مقالات
د. سعد الدين
إبراهيم
لا للكهنوت في الإسلام
ولا عودة للتخوين أو التكفير
8/9/2004
أتابع باهتمام الصحافة المصرية الجديدة، والتي تعتبر "نهضة مصر"، باكورتها ورائدتها،
بعد أن عانى جيلان من أبناء هذا الوطن من صحافة الصوت الواحد، والقلم الواحد،
والرأي الواحد. وأحيي بشكل خاص مبادرتكم في فتح وإدارة الحوارات المثيرة حول
القضايا الحيوية، بلا غوغائية أو إسفاف.
وقد سعدت بالحوار مع المفكر الإسلامي الكبير جمال البنا، والذي صادر مجمع البحوث
الإسلامية، أحد كتبه الأربعين، وهو كتاب "مسئولية فشل الدولة الإسلامية في العصر
الحديث"، والذي كان قد تم نشرة قبل عشر سنوات. وقد رد الاستاذ جمال البنا على
الأسئلة الجريئة التي أمطره بها الصحفيان وحيد رأفت ونبيل مدكور، وكان سلساً وجريئاً،
في شرح وتفسير وتبرير اجتهاداته، والتي جاءت في معظمها للتعامل مع مستجدات العصر،
وتغيير أحوال المسلمين. ومن ذلك الظاهرة الجديدة والفريدة في التاريخ الإسلامي على
امتداد أربعة عشر قرناً، وهي الهجرة المتزايدة للمسلمين إلى بلاد ذات أغلبيات غير
مسلمة، في أوربا والأمريكتين، واستراليا، والذين وصلت أعدادهم إلى ما بين عشرين
وثلاثين مليون مسلم ومسلمة. وما لم يجتهد المفكرون المسلمون في تطوير واستنباط
أحكام جديدة تساعد اخوانهم واخواتهم في ديار الهجرة على التكيف مع ظروف المجتمعات
المضيفة، فإن واحداً من ثلاثة احتمالات لا بد أن يحدث:
الأول، هو الانصراف عن الإسلام تدريجياً، وخاصة مع الجيلين الثاني والثالث
المولودين في تلك الديار. وتبني أسلوب الحياة الغربي والذوبان الكامل في مجتمعات
المهجر، والفقد النهائي للهوية.
الثاني، هو الوقوع في نفس حلبة التزمت العقيدي والسلوكي، ومعاداة المجتمع الذي
يعيشون فيه بالمهجر، ويبادله ذلك المجتمع عداء بعداء، وهو ما يعطي فرصاً للتجنيد في
تنظيمات متطرفة، وخاصة الشباب منهم. وهو ما رأينا أمثلة مزعجة وقبيحة له في أحداث
سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة.
الثالث، هو الاكتئاب والضياع، والشعور بالتهميش وبالدونية، ومحاولة النجاة، ولو
بالعودة إلى أوطانهم الأصلية، حيث يجدون أنواعاً أخرى من العذاب، الذي تخلقه سنوات
الاستبداد، والفساد، والخراب. فلا فرص للعمل، ولا المشاركة السياسية، ولا للحريات
العامة الأخرى.
والمجتهد الكبير جمال البنا، مما قرأته له ومن متابعة حواراته المطولة في "نهضة مصر"،
وفي عموده الأسبوعي يحاول أن يكسر هذه الحلقة الجهنمية البشعة. فإن أصاب فله أجران،
وإن لم يصب فله أجر واحد، وهذا أضعف الإيمان.
وحسناً فعلت "نهضة مصر" بإفساح صفحاتها لعدد من علماء الأزهر لمساجلة جمال البنا،
فيما طرحه من اجتهادات، وتجديدات في تأويل النصوص، حتى تعطي المسلمين الذين يريدون
المحافظة على إسلامهم، متسعاً من حرية الحركة للتوائم والتوافق مع مجتمعاتهم
الجديدة في المهجر.
ولكن الذي أزعجني، هو ما قرأته في جولة الحوار، التي نشرت في صحيفتكم بتاريخ
الأربعاء 1/9/2004، والتي تضمنت ست وجهات نظر أخرى حول اجتهادات جمال البنا، أربع
منها مخالفة لتلك الاجتهادات واثنتان مؤيدتان. والقاعدة هي أن الخلاف لا ينبغي أن
يفسد للود قضية!.
لقد أيدت د.آمنة نصير، عميد كلية الدراسات الإسلامية الأسبق، اجتهادات الاستاذ
البنا، حيث اعتبرتها "تثري الحياة الفكرية وتظهر سماحة الإسلام" وأخذت على مشايخ
الأزهر أنهم نادراً ما يواجهون الرأي بالرأي، ولكنهم يتمترسون حول فتاوى واجتهادات
السلف الصالح، الذي ربما كان صالحاً في زمانه منذ عشرة قرون. ولكن السلف وكذلك
مشايخ الخلف ليسوا معصومين من الخطأ. ومشايخ الحاضر، طبقاً لما ذهبت إليه د. آمنة
نصير، يتسترون وراء مقولة "ما هو معلوم من الدين بالضرورة" حتى يضفوا على آرائهم "قدسية"،
وهي ترفض تقديس آراء المشايخ، لمجرد أنهم مشايخ، يرددون عبارة "ما هو معلوم
بالضرورة" لإبقاء أبواب الاجتهاد موصدة.
كذلك يتفق د. جمال قطب، رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر الشريف مع اجتهادات
الاستاذ البنا فيما يتعلق "بزواج المتعة"، ويقول أنه كان موجوداً في الإسلام، وما
زال موجوداً عند المسلمين الشيعة، وهو ليس بدعة، ولكنه رخصة شرعية. من حق الحاكم،
ممثلاً في المؤسسات التشريعية في بلده أن يُقره.
أما الذي ساءني فعلاً، فهو أن هذا السجال الذي حرك المياه الراكدة في الفكر الديني
الإسلامي شابته عبارات وردت على لسان أربعة من المشايخ. من ذلك ما جاء منسوباً
للدكتور عبد الصبور شاهين، بأن "إسلام جمال البنا جنسي"... أو "أنه يخدم أعداء
الإسلام".. أو استنكاره أن يجتهد الرجل، فيتساءل مستنكراً "ما الهدف من إثارة تلك
القضايا التي يقحم نفسه بالتدخل فيها دون علم أو معرفة؟ وهل وجهة نظره هذه تخدم
الإسلام أم تسئ للدين الإسلامي الذي أصبح العالم يرفضه بسبب هؤلاء الدخلاء؟ بل
ويذهب د. عبد الصبور شاهين إلى إهانة الاستاذ جمال البنا، كما لو كانت اجتهاداته
هذه نتيجة سعي للبحث عن عمل، فيقول " أوجه نصيحة لجمال البنا إذا كان بدون عمل
فليبحث عن عمل آخر بعيداً عن الإسلام والإساءة إليه والتدخل في الشئون الدينية حتى
يحافظ على تاريخ أخيه الشهيد حسن البنا".
وتنطوي هذه الادعاءات المتعالية، والتي اقتبسنا بعضها حرفياً على ما يشبه الممارسات
الكهنوتية، التي سادت الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى، حيث لم يكن لمسيحي أو
مؤمن آخر غير أساطنه الكنيسة حرية تفسير الكتاب المقدس (الإنجيل) أو الاجتهاد بشأن
أحكامه. وكان ذلك الجمود وراء الفساد الذي استشرى في العالم المسيحي، والذي وصل إلى
درجة المتاجرة، بما سمي "بصكوك الغفران"، التي يحجز بها "المؤمن" مكاناً في الآخرة
أو الجنة، لقاء مبالغ أو مقتنيات دنيوية. وكان هذا الفساد هو الذي أدى إلى ثورة في
داخل الكنيسة الغربية نفسها، قادها مارتن لوثر وجون كالفين، وعُرفت بحركة "الإصلاح
الديني" ولأنها كانت حركة احتجاجية على الكنيسة الكاثوليكية، فقد طور "المحتجون" (البروتستانت)
فقهاً مسيحياً جديداً، هو في الواقع أقرب للمنابع الأولى الصافية للمسيحية، والتي
لا تختلف في الواقع كثيراً عن المنابع الأولى للإسلام. وجوهرها هو أن "الإيمان" هو
علاقة مباشرة بين الإنسان وربه، ولا يحتاج إلى وساطة إنسان آخر مهما ادعى من علم أو
معرفة. فما معنى أن ينهـر د. عبد الصبور شاهين أي مسلم آخر، وينهاه عن الاجتهاد في
أمور دينه أو دنياه.
ولا يقل إزعاجاً عن دعوة د. عبد الصبور شاهين الكهنونية، إلا اتهامات د. عبد المعطي
بيومي للأستاذ البنا "بالخيانة" فيقول العميد السابق لكلية أصول الدين "أن جمال
البنا يحاول التفرقة بين المسلمين، ولأنه من المحتمل أن يكون مدفوعاً من دولة
أجنبية لإشاعة الفرقة بين المسلمين وهكذا يلحق هذا الأستاذ الأزهري بطابور الحكام
العرب المستبدين، الذين يتهمون كل داعية للإصلاح أو التجديد في أنظمتنا الاجتماعية
بأنه خائن أو عميل لقوى أجنبية. فإذا كان الحكام يقاومون التغيير والاجتهاد من أجل
الإصلاح، حفاظاً على كراسيهم وسلطاتهم المطلقة، فما الذي يدفع أمثال د. بيومي إلى
نفس المقاومة، إلا ربما للحفاظ على احتكار تفسير "النصوص المقدسة"، وهو ما كان
يمارسه الكهنة في مصر القديمة، والكرادلة والبابوات في الكنيسة الكاثوليكية. وكأن
د. شاهين ود. بيومي يعتبران مثل هذا الاحتكار عملاً لا ينبغي لغيرهما أن يقترب منه،
وإلا فما معنى أنه إذا كان "البنا بلا عمل، فليبحث عن عمل آخر بعيداً عن الإسلام"
وبدى الشيخ فرحات سعيد، مستشار شيخ الأزهر السابق، كما لو كان أكثر رفقاً بالأستاذ
البنا، فاكتفى بتوجيه النصيحة، ودعى للأستاذ البنا بالتقوى ولكن يبدو أنه مثل بقية
المشايخ عز عليه التهاون في الاحتكار الكهنوتي لتفسير النصوص المقدسة، فتساءل
مستنكراً "لماذا تركوا له الحبل على الغارب حتى تحول إلى مفتي ومفسراً للعلوم
الشرعية. ولذلك يجب أن تكون هناك قوانين رادعة لكل من يتجرأ على الدين الإسلامي. أي
أن هذا الشيخ يريد الاستعانة بالدولة لسن مزيد من القوانين المقيدة للحريات، وكأن
ما لدينا منها لا يكفيه. ثم من الذي يقرر إذا كان المجتهد قد تجرأ على الدين
الإسلامي"؟
إن سمعة مصر لم تبرأ بعد ممن فعلوا ما يدعو إليه الشيخ فرحات سعيد، منذ عشر سنوات
مع د. نصر حامد أبو زيد، الذي أفتى أمثاله بأنه "مرتد"، وقضوا بفصله عن زوجته، من
خلال قانون متخلف هو قانون "الحسبة"، لمجرد أن الرجل اجتهد في التاريخ والتأويل
للنصوص القرآنية.
وأخيراً، فإن رابعة الأثافي أتت على لسان أزهري آخر هو د. محسن سليم أستاذ التاريخ
الإسلامي، الذي خلط بين الدولة الإسلامية والإسلام. فهو يقر "بحق مجمع البحوث
الإسلامية في مصادرة كتاب جمال البنا مسئولية فشل الدولة الإسلامية، لأن عنوانه يسئ
فيه إساءة للإسلام والمسلمين. فهو حين يقول فشل الدولة الإسلامية يدعونا للتساؤل
عمن يكون هذا الذي يحكم على فشل الإسلام أو ما يختص به، والذي حفظه الله أكثر من
ألف عام...".
إن هذا الشيخ لم يقرأ كتاب الأستاذ البنا، وإلا ما ارتكب هذه السقطة بالخلط بين
الإسلام والدولة الإسلامية. فهذا الكتاب بالذات من الكتب العديدة للأستاذ البنا، لا
يناقش "الإسلام" كدين، وعقائد وفضائل ومكارم أخلاق وأحكام، ولكن يناقش "الدولة" أو
"السلطة" التي أضفت على نفسها الصفة الإسلامية، لا في عهد الخلافة الراشدة ولكن في
العصر الحديث، مثل طالبان وإيران والسودان والسعودية. فإذا كان لدى د. محسن سليم شك
في فشل هذه الدول وغيرها من الدول الإسلامية المعاصرة، فما عليه إلا الإطلاع على
تقارير الأمم المتحدة التي تصدر سنوياً منذ عام 1990، وتحمل عنوان "التنمية
الإنسانية" والتي تقيم آداء دول العالم الـ 180، ومنها الدول الإسلامية، على عدد من
المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. ولا تظهر أي من الدول التي
تدعي أن نظام حكمها إسلامي، إلا بعد السبعين الأوائل. فقد كانت السعودية رقم 73 في
الترتيب عام 2003، وكانت إيران رقم 106، والسودان رقم 138 في الترتيب. أما
أفغانستان فقد كانت خارج القائمة هي ودول أخرى لم تتوفر عنها معلومات كافية. فإذا
لم يكن هذا هو الفشل بعينه للدولة الإسلامية في العصر الحديث فماذا يعني الفشل
بالنسبة لشيخنا؟