مقالات د. سعد الدين إبراهيم

أيمن نور ... وجمهورية الخوف


بعد حكم البراءة الذي صدر من محكمة النقض، في حقي وزملائي السبعة وعشرين من مركز ابن خلدون (18/3/2003)، انهالت علينا التهاني، وهو شيء محمود. ولكني تأثرت بشكل خاص باعتراف علني من أحد كبار رجال الأعمال، الذي لمحني في حفل استقبال بالسفارة السويدية بعد أيام معدودات من حكم محكمة النقض. لقد صاح الرجل بأعلى صوته: يا دكتور سعد، أنا أعتذر لك ولزملائك الخلدونيين عن صمتي طوال ثلاث سنوات ... وحقيقة الأمر أنني جبان... كنت أخاف على شركتي ومن يعملون بها، وكنت أخاف على زوجتي وابنتي الوحيدة، من الانتقام السداسي، "الذي يمارسه النظام على رجال الأعمال الذين لا يرضى عنهم...". وكرر الرجل وصف نفسه "بالجبان"، لدرجة أشفقت معها عليه، مؤكداً له أنني لم أنتظر، ولم أتوقع تضامناً من رجال الأعمال معي أنا وزملائي. فاجأني برفض الإشفاق وتطييب الخاطر من جانبي، بالإمعان في نقد ذاته على اعتبار أنه يعتبر نفسه "مثقفاً" بقدر ما هو رجل أعمال، ولذلك يشعر بالعار والخزيان. ومع هذا الحد من الحوار العلني، كان الجمع من حولنا قد "تكاثر"، لدرجة شعرت معها لا فقط بالإشفاق على رجل الأعمال "المثقف"، ولكن بالحرج أيضاً للسفير المضيف، الذي تحول حفل استقباله إلى هذا الحوار العلني مع شخص يصر على جلد الذات علناً للتكفير عن جبنه.
تذكرت هذه الواقعة، حينما لمست صمتاً مريباً من عدد كبير من الساسة والمثقفين، أثناء محاكمة د. أيمن نور، في القضية التي لفقها له النظام الحاكم، عقاباً وتأديباً له على تحدي آل مبارك، وعلى محاولة إفساد مسلسل تمديد الرئاسة للأب، وتوريثها للابن. وقد عقدت الصحافة المصرية والعربية والعالمية ـ من المصري اليوم، إلى الحياة والشرق الأوسط، إلى الواشنطون بوست والنيويورك تايمز ـ مقارنات في محلها تماماً بين قضية أيمن نور وحزب الغد من ناحية وقضية سعد الدين إبراهيم ومركز ابن خلدون من ناحية أخرى. وقد أغراهم بهذه المقارنة الأسباب الحقيقية للقضيتين، والتي هي سياسية من الألف إلى الياء، وكلها تدور حول مخطط آل مبارك لتوارث حكم مصر المحروسة. كذلك أغرى بالمقارنة أن نفس زبانية النظام بأشخاصهم ـ من مباحث أمن النظام، إلى نيابة أمن النظام، إلى نفس محكمة النظام برئيسها وعضويها، هم الذين تولوا التأليف، والإخراج، والإنتاج لنفس الفيلمين الرديئين.
لقد صدّق كثير من الناس في البداية وقائع فيلم قضية ابن خلدون، التي زيّفتها أجهزة النظام، إلى أن فضحتها في النهاية أعلى محاكم الديار المصرية، وأكثرها نزاهة واستقلالية وهي محكمة النقض. ولكن الذين صدقوا وقائع فيلم أيمن نور، وأن وجدوا، فقد كانوا أقل عدداً بكثير. وذلك لأسباب عديدة، لعل أهمها أربعة. الأول هو بؤس خيال النظام وأجهزته وزبانيته. فهم لم يكلفوا خاطرهم لقدح أذهانهم وتجديد سيناريو وتوقيت فيلم أيمن نور، بعد خمس سنوات من فيلم سعد الدين إبراهيم. فمن حيث التوقيت تزامن كل منهما مع مسلسل الانتخابات. ومن حيث السيناريو، دارت الوقائع كلها حول تزييف أوراق هنا أو بطاقات انتخابية هناك، وتوقيعات مزورة هنا أو هناك، وعلى إيماءات وإيحاءات بعلاقة مشبوهة مع الخارج هنا أو هناك (في الفيلم الأول مع الاتحاد الأوربي، وفي الفيلم الثاني مع الولايات المتحدة). ولأن السيناريو يكاد يكون نسخة كربونية، بعد خمس سنوات، فقد جاءت نسخة فيلم أيمن نور باهتة استعصت قراءتها في المرة الثانية على الناس. وحتى من استطاع فك رموزها فقد تبين لهم تزويرها ـ مثلها مثل العملة المزيفة تماماً.
أما السبب الثاني لتناقص عدد من صدقوا وقائع فيلم أيمن نور، مقارنة بفيلم ابن خلدون (سعد الدين إبراهيم)، فهو أن مصداقية نظام آل مبارك كانت قد تآكلت كثيراً، خلال السنوات الخمس التي فصلت بين عرض الفيلمين. فقد أتضح لمزيد من أهل مصر المحروسة استبداد النظام الحاكم، وفساده، وما جلبه هذا الاستبداد وذاك الفساد من خراب مادي وأخلاقي. ومن هذه النقطة تحديداً أصبح من يضطهدهم آل مبارك، ويشنون حملات التشويه والكراهية عليهم محل تعاطف شعبي تلقائي. فلا يمكن للخيال الشعبي أن يتعاطف مع الجلاد ضد الضحية. إذ كيف يحدث ذلك خصوصاً إذا كان الجلاد مستبداً، مفسداً، مخرباً؟
السبب الثالث لتناقص عدد من صدقوا فيلم الحكومة ضد أيمن نور، هو توفر قنوات الإعلام البديل. فلم تعد الساحة مقصورة على الوسائل الإعلامية لآل مبارك. فقد تكاثرت وسائل الإعلام البديلة، من فضائيات عربية إلى إذاعات إلى صحف مستقلة، بما في ذلك صحيفة حزب الغد الذي يرأسه أيمن نور. ورغم أن هذا الإعلام البديل ليس في صخب إعلام آل مبارك أو سطوته، إلا أنه قدم رؤية محايدة أو مستقلة ومختلفة عما يردده إعلام آل مبارك.
السبب الرابع لتناقص من صدقوا فيلم الحكومة ضد أيمن نور، هو تزامن القضية مع تزايد الأصوات والحركات الاحتجاجية عام 2005، وتحديها لآل مبارك ولمخططاتهم في توريث الحكم، وفي مقدمتها حركة "كفاية"، التي جمعت الشرفاء من كل الأطياف السياسية ـ من أقصى اليسار الاشتراكي إلى أقصى اليمين الديني ـ وأسهمت حركة كفاية، كما أسهم أيمن نور نفسه، في كسر جدار الخوف الذي شيده آل مبارك خلال ربع قرن من استبدادهم بالسلطة.
لهذه الأسباب الأربعة تناقصت نسبة من صدقوا زبانية مبارك وأبواقهم الإعلامية، عما كان عليه الحال في قضية مركز ابن خلدون وسعد الدين إبراهيم قبل خمس سنوات. وأهم من ذلك تناقص عدد الخائفين والجبناء، مثل صاحبنا، الذي ذكرناه في مطلع هذا المقال، وهو رجل أعمال ومثقف نابه، وكان يرأس أحد الشركات العالمية في مصر، والذي عذبه ضميره بعد حين لصمته عن التضامن مع ضحايا قضية ابن خلدون، الذي كان يدرك أنها ملفقة لأغراض سياسية انتقامية تأديبية. ذكر الرجل عندما استيقظ ضميره، بعد أن كان قد سكت عن الحق طيلة ثلاث سنوات، أنه كان يخاف مما سماه هو "بالهجوم السداسي" لأجهزة آل مبارك. ورغم إشفاقي على الرجل الذي وصف أو وصم نفسه "بالجبان" على رؤوس الأشهاد في حفل دبلوماسي زاخر بعلية القوم، إلا أنني ظللت شغوفاً لعدة أشهر لمعرفة ماذا كان يقصده رجل الأعمال بمصطلح "الهجوم السداسي"، إلى أن التقيت به في مؤتمر بالخارج، اتيحت لنا فيه الفرصة لحديث مستفيض حول المصطلح. قال الرجل أنه حين تتلقى أجهزة آل مبارك الأوامر بالإطباق على عنق أي معارض أو مناوئ للأجهزة نفسها، فإنها تلفق للشخص المستهدف إما قضية بنوك، أو ضرائب، أو تأمينات، أو مخدرات، أو جنس (آداب)، أو تخابر مع جهات خارجية. وكل من هذه يكفي لتشويه السمعة ويذهب بصاحبه إلى السجن لعدة شهور أو سنوات، إلى أن تتضح براءته، بعد محاكمتين أو ثلاث، تكون آخرها أمام محكمة النقض. ولكن حتى مع البراءة تكون سمعة الشخص قد شوهت تماماً. فحملة التشويه تستمر في إعلام آل مبارك لعدة شهور أو سنوات. أما حكم البراءة، فحين يصدر، إذا صدر، فإنه يتم في يوم واحد. وربما يتم أو لا يتم تغطيته إعلامياً مرة واحدة، في يوم واحد، وربما على صفحة داخلية (صفحة الحوادث) التي لا يقرأها كثيرون. وكان رجل الأعمال الجبان، جاهزاً بأسماء الضحايا والقضايا، وما حدث للضحايا وأسرهم، وأعمالهم، من دمار نتيجة هذا الهجوم السداسي. لذلك فقد كان الرجل وكثيرون مثله في حالة رعب دائم أثناء نظر قضية ابن خلدون، خاصة وأنه كان عضواً في مجلس أمناء مركز ابن خلدون. بل إن الرجل كشف لي أنه وآخرين، قاموا بتصفية شركاتهم وأعمالهم في مصر، ونقلوها مع أموالهم إلى الخارج، مكتفين بمكاتب تمثيل لها في مصر. وهذه علاقة سببية أخرى بين الاستبداد والخراب.
إن مسلسل الخوف هذا يذكرنا بكتاب شهير صدر منذ عدة سنوات لأحد المعارضين العراقيين لحكم الطاغية صدام حسين. والكاتب هو د. كنعان مكية. أما الكتاب فعنوانه "جمهورية الخوف". وفيه يحكي الكاتب بالوثائق والأدلة والقرائن على بشاعات نظام صدام حسين طيلة سنوات استبداده الثلاثين، وكيف أنه أشاع أجواء من الفزع والرعب، التي جعلت كل العراقيين (العشرين مليوناً أو يزيد وقت تأليف الكتاب عام 1990) يخافون خوفاً عميقاً. وجعلت من العراق كله "جمهورية الخوف" (Republic of Fear). ربما قتل صدام حسين مئات الآلاف، وعذب عدة آلاف، وشرد أو اقتلع عدة آلاف. ولكن هذا وذاك، والقصص التي صاحبتها جعلت العشرين مليون عراقي جميعاً يرتعدون من خوف دائم، وينتظر كل منهم أن تقع له الواقعة. لهذا كان يصعب، أو يستحيل على أي عراقي أن يتضامن مع أي عراقي آخر، حتى لو كان زميلاً وصديقاً، أو أخاً، أو ابناً، أو أباً، في وجه طغيان صدام حسين. بل وكثيراً ما كان أقرب أقرباء الضحايا يتبرأن من ذويهم، ويقومون بإدانتهم في وسائل إعلام صدام حسين.
ربما لم يصل بعد آل مبارك في مصر إلى نفس ما وصل إليه واقترفه آل صدام حسين في العراق. ولكن الاختلاف هنا هو في الدرجة، وليس في النوع. أما الخوف الذي أشاعه كل منهما بين أبناء شعبه فهو هو نفسه. ولعل هذا فيه بعض العزاء لأيمن نور في محبسه، ولزوجته وأطفاله الحزانى، ولأصدقائه ومحبيه. إنه الخوف الذي يمنع كثيرين عن التعبير عن تضامنهم العلني، ولكن العزاء الأكبر هو أن نهاية الطغاة واحدة دائماً، مهما طال أجلهم واستبدادهم. فالذي حدث لشاوسيسكو في رومانيا، ولصدام حسين في العراق، ولاوجستو بونشيه في شيلي، يمكن أن يحدث لآخر الفراعنة في وادي النيل. فلا تيأسوا يا أل نور، ولا تقنطوا، فإن غداً لناظره قريب.
 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية