعاملون مع القضية الفلسطينية، بقدر أكبر من التوازن والإنصاف.
فيما عدا هذه القضية والخلاف الأساسي بشأنها، فإن الرأي في أمريكا ـ كمجتمع وثقافة وحكومة واقتصاد وأسلوب حياه ـ يمكن أن يتنوع، ويمكن للمواقف أن تتعدد، بتعدد دولنا، وبتعددنا نحن كبشر. ففينا المذدرءون، والكارهون، والمعجبون، والمنبهرون بالثقافة وأسلوب الحياة الأمريكية. وفي هذا لا يختلف العرب عن بقية شعوب العالم التي تحمل لأمريكا كل هذا التنوع من المشاعر والمواقف، المتناقضة في كثير من الأحيان.
وحتى لا تذهب الظنون بأن ما اقوله هنا هو تبرير لمواقف أمريكا، أو محاولة لتبييض وجهها، دعوني أذكّر القراء، بأنني كنت وما زلت من أشد المنتقدين للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم العربي. ولكني لست محترفاً لما أسماه علي سالم "لتجارة الهجوم على أمريكا ... عمّال على بطّال". إنني أنتقد أو أهاجم حينما يكون هناك موقف أو حدث اتخذت فيه أمريكا موقفاً مشيناً. من ذلك أنه حينما اجتاحت إسرائيل لبنان في صيف 1982 وحاصرت بيروت، ثم اقتحمتها، ثم دكت معاقل المقاومة الفلسطينية في بيروت لمدة ثمانين يوماً متتالية، إلى أن أجبرتها على الخروج من العاصمة اللبنانية... كان ذلك بالنسبة لي ولمعظم أبناء الأمة نكبة جديدة من نكبات العرب في العصر الحديث. فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي تدخل فيها القوات الإسرائيلية عاصمة عربية، دون أن تهب أي دولة من دول الجامعة العربية العشرين لنجدة لبنان، ولو بجندي واحد. لم تكن أمريكا في الصورة الظاهرة لأحداث ذلك الصيف العربي الحزين. ولكن متابعتي لما كان يدور على مقدمة وخلفية المسرح في واشنطن منذ الأيام الأولى للاجتياح، لم يترك لدي أي شك في أن أمريكا، لا فقط متواطئة، ولكنها من خلال إدارة الرئيس رونالد ريجان، تبارك العدوان الإسرائيلي على لبنان وحصره للمقاومة الفلسطينية، بهدف إبادتها. لذلك كتبت سلسلة من المقالات، نُشرت في صحيفتي الأهرام والجمهورية في مصر، وعدة صحف عربية أخرى، بعنوان "الأمريكي القبيح". وكان التجاوب الشعبي لهذه المقالات من القوة، لدرجة أن وزير الخارجية آنذاك، وهو المرحوم كمال حسن علي، ثم الرئيس مبارك، استدعياني وطلبا مني أن أوقف تلك السلسلة لأنها "تسئ للعلاقات الاستيراتيجية بين مصر وأمريكا، وأننا ما زلنا في حاجة ماسة إلى الأمريكان في غذائنا وسلاحنا". وقد أوقفت السلسلة فعلاً في أغسطس، أي بعد شهرين ونصف. ثم جاءت أحداث صابرا وشاتيلا في سبتمبر، فاستأنفت السلسلة من جديد، وإن أصبح تركيزي فيها على إسرائيل.
ما قصدته من هذا الاسترسال، هو أن جزءاً من الاستجابة الشعبية الواسعة لما كنت أكتبه في ذلك الوقت، هو أنه لم يكن صادراً عن أيديولوجية معادية لكل ما هو غربي أو أمريكي، كما لم تكن جزءاً من التجارة المعتادة لمحترفي قذف أو توجيه الشتائم لأمريكا. بل إن هذه الاستجابة الشعبية أغاظت أحد هؤلاء المحترفين، فشن عليّ هجوماً في صحيفة الأهالي، لأنني غير مؤهل لهذه المهمة، حيث أنني متزوج من أمريكية، وأعمل في الجامعة الأمريكية، وادخن سجائر المارلبورو الأمريكية! وبتعبير آخر كان هذا المحترف، يوحي بتعليقه ذلك أنه وزملائه في الحزب هم فقط الوكلاء المعتمدون، للهجوم اللفظي على الأمريكان! وهذا ما نريد أن نتجاوزه في فهم أمريكا، وتقييم سياساتها، ونقد ومهاجمة ما يستحق منها النقد والهجوم. أقول قولي هذا، وأعترف أن تجارة الهجوم على أمريكا، خارج نطاق ما أبتغيه هنا من حوار جاد. والله أعلم.
 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية