مقالات
د. سعد الدين
إبراهيم
الإسلاميون
العرب في حرب
ضد العالم
6/9/2004
في أسبوع واحد (هذا الخريف 30/8 – 5/9/2004) ادعى إسلاميون عرب مسئوليتهم عن ذبح
اثنى عشر مواطناً نيبالياً في العراق، وتفجير طائرتي ركاب روسيتين، مما أدى إلى
مقتل كل ركابها الذين تجاوزوا المائة، وأخيراً احتجاز رهائن من الأطفال، وأولياء
أمورهم في مدرسة ابتدائية في اليوم الأول للدراسة في بلدة بيسلان، بولاية أوستيا
الروسية.
وأدت محاولة إنقاذ الرهائن إلى مقتل أكثر من ثلثمائة من الأطفال وذويهم ومن
الإرهابيين ورجال الأمن الروسي. وكان بين هؤلاء الإرهابيين القتلى طبقاً لما رددته
وكالات الأنباء عشرة من جنسيات عربية. وهذا المشهد القبيح، بكل تفصيلاته، يؤكد في
أذهان العالم ترابطاً سببياً بين الإسلام والعروبة والإرهاب. والواقع أنه منذ
االتفجيرات الدموية المروعة في سبتمبر 2001، والإسلاميون العرب يواصلون ترويع
العالم بأحداث إرهابية مشابهة. طالت إلى الآن بشراً مدنيين مسالمين في أربع قارات.
كما طالت مسلمين وغير مسلمين، وعرباً وغير عرب. وبهذا المعنى فإن الأمر يبدو كما لو
كان حرباً كونية طرفاها "الإسلاميون العرب" من ناحية، وبقية العالم من ناحية ثانية.
وقد تعمدنا في عنوان هذا المقال أن نستخدم الكلمات بدقة. "فالإسلاميون"، هم قلة من
المسلمين، لا يتجاوزون عدة آلاف، ويستخدمون الإسلام لأغراض سياسية. أي أنهم لا
يمثلون غالبية المسلمين، الذي يبلغ عددهم 1200 مليون، لا في بلدانهم الأصلية، ولا
في العالم الإسلامي، الذي يمتد من أندونيسيا إلى المغرب. وهذه القلة القليلة من
الإسلاميين، ينحدرون من أصول عربية ـ سعودية ومصرية وأردنية ويمنية، ومغاربية.
وربما هناك أسلاميون آخرون شاركوا في هذه العلمليات الإرهابية من بلدان غير عربية.
ولكن الظاهر إلى الآن هو أن الأغلبية التي تدبر وتخطط وتنفذ هذه العمليات هم من
العرب . وهم لا يمثلون أغلب العرب (300 مليون)، ولكنهم قلة قليلة من العرب. وهكذا
نحن بصدد قلة من الإسلاميين العرب، الذين ارتبط معظمهم حقيقة أو مجازاً بتنظيم
القاعدة الذي أنشأه السعودي أسامة بن لادن، والمصري أيمن الظواهري. أحدهما هو
الممول الرئيسي، والثاني هو المخطط الرئيسي لهذه العمليات الإرهابية.
يستطيع الإسلاميون العرب، أن ينشروا الرعب في بقاع كثيرة من العالم. وهم فعلاً
قاموا بذلك، لا فقط في نيويورك وواشنطن، رمزا القوة العسكرية والاقتصادية
الأمريكية، يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولكنهم قاموا بذلك هذا ذلك التاريخ
الفاصل، في عدد من المشاهد الدرامية، التي استحوذت على اهتمام وغضب العالم. من ذلك
ما كانوا قد فعلوه بتفجير سفارتي أمريكا في نيروبي (كينيا) ودار السلام (تنزانيا )،
وتفجير المدمرة الأمريكية كول، قبالة الشواطئ اليمنية في البحر الأحمر. وكذلك نجحوا
في إشاعة الرعب بعد 11/9/2001 في عدد من المدن الأسيوية ـ مثل منتجع بالي في
أندونيسيا، الذي راح ضحيته مئات من السياح الاستراليين والأوربيين واليابانيين، وفي
مدن أفريقية مثلما فعلوا بتفجير أحد الفنادق الكبرى في الدار البيضاء، وأخيراً في
عاصمة أوربية، وهي تفجير قطار للركاب في مدريد في الحادي عشر من مارس 2004. ثم كما
رأينا في هذا الأسبوع الأول من سبتمبر 2004 في العراق وروسيا، كما لو كانوا يحتفلون
بالذكرى الثالثة لتفجيرات نيويورك وواشنطن. ونحن لا نستبعد أن يستمر الإسلاميون
العرب سيستمرون في تنفيذ عمليات إرهابية مشابهة في أماكن أخرى من العالم، كلما
استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
وسيفعل الإسلاميون العرب ذلك بالتحالف مع التعساء والبؤساء، من أصحاب أي قضية عادلة
في أي بقعة من العالم، كما رأيناهم يفعلون بالتحالف مع أبناء الشيشان الذين لهم
قضية عادلة، ضد الاتحاد الروسي، الذي لا يريدون أن يكونوا جزءاً منه. وربما دمروا
قطار مدريد بالتعاون مع ثوار الباسك (أيتا) الذين يريدون الانفصال عن أسبانيا. ولكن
إلى أين ستؤدي هذه الأعمال الدرامية التي تهز العالم، وتحصد مئات أو آلاف الأرواح
من الضحايا المدنيين؟
في يقيني أنها ستنتهي إلى طريق مسدود. فالإرهاب لم يحرر شعباً طوال التاريخ،
وتحديداً في العصور الحديثة. حتى الحركات الوطنية التي لجأت إلى الكفاح المسلح، كان
انتصارها في نهاية المطاف رهناً بوضوح الهدف ونزاهة الوسيلة. حتى في الحالات
القليلة جداً، أثناء حركات التحرير الوطني، سواء في الجزائر أو فيتنام، حينما كان
المناضلون يلجأون إلى ما يبدو أنه إرهاب، فقد كان ذلك أساساً رداً على عمليات
إرهابية قامت بها قوات الاحتلال أولاً. وفي كل الأحوال كانت مثل هذه العمليات تتم
في أرض المعركة، أي أرض الوطن الذي يحارب من أجل الاستقلال، وليس خارج الحدود.
ربما يكون للإسلاميين العرب قضية أو قضايا عادلة، وحسابات تاريخية يريدون تسويتها
مع الغرب. ولكن الذي سيؤدي إلى هزيمتهم هو أسلوبهم الإرهابي، الذي يرعب ولكنه لا
ينجز، ويخيف ولكنه لا يحرر شبراً واحداً من أرض مغتصبة، ولم ولن يعيد حقاً واحداً
مهدراً للعرب والمسلمين. وهذا ما ينبغي أن ينتبه له من يطربون منا أحياناً ـ نحن
العرب والمسلمين ـ لكل عملية إرهابية أو انتحارية ضد الأعداء أو الخصوم، وتحصد
مدنيين مسالمين. ولا ينبغي أن نستمع إلى الفتاوى الجهولة لبعض من يدعون العلم بأمور
الدين، يبررون بها مثل هذه العمليات الإرهابية. إن طريق الإرهاب طريق مسدود. مثلة
مثل الطرق الفاشية والاستبدادية والشمولية. فالتاريخ المعاصر، في المائتي سنة
الأخيرة، يثبت أنه مهما كانت الانتصارات أو الفرقعات المبكرة لأصحاب هذه الوسائل،
فإنهم في النهاية يندحورن وينهزمون.
حتى في تجاربنا العربية النضالية خلال المائة سنة الأخيرة، كانت إنجازاتنا القليلة،
نتيجة كفاح جهادي، واضح في أهدافه، وشريف في وسائله. فالمجاهدون الجزائريون، على
امتداد ثماني سنوات، ومليون شهيد، لم تبرح عملياتهم القتالية أرض الجزائر. وكان
بوسعهم ترويع فرنسا والفرنسيين في أوربا، حيث كان هناك عشرات الآلاف من الجزائريين
المقيمين في فرنسا والمتعاطفين مع الثورة الجزائرية. كذلك كان الإنجاز النبيل
لمقاتلي حزب الله في جنوب لبنان، محكوماً بالأرض اللبنانية المحتلة أو عبر منطقة
الحدود الإسرائيلية ـ اللبنانية، التي يتم فيها حشد دوريات العدو وإرسالها لترويع
اللبنانيين أو اغتصاب أرضهم. وكانت عمليات المقاومة اللبنانية كلها موجهة ضد أهداف
عسكرية. هذا رغم أنه كان من السهل استصدار الفتاوى الدينية، بأن كل إسرائيلي هو أو
هي جندي محتمل في المستقبل. كذلك كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1988-1992) هي
التي استحوذت على إعجاب وتعاطف العالم، وأثمرت اتفاقية أوسلو، التي مهما كان
الاختلاف حولها، إلا أنها هي التي مكنت قيادات منظمة التحرير من العودة إلى أرض
فلسطين، بعد خمس وأربعين سنة من التيه والتخبط. وهو ما لم تنجزه الانتفاضة الثانية
(2000-2004) بكل عملياتها "الانتحارية"، التي سميناها نحن العرب "استشهادية"، بينما
سماها واعتبرها بقية العالم عمليات "إرهابية"، فهذه الأخيرة لم تحرر شبراً واحداً
من أرض فلسطين. بل إنها أعطت الفرصة لليمين الإسرائيلي المتشدد، بقيادة شارون إلى
إعادة احتلال ما كانت الانتفاضة الأولى قد حررته. هذا فضلاً عن فقدان معظم التعاطف
والإعجاب اللذان كان أطفال الحجارة في الانتفاضة الأولى قد حققوه.
إن الإسلاميين العرب، بوسائلهم وعملياتهم الإرهابية غير الشريفة، من اختطاف أو
تفجير، يصيب أو يدمر أو يقتل مدنيين مسالمين سواء من أمريكا أو روسيا أو نيبال أو
أسبانيا أو المغرب أو أندونيسيا ـ هم في الواقع يسيئون إلى العروبة والإسلام،
ويستعدون الرأي العام في العالم كله لا فقط ضد قضيتهم، أيا كانت، ولكن أيضاً ضد كل
العرب وكل المسلمين. إن الوسائل غير الشريفة لا يمكن أن تحقق أهدافاً شريفة. لقد
أعلن الإسلاميون العرب الحرب ضد العالم، وضد التاريخ. ولا يمكن أن ينتصروا في تلك
الحرب مهما كانت نزعاتهم الانتحارية أو الاستشهادية. فعاجلاً سينتصر العالم، وآجلاً
سينتصر التاريخ. والله أعلم.