الإخوان المسلمون يجندون حسني مبارك!
من ألوان الهلع التي صادفتها في المؤتمر
الدولي الثاني لأقباط المهجر في واشنطن (16-19/11/2005) ذلك التعليق الطريف من أحد
المشاركين، في معرض الحديث عن الأداء الانتخابي الرفيع للإخوان المسلمين في
الانتخابات البرلمانية في الجولة الأولى، والتي توقعت أنا معها أن يصل عدد ممثلي
الإخوان في مجلس الشعب الجديد إلى أكثر من مائة عضو.
كان فحوى تعليق هذا الأخ القبطي المهاجر
هو "أن حسني مبارك جنّده، الإخوان المسلمون منذ سنوات ضمن خلاياهم النائمة، والتي
يتم إيقاظ وتفعيل كل منها في اللحظة المناسبة والمكان المناسب، وهذا ما يفسر القفزة
النوعية والكمية في أداء الإخوان هذا العام. وأن الإخوان بدورهم انتخبوه لفترة
رئاسية خامسة تنتهي عام 2011، وأن بقية الخطة هو أن يعقد انتخابات برلمانية عام
2010، أي قبل انتهاء رئاسة مبارك الخامسة بعام كامل. وفي تلك الانتخابات سيقفز
تمثيل الإخوان من ربع أعضاء مجلس الشعب إلى ثلاثة أرباع، وهو ما سيتيح للإخوان
تحويل مصر إلى دولة إسلامية بالكامل، مثلها في ذلك مثل إيران الخومينية والمملكة
العربية السعودية، ويكون المقابل هو دعم ترشيح وانتخاب جمال مبارك رئيساً لجمهورية
مصر الإسلامية.
توقعت أن تنفجر قاعة المؤتمر بالضحك بعد
انتهاء الأخ القبطي من تعليقه العجيب. ولكن لدهشتي لم يضحك أحد... بل نمت وجوه
المائتي مشارك في القاعة على أنهم يأخذون كلام زميلهم مأخذ الجد. وكان عليّ أن أعلق
على تأكيد الزميل المهاجر. فقلت له ما يأتي:
1ـ لا أستطيع الجزم بمسألة تجنيد حسني مبارك في أحد
الخلايا النائمة أو الكامنة للإخوان. ولكني أجزم أنه لو كان قد تم تجنيده، فإن ذلك
لا بد أن يكون قد تم بعد عام 1987. ففي نهاية ذلك العام، وكان قد أعيد انتخابه
لفترة رئاسية ثانية، حدث أن أدليت بتصريح صحفي لمجلة "المجلة" اللندنية دعوت فيه
إلى إضفاء الشرعية القانونية على جماعة الإخوان المسلمين حتى يعملوا في وضح النهار،
وعلى مرأى ومسمع من الشعب المصري قاطبة، خاصة وأنهم بالفعل قوة فعلية على أرض
الواقع ولهم شرعية شعبية. وقد أغضب التصريح حسني مبارك وقتها غضباً شديداً، وعاتبني
بشأنه عتاباً مستفيض في حينه، ثم عدة مرات بعد ذلك كلما التقيته في مناسبة عامة
(مثل معرض القاهرة الدولي للكتاب) أو في مناسبة خاصة (مثل لقاءات العمل مع السيدة
قرينته). وكان واضحاً لي بما لا يقبل أي شك أن سيرة الإخوان أو أي جماعة على
شاكلتهم تصيب الرجل بعصبية شديدة، تفقده القدرة على أي حوار عقلاني.
2ـ إنني مع ذلك مستعد لفحص ومناقشة أي أدلة أو قرائن
في حوزة الزميل القبطي المهاجر، قبل أن نجاهر بهذا التأكيد أو الادعاء به علناً على
رؤوس الأشهاد.
3ـ انه لو صح ما يقوله الزميل المهاجر لانهارت أهم
استراتيجيات مبارك، وهي استخدام الإخوان والإسلاميين عموماً كفزاعات للأمريكان
والأوربيين لإقناعهم بتأييد بقائه في السلطة ودعم نظامه بالمساعدات الاقتصادية، حيث
أن البديل لنظامه هو "الطوفان" الديني ـ الإسلامي. اللهم إلا إذا كان الزميل
المهاجر يعتقد أن مبارك ممثل بارع يخفي "إخوانيته" تحت قناع سميك، يبدو به أنه
عدوهم اللدود، بينما هو منهم وهم منه!
لم المح على وجوه المشاركين ما يوحي
بأنهم مقتنعون بتفنيدي لنظرية "إخوانية حسني مبارك" فتذكرت ما كنت أردده منذ سنوات،
وإن كان في سياق آخر، يندرج تحت التحليل الاجتماعي ـ السياسي للمشهد المصري في
النصف قرن الماضي.
قلت للمشاركين في المؤتمر الدولي الثاني
لأقباط المهجر، إذا كنتم ترغبون في تحميل حسني مبارك مسئولية صعود الإخوان المسلمين
سياسياً، فإن لدي تفسير آخر، يختلف عن نظرية المؤامرة والخلايا النائمة، فهل تريدون
الاستماع إلى هذا التفسير المغاير؟ فردت القاعة بكلمتي "نعم" و "yes"
طلبت أن أسمع استجابتهم بصوت أعلى، فرددوا بصوت جماعي "نعم، نعم" ، "yes,
yes". كان المقصود بهذا التكتيك الاتصالي هو التهيئة
القصوى للمستمعين في قاعة المؤتمر. وهاكم ملخص ما قدمته من تفسير مغاير لنظرية
المؤامرة:
1ـ استغل نظام حسني مبارك حالة الطوارئ، لا فيما من
أجله فُرضت تلك الحالة بقوانينها المقيدة للحريات، لملاحقة وحصار والقضاء على
الإرهاب، ولكن لملاحقة وحصار وإضعاف المجتمع المدني، الذي يشمل الأحزاب السياسية
والنقابات العمالية والمهنية والاتحادات الطلابية والجمعيات التطوعية والمنظمات غير
الحكومية الأخرى. فلم يسمح لتكوينات هذا المجتمع المدني أن تنشط أو تتحرك خارج
مقراتها: فلا مؤتمرات جماهيرية في الساحات العامة، ولا مسيرات ولا مظاهرات في شوارع
المدن الكبرى. ومن المعلوم أنه بغير مثل هذا النشاط الخارجي، فإن تكوينات المجتمع
المدني تضعف وتذبل، وتفقد صلتها بجماهيرها.
2ـ صحيح أن بعض القيود التي سرت على منظمات المجتمع
المدني المذكورة أعلاه، سرت أيضاً على الإخوان المسلمين، بل حتى كثيراً ما تعرضت
كوادرهم لما هو أكثر من الملاحقة والحصار، فشملت القبض والاعتقال والحبس والسجن.
ولكن ظلت لهم وللإسلاميين عموماً ميزة نسبية بالمقارنة مع باقي منظمات المجتمع
المدني المصري. هذه الميزة النسبية هي استمرار التواصل الأسبوعي للإخوان مع
جماهيرهم الفعلية أو المرشحة لمناصرتهم من خلال صلاة الجمعة وخطبتها فيما يزيد على
مائة ألف مسجد. هذا فضلاً عن إمكانية اللقاءات اليومية في مواقيت الصلوات الخمس.
3ـ وهكذا بعكس ما ألم بمنظمات المجتمع المدني من
إضعاف نتيجة تقييد حركتها بفعل قوانين الطوارئ، لم يستطع مبارك أن يقفل مساجد مصر
المحروسة ليمنع تواصل الإخوان مع جماهيرهم، فقوى عودهم، ولم يكتفوا بالدعوة، وإنما
أرفقوا بها نسقاً متكاملاً من الأنشطة الخدمية والإنتاجية، التي كفلت العمالة
لكوادرهم وإشباع الحاجات الأساسية لفقراء المسلمين. وكان الإخوان في كل هذا يقدمون
نموذجاً بديلاً للدولة نفسها، ولبقية منظمات المجتمع المدني.
4ـ لذلك حينما آنت لحظة استنفار الكوادر وجماهير
المستفيدين والمتطلعين إلى بديل للوجوه القبيحة القديمة التي ناء عليها الزمان
بكلكل، فإنهم لم يجدوا سوى مرشحي الإخوان المسلمين، على الأقل في معظم الدوائر التي
اشتدت فيها المنافسة.
5ـ لم تقتصر رعونة وغباء نظام مبارك على إضعاف
البدائل المدنية طوال ربع قرن، ولكن حتى حينما لاح في الأفق بديل جديد واعد، وهو
حزب الغد، بقيادة شبابية ذات جاذبية جماهيرية، فإن نظام مبارك أبى، وصمم على تدمير
أيمن نور وحزبه، وبذلك حرم المصريين من هذا البديل الثالث لكل من الإخوان ولنظام
مبارك نفسه، والذي يعتقد عدد كبير من المصريين باستبداده وفساده، وبعدم جدوى
إصلاحه. فبات هذا العدد من الناخبين يفضل أي بديل غير الحزب الوطني ورموزه الكريهة.
6ـ دأب نظام مبارك على استخدام أجهزة الدولة الأمنية
لاختراق كل الأحزاب والهيئات المدنية. فإذا كان ثمة خلايا نائمة أو كامنة، فهي تلك
التي جندتها الأجهزة الأمنية، وزرعها في الأحزاب والمنظمات المدنية، لا فقط للتجسس
عليها، ولكن أيضاً لتفجيرها من الداخل وقت اللزوم، لشق صفوفها، واختلاق المنازعات
القانونية والتنظيمية والمالية، حتى ينتهي الأمر فيها بتدخل الدولة وتجميد أنشطتها،
وإحالة أمرها إما إلى لجنة الأحزاب (التي يسيطر عليها الحزب الوطني الحاكم نفسه) أو
إلى القضاء الإداري بمختلف درجاته. وحتى إذا صدرت من هذا الأخير أحكاماً تحسم
الأمور فإن الدولة تتقاعس أو تتواطئ أو ترفض تنفيذ هذه الأحكام. وهذا ما حدث فعلاً
مع أحزاب مثل العمل والأحرار والغد، ومع نقابات مثل المحامين والمهندسين والأطباء،
أكثر من مرة خلال الربع قرن الأخير، أي أثناء حكم حسني مبارك.
7ـ وهكذا، يا أخوتي أقباط المهجر، بدلاً من التهويل
والتحريف، الذي يصل أحياناً إلى مستوى التخريف المضحك، مثل القول أن الإخوان جندوا
حسني مبارك، ضمن "خلاياهم النائمة" أو "الكامنة"، والقول بأن ذلك هو الذي يفسر
"الصعود المفاجئ" لمرشحي الإخوان. بدلاً من هذا الهراء التأمري، علينا أن نفسر
ونفهم الأمور على حقيقتها، كما حدثت خلال ربع قرن من حكم حسني مبارك. فالرجل ليس
إخوانياً، ولم يحاول الإخوان تجنيده. ولكنه بحماقة نظامه، ورعونة حزبه الوطني، وسوء
أداء أجهزته الأمنية، أفرع الفضاء المصري العام من كل البدائل السياسية الفاعلة
والقادرة على المنافسة الحقيقية. أي أن مبارك، دون تجنيد أو عمالة للإخوان، أدى لهم
موضوعياً، ودون قصد، خدمات تاريخية تجل عن الحصر. لقد أجهز على المجتمع المدني
المصري، أو كاد. ومثل كل أنظمة الاستبداد والفساد فإن الذي يدفع الثمن هو الشعب
نفسه. فشاه إيران هو الذي أفرغ الساحة الإيرانية للخومينيين، وصدام حسين هو الذي
أفرغ الساحة العراقية للسستانيين، وحسني مبارك هو الذي يفرغ الساحة المصرية للإخوان
المسلمين. ولا يمكن، ولا ينبغي أن نلوم الإخوان على ملأ هذا الفراغ. فقد جدوا،
واجتهدوا، وجاهدوا، وكابدوا، وعلى مرأى من الجميع، ولم يتضامن معهم أحد من القوى
السياسية الأخرى في محنهم، ولكنهم اكتسبوا تعاطفاً شعبياً، ظهرت نتيجته في انتخابات
2005. ولن يمنع أو يمتنع الإخوان عن المنافسة الشريفة في أي معترك سياسي وفي هذا
فليتنافس المتنافسون. والله أعلم