مقالات د. سعد الدين إبراهيم

الدستور المصري والرئاسة الفرعونية


20/9/2004
انعقد في الأسبوع الثالث من سبتمبر 2004، المؤتمر السنوي للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر.. وأتي المؤتمر هذا العام وسط ظروف وطنية وإقليمية ودولية أكثر حرجاً من أي مرة سابقة. فمصرياً تكالبت مشكلات النظام حتى وصلت حد الأزمة. فهناك مشكلة تباطؤ في النمو الاقتصادي للعام السابع على التوالي، أدى بدوره إلى تفاقم مشكلة البطالة، وخاصة أمام الشباب في المرحلة العمرية الممتدة بين العشرين والثلاثين، حتى بات حلم خمسين في المائة من هؤلاء الشباب هو الهجرة إلى الخارج طلباً للخلاص من الأزمة في الداخل المصري، طبقاً لما جاء في التقرير العربي للتنمية الإنسانية، الذي صدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مؤخراً. وبلغ هذا الضيق مستويات غير مسبوقة. ولا يمضي أسبوعاً إلا وتحمل الصحف المصرية أخبار عشرات المصريين الذين تغرق بهم القوارب المكدسة، في مياه البحر المتوسط أثناء رحلة الهجرة غير الشرعية للبلدان الواقعة على الجهة الشمالية. ومنذ عدة أسابيع حاول مئات منهم الهرب عن طريق ليبيا، ومنها شمالاً إلى مالطة أو إيطاليا. إلا انهم ردوا على أعقابهم خاسرين. وتسلمتهم السلطات المصرية عند الحدود، وكدستهم هذه السلطات في شاحنات مصفحة، بلا تهوية، ومضت بهم لعشرات الساعات بلا راحة، أو مأكل أو مشرب، فتوفى بعضهم اختناقاً أو مات عطشاً. وثار الرأي العام ثورة عارمة، اضطرت معها السلطات المصرية إجراء تحقيق مع ضباط وجنود الشرطة المسئولين عن عملية الترحيل غير الآدمية هذه، عبر الحدود المصرية الليبية، ثم أحالتهم إلى المحاكمة.
ولكن هذه الأحداث المروعة للمصريين البؤساء هي مجرد أعراض للأزمة الأعمق التي يلمسها معظم الناس، منذ سنوات، وبدأوا يرفعون عقيرتهم بالشكوى في الآونة الأخيرة. وترجمت أحزاب المعارضة المصرية والإخوان المسلمين ومنظمات المجتمع المدني هذه الشكاوى والمظالم في صيحة واحدة وهي الإصلاح السياسي الشامل. وفي القلب من هذا الإصلاح تعديل الدستور، وإنهاء حالة الطوارئ، المفروضة منذ اغتيال أنور السادات عام 1981. أما المطالبة بتعديل الدستور فهي تتركز على المواد الخاصة برئيس الجمهورية ـ من حيث طريقة اختياره وحدود سلطاته.
فالدستور المصري الحالي، والذي صدر عام 1971 يحتوي على 211 مادة، تختص 30 مادة منها بحقوق وسلطات رئيس الجمهورية، وهي حقوق واسعة ومتشعبة. منها أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويرأس المجلس الأعلى للشرطة، والمجلس الأعلى للهيئات القضائية ويعين نائباً أو أكثر له، من أعضاء مجلس الشعب، وثلث أعضاء مجلس الشورى، رئيس الوزراء، والمحافظين، والسفراء، وغيرهم من كبار موظفي الدولة وممثليها. وله سلطة عزلهم أو إنهاء أو تمديد خدمتهم. كما أن من سلطاته إعلان الحرب وحالة الطوارئ وإصدار مرسومات وقرارات جمهورية وأوامر عسكرية لها قوة القانون. ورئيس الجمهورية له سلطة حل مجلس الشعب، والدعوة إلى الانتخابات والاستفتاءات العامة وتحديد موعدها.
في مقابل هذه السلطات الواسعة، لا توجد إلا مادة واحدة (رقم 85) تنطوي على محاسبة رئيس الجمهورية، وتقرأ: "يكون اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى أو بارتكاب جريمة جنائية بناء على اقتراح مقدم من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل. ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثي الأعضاء. ويقف رئيس الجمهورية عن عمله بمجرد صدور قرار الاتهام، ويتولى نائب رئيس الجمهورية الرئاسة مؤقتاً لحين الفصل في الاتهام وتكون محاكمة رئيس الجمهورية أمام محكمة خاصة، ينظم القانون تشكيلها وإجراءات المحاكمة أمامها، ويحدد العقاب. وإذا حكم بإدانته، أُعفى من منصبه مع عدم الإخلال بالعقوبات الأخرى"
وحتى هذه المادة اليتيمة، ظلت حبراً على ورق، حيث لم يصدر القانون المنصوص عليه في المادة، بتشكيل المحكمة، رغم مرور 33 سنة على صدور الدستور. كما أن الرئيس الحالي ـ حسني مبارك ـ لم يعين نائباً له طيلة مدة رئاسته التي قاربت ربع قرن، رغم أن المادة 85، والمواد الثلاث السابقة لها في نفس الدستور تفترض وجود نائب للرئيس. وهو الأمر الذي اشتد الإلحاح عليه من المعارضة وفئات عديدة من الشعب، في ضوء اعتلال صحة الرئيس مبارك في الآونة الأخيرة ـ والتي لم يعد من الممكن التستر عليها، بعد أن أغمى عليه يوم 13/11/2003، أثناء إلقاء خطابه في افتتاح الدورة التشريعية الجديدة لمجلس الشعب والشورى، ثم بعد إجراء عملية جراحية له في ألمانيا في يوليو 2004.
ولكن الأنكى في شأن الدستور المصري المعيب هو الطريقة التي نص بها على اختيار رئيس الجمهورية (المواد 75-78)، وهي من خلال ترشيح اسم شخص واحد بواسطة ثلثي مجلس الشعب، حيث يقترع عليه الشعب بنعم أو لا. فإذا لم يحصل على الأغلبية، يتم إعادة الاختيار بنفس هذه الطريقة غير المباشرة، والتي لا تنطوي على أي تنافس أو انتخاب حقيقي مباشر.
والأسوأ من هذا وذاك أن المادة 77 تحدد "مدة الرئاسة بست سنوات ميلادية" ويجيز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدة أخرى".
وهكذا قنن الدستور الحالي "تخليد" أو "تحنيط" شخص واحد في أعلى مناصب الديار المصرية. ولأن لهذا الشخص بحكم رئاسته هذه السلطات الواسعة، فإن الدستور قد أضاف إلى صفتي التخليد أو "التحنيط" صفة "التأليه". ولأن المادة 85 التي تنطوي على محاسبة الرئيس هي مادة جامدة لا حياة فيها، فإن الرئيس المصري بهاتين الصفتين قد تحول إلى ما يشبه الفرعون في مصر القديمة. وهو الذي حولته ديانتهم وممارستهم إلى مفهوم "الملك ، والإله" (god king). إن هذه الرئاسة شبه المملوكية ـ الإلهية، كان يمكن للمصريين أن يتسامحوا معها ويعيشوا في ظلها قديماً، خاصة وأنها كانت تنطوي على مآثر جمة. ففي ظلها قادت مصر العالم القديم، وشيّدت أقدم وأعظم حضاراته. أما في بدايات القرن الحادي والعشرين فإن المصريين يكتشفون أنهم يعيشون في ظل نظام فرعوني بلا مآثر.
وليت الأمر اقتصر على رئاسة ـ فرعونية بلا مآثر، ولكن امتداد هذه الرئاسة لمدة ربع قرن، دون تنافسية أو تدوير للنخبة الحاكمة، أصاب الدورة الدموية لمصر المجتمع بالاعتلال، وأصاب شرايين مصر الدولة بالتصلب.
ومع تصلب الشرايين اشتد الاستبداد، بحكم السلطات الواسعة والمطلقة في نظام رئاسي فرعوني لا شريك له، ولا حسيب عليهم ولا رقيب. وقديماً قال ابن خلدون "أن السلطة مفسدة"... و"السلطة المطلقة مفسدة مطلقة". وهذا هو حال نظام الرئاسة الفرعوني الذي بدأت البذور الجنينية لاستبداده في الدستور الحالي. وأدى استبداده إلى فساد، ومن شأن الفساد أن يؤدي إلى الخراب. وهذه الثلاثية البشعة ـ الاستبداد، الفساد، الخراب ـ هو ما تعيشه بلدان عديدة في الوطن العربي والعالم الثالث. وهذه الثلاثية هي نفسها التي أدت إلى تقويض حتى واحدة من أقوى الدول في القرن العشرين، وهو الاتحاد السوفيتي. فقد أدى الحكم الاستبدادي الطويل أثناء زعامة الرفيق ليونيد بير جنيف للاتحاد السوفيتي إلى فساده وتصلب شرايينه، وخرابه، ثم انهياره وزواله. ولأننا لا نريد هذا المصير البائس لمصر المحروسة، فإننا ننبه إلى أن بداية الإصلاح الحقيقي للدولة والمجتمع هو تعديل الدستور، بحيث يفتح الباب لتنشيط الدورة الدموية المجتمعية من جديد وتليين شرايين الدولة.
أما الاعتذارات التي بدأ يطلقها النظام أو القريبون منه لتأجيل تعديل الدستـور (انظر د. هالة مصطفى، في مسألة الإصلاح والدستور، الأهرام 18/9/2004) فهي لن تجدي فتيلا. من ذلك الإدعاء بأن الأحزاب السياسية المصرية القائمة "لم تعرف لها فعالية من نشاط خارج نطاق صحفها". وهو أمر صحيح إلى حد ما. ولكن الكاتبة هنا تلوم الضحية. فهي لا تدرك أن الأحزاب المصرية الحالية قد أصابها "الكساح" أو "شلل الأطفال" لأنه لم يسمح لها على امتداد ربع قرن أن تنشط خارج مقارها أو صحفها، في ظل قانون الطوارئ. فالاجتماعات العامة والمظاهرات والمسيرات والإضرابات ممنوعة، بالمخالفة للدستور، بسبب قانون الطوارئ. حتى الحزب الوطني فهو الأكثر كساحاً وشللاً بسبب غياب المنافسة والندية. ولا أدل على ذلك من أدائه الهزيل في آخر انتخابات برلمانية، حيث لم يحصل في جولتها الأولى عام 2000 على أكثر من 37 في المائة من المقاعد. وكان عليه أن يغري أو يرشي، أو يضغط على المستقلين الفائزين في تلك الانتخابات للانضمام إلى الحزب الوطني، حتى تظل له "الأغلبية"!.
من ذلك أيضاً ما يردده أنصار الحزب الوطني الحاكم من أن مصر وأحزابها ليسوا مؤهلين بعد "للديمقراطية الانتخابية" التي ينطوي على تداول السلطة. وتستشهد كاتبة ترأس تحرير مجلة دورية بعنوان "الديمقراطية" لتأكيد مقولتها بالتجربة الإيرانية، وكأن النظام الحاكم فيها أتى للسلطة عن طريق "ديمقراطية انتخابية"، وليس عن طريق "ثورة"، رسمت وطبقت دستوراً يضمن لمن قاموا بها البقاء في السلطة. وهو نفس ما فعلته ثورة يوليو المصرية، الذي يعتبر نظام الرئيس حسني مبارك امتداداً عضوياً لها. فقد أرست تلك الثورة المصرية ممارسة "الدستورية المصنوعة"، والتي كرّست السلطة في أيدي رئيس يأتي بالاستفتاء، وليس بالانتخاب التنافسي الحر المباشر.
ثم يأتي الحزب والمتحدثة باسمه إلى بيت القصيد، وهو المطالبة بتعديل الدستور فيما يتعلق بالمواد الخاصة باختيار سلطات رئيس الجمهورية. وتدافع الكاتبة دفاعاً مستميتاً عن بقاء الوضع على ما هو عليه. وهاهي الحجج التي تسوقها:
1ـ إن تعديل الدستور ليست من الأمور السهلة التي يمكن تبسيطها أو اختزالها. ومن قال أنها سهلة أو بسيطة؟ إن هناك أكثر من مشروع، دأب عشرات المهتمين والمهمومين بإعدادها على مدى السنوات العشرين الأخيرة. وخلال سنة واحدة يمكن مناقشة مسودات هذه المشاريع، ثم إقرار بعضها من مجلس الشعب وطرحه للاستفتاء الشرعي، طبقاً لما ينص عليه الدستور.
2 ـ "أن الجميع يعلم أن هذه الأحزاب (المعارضة) غير مؤهلة لمسألة تداول السلطة لافتقادها إلى قاعدة جماهيرية يعتد بها". وفضلاً عما تنطوي عليه هذه الحجة من استعلاء وتعالي، فإنها تنطوي على جهل فاضح بديناميات العمل السياسي. ففي مجتمع تعداده 70 مليون، وله تقاليد عريقة في التنظيم والعمل العام، لن تفقد قيام ثلاثة أو أربعة من الأحزاب القائمة في المعارضة باعتلاء مقاعد السلطة، وإدارة الشأن العام. ولا أدل على ذلك من الحكومة الجديدة التي يرأسها د. احمد نظيف، وجاء أربعين في المائة من وزارتها بلا خبرة سياسية سابقة. بل حتى من قيل أنهم كانوا أعضاء في لجنة السياسات، فإن عمر هذه اللجنة نفسها لا يتجاوز سنتين. ولا حاجة بنا إلى تأكيد أن هؤلاء الوزراء الجدد لم يجدوا مشكلة في ممارسة مهام مناصبهم. بل أن معظمهم ترك انطباعات إيجابية على الرأي العام. إن الحديث عن أن أحزاب المعارضة ليست مؤهلة أو مستعدة لتداول السلطة، يعني أن نظام حسني مبارك ينبغي أن يظل في السلطة إلى الأبد، ما دام هو الذي يقرر ما إذا كان معارضوه مؤهلين لاعتلاء السلطة من عدمه. إن تلك الدائرية في بسط الأمور تنطوي على هراء منطقي.
3ـ حينما ترد المعارضة المصرية على كل أعذار النظام الحاكم، وتظهر تهافتها، تأتي إحدى أنصار الحزب الوطني من الأكاديميات، بذريعة ختامية، كما لو كانت خط الدفاع الأخير ضد تعديل الدستور، وهي تدعي أن تلك الأحزاب تدعو إلى تعديل فقرة واحدة هي الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية، فتقول أن تلك الدعوة كان من الممكن أن تكون مفهومة لو أنها جاءت في سياق طرح رؤى بديلة لمجمل التوجيهات السياسية والمجتمعية والاقتصادية والثقافية السائدة عموماً. أي أن يكون لديها باختصار مشروع تحديثي مغاير لما هو سائد، بما يستوجب دعوتها لإجراء تعديل أو تغيير في الدستور، يتعامل مع القضايا والتحديات الداخلية والخارجية بفكر ومنهج مختلف. ولكن إذا كان هذا الشرط أو ذاك غائباً فستظل تلك الدعوة ضعيفة المصداقية، قد تعود بنا إلى الخلف ولا تدفع إلى الأمام". إن هذه الفقرة تنطوي على تعقيد لفظي ومعنوي، أشك أن أساطين الحزب الوطني يمكن أن يستوعبوها. ولكن بقدر فهمي لها فهي تريد من كل من يطلب تعديل مادة هنا أو هناك، أن يقدم أطروحة فلسفية على غرار نظريات العقد الاجتماعي التي قدمها توماس هوبز، أو جون لوك، أو جان جاك روسو، منذ ثلاثة أو أربعة قرون، وإلا فإن دعوته لتعديل الدستور "يمكن أن تعود بنا إلى الخلف ولا تدفع إلى الأمام". هكذا تستخف الكاتبة بعقول القراء، وتصور مسألة تعديل الدستور فيما يختص رئيس الجمهورية، كما لو كانت نهاية العالم. حقيقة الأمر أن جبهة أحزاب المعارضة التي تضم أربعة عشر حزباً، لديها وثيقة ضافية للإصلاح الشامل. وهي لا تدعو إلى تغيير فقرة أو مادة واحدة في الدستور، ولكن إلى تعديل 15 مادة على الأقل، أهمها المادة رقم 76، الخاصة بطريقة الترشيح، والمادة 77، الخاصة بمدة الرئاسة، أو إمكانية تجديدها لأكثر من مرة. وكذلك المواد الخاصة بمحاسبة رئيس الجمهورية(85)، والمواد من 137 إلى 152 الخاصة بسلطات رئيس الجمهورية.
إن د. هالة مصطفى شأنها شأن السيد/ صفوت الشريف أمين الحزب الوطني، والسيد/ جمال مبارك، رئيس لجنة السياسات، يقررون بداية أن تعديل الدستور ليس مطروحاً على الأجندة" لأنهم أصلاً لا يريدون للإصلاح أن يكون شاملاً أو عميقاً. ثم هم يبحثون بعد ذلك عن أسباب وجيهة لهذا الموقف. إن أي إصلاحات جزئية، دون تعديل مواد الدستور الخاصة برئيس الجمهورية، ستكون ذرا للتراب في العيون، ولن تُخرج مصر المجتمع من إحساسه باليأس والضيق، ولن تنتشل مصر الدولة من مستنقع الاستبدادية أو الفساد والخراب.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية