مقالات د. سعد الدين إبراهيم

الأخوات المسلمات و انتخابات 2005  

رغم كل ما اعتور الانتخابات البرلمانية من عنف وتزوير ، ألا أنها حركت المياة السياسية التى طال ركودها فى مصر المحروسة . وكان من ظواهر هذه الحركة ما أحدثه الاخوان المسلمون من تحديات لنظام حسنى مبارك و لحزبه الوطني الديمقراطي الحاكم ، ولبقية أحزاب المعارضة من أقصى اليمين الى أقصى اليسار . صحيح ان الذين شاركوا فى الانتخابات لم يتجاوزا عشرين بالمائة على المستوى القومي ، وصحيح ان هذه النسبة انخفضت أكثر فى المدن الى أقل من عشرة بالمائة ، بينما تجاوزت الثلاثين فى المائة فى الأرياف . وقد غابت الطبقة الوسطى عن الانتخابات غيابا مريبا ، يهدد التجرية الديمقراطية المصرية ، التى ولدت ولادة قيصرية ، وظهر عليها الكساح منذ البداية. ومن المعروف فى أدبيات العلوم الاجتماعية أن الطبقات الوسطى هى العمود الفقرى لكل الديمقراطيات الواعدة . وبالتالى فإن المشاركة الهزيلة او المعدومة للطبقة الوسطى فى الانتخابات هو فأل سيئ لديموقراطيتنا الوليدة. وهو موضوع فى غاية الخطورة ، ولابد أن نعود اليه فى مقال مستقل فى وقت لاحق.

ولكن فى مقال هذا الأسبوع ، فإننى أريد أن أتناول أحد الظواهر الايجابية فى انتخابات 2005 ، وهى دور السيدات عموما ، ودور النساء المحجبات خصوصا . لقد تجولت ميدانيا فى قرى وحضر محافظة الدقهلية فى المرحلة الثالثة للانتخابات . وفى قرى ميت على ، وشبرا و بدين ، وهى تابعة لدائرة بنى عبيد كان مشهد المدارس التى استخدمت كمراكز اقتراع ، أشبه بأيام الأعياد أو شم النسيم . فقد كان المنظر احتفاليا ، نساء وأطفال وكبار يرتدون ملابس زاهية جديدة ، ربما لقرب المناسبة من عيد الفطر المبارك . وكانت العملية الانتخابية فى هذه القرى الثلاث تمضى بسلاسة وانضباط. وأكد لى القضاة والمستشارون الذين تحدثت اليهم فى عشر لجان بتلك القرى صدق ملاحظتى . وسألت بعضهم عما اذا كانوا فد شاركوا فى الاشراف على انتخابات المرحلتين السابقتين ، وعما اذا كان هناك فروق واختلافات . وذكر منهم من شارك فى محافظة البحيرة وبنى سويف و الجيزة و الغربية ان الأجواء هناك كانت أكثر توترا . لم يكن هناك صفوف أو طوابير خاصة بالرجال و أخرى خاصة بالنساء فى معظم لجان تلك القرى. وكنت - بحكم المهنة كعالم اجتماع – أقوم بإحصاء عدد النساء وعدد الرجال الوافدين على صناديق الانتخاب ، خلال الساعة التى قضيتها فى كل قرية و أثلج صدرى أن الأعداد من الجنسين كانت متقاربة ، أو تميل قليلا لصالح النساء. ولكنى لاحظت أيضا أن معظم هؤلاء النسوة هن من متوسطات العمر – اى فوق الأربعين من أعمارهن وكانت نسبة من هن دون الثلاثين أو فوق الستين محدودة للغاية. وهى ظاهرة تستحق أيضا بعض التفسير. ومبدئيا افترضت ان النساء فى هذا العمر الوسيط (40-60 سنة) قد فرغن من مرحلة الحمل وتربية الأطفال ، وبالتالى أصبحن أكثر حرية وأقل انشغالا بالواجبات المنزلية والتربوية.

أما فى مدينة المنصورة فقد كان المشهد فى عدد من اللجان التى ترددت عليها مختلف تماما : مزيد من التجمهر خارج المدارس أو الساحة الشعبية ، مقار اللجان ، و أجواء متوترة بين الجمهور و قوات الشرطة المسئولة عن حفظ النظام. بالقدر الذى تحدثت فيه مع الناس أو ما سمعته منهم فقط كانت شكاواهم تتمحور حول تنعت الشرطة، ومنعها من دخول المبنى التى توجد فيه اللجان ، إلا لمن معهم بطاقة خضرا ، قيل أنها لأنصار الحزب الوطني. وفى أحد المقرات شهدت بنفسى اشتباكات بعضها بين الناخبين و آخرين قيل أنهم بلطجية ، فقد كانوا يحملون فى أيديهم إما عصا غليظة (شوم) ، او كرابيج ، أو سيوف. وكنت قد قرأت أو رأيت صورا لمثل هؤلاء "البلطجية" فى الجولتين الأولى و الثانية . ولكن اندهشت لرؤيتهم فى الجولة الثالثة ، بعد ما أكد وزير العدل للقضاة أنه ستكون هناك حراسات واجراءات احترازية ضد كل من السلوكيات العدوانية التى سادت فى الجولتين السابقتين . وأغلب الظن أن وزير العدل كان صادقا فيما وعد به. ولكن ما وعد به ، لم يكن هو المسئول عن تنفيذه. فهذه المسئولية تقع على كاهل وزارة أخرى ، غير العدل ، وهى وزارة الداخلية ويبدو أن وزيرها أكد لزميله وزير العدل أنه سيكفل كل ماهو مطلوب لحفظ الأمن والنظام . وهو مالم يحدث ، حيث كنت شاهد عيان فى مدينة المنصورة . ولابد أن وزير العدل يدرك الآن ، وقد انتهت الانتخابات أنه قد غرر به من زميله وزير الداخلية ، ان كان قد وعده فعلا. لقد فقد وزير العدل مصداقيته أمام القضاء ، الذين صدقوه ، ثم تمت اهانتهم والاعتداء عليهم – إما من البلطجية أو من بعض عناصر الشرطة نفسها . ولابد من أن وزير العدل يدرك الآن فى قرار نفسه أن مصر دولة بوليسية ، لا يحكمها القانون ولكن الأجهزة الأمنية والمباحثية.

وضمن مظاهر العنف التى كدت أن أكون أحد ضحاياها ، هو رد الجمهور على ترويع البلطجية بقذفهم بالحجارة و الزجاجات الفارغة، وأحيانا المملوءة بالمياة الغازية . وحتى فى الطابق الثاني ، حيث كانت احدى اللجان طالتنا بعض هذه الحجارة والمقذوفات الزجاجية التى هشمت النوافذ ، واضطررت أنا والقاضى ومساعده الادارى ان نبتعد عن النوافذ لما يقرب من نصف ساعة توقف فيها العمل فى اللجنة ، الى أن استطاع الامن أن يسيطر على الموقف فى الشوارع المحيطة بالمبنى. وعند محاولة الخروج من الباب الخلفى عبر فناء المدرسة فوجئت بمشهد آخر أنسانى ماكدت أتعرض له من اخطار قبل دقائق . كان المشهد هو لسيدات تسلقن سور المدرسة من الخارج ، على سلالم خشبية متحركة ، وينزلن بأصواتهن . وكان معظم هؤلاء السيدات محجبات ، مما يرجح أنهم من مؤيدات وأنصار التيار الاسلامي .

ووقفت أتأمل منظر هؤلاء النسوة المصممات على ممارسة حقوقهن السياسية . وطفت بذاكرتي على الفور مشهد من فيلم شهير عن الثورة الجزائرية ، عنوانه معركة الجزائر(Battle of Algeria  ) حيث غيرت إحدى المناضلات الجزائريات ملابسها – من الزى التقليدي الى الزى الغربي ، وقصت ضفيرتي شعرها – لكى تبدو مثل أى امرأة غربية ، وحتى تتسلل الى أحد الأندية التى تعود الفرنسيون على ارتيادها لتنفيذ أحد العمليات الفدائية ضد جنود الاحتلال . وصور الفيلم كم كان تبديل هذه المرأة الجزائرية لملابسها وشعرها أكثر قسوة وصعوبة على نفسها من تنفيذ العملية العسكرية . أجل بدت أمامى فى ذلك اليوم بمدينة المنصورة هؤلاء الأخوات المسلمات ومن يتسلقن الأسوار بأزيائهن الاسلامية الفضفاضة ، والتى لا تساعد كثيرا على سرعة أو مرونة الحركة، ومع ذلك فهن مصممات على تنفيذ المهمة الانتخابية ، كما لو كانت مهمة عسكرية فدائية ، مثل تلك التى قامت بها جميلة بو حريد قبل خمسين عاما. وفى اليوم التالى سعدت حينما رأيت صور هؤلاء النساء وهن يتسلقن الأسوار على الصفحة الأولى من الهيرالد تريبيون . لقد نجح مندوب هذه الصفحة العالمية أن يأسر المشهد الذى لخص بكثافة منقطعة النظير اصرار نظام مبارك ، رغم كل ادعاءاته ، على حرمان المصريين من ممارسة حقوقهم الانتخابية المشروعة ، وفى المقابل اصرار هؤلاء النسوة ، الأخوات المسلمات ، على انتزاع حقوقهن ولو كره المباركيون.

بعدها بأيام قليلة جاءتنى مراسلة شبكة CNN تسألنى عما سيحدث للمرأة المصرية بعد هذا الصعود السياسي غير المتوقع للإخوان المسلمين ؟ هل سيفقدن حقوقهن السياسية و المهنية و يفرض عليهن البقاء فى المنزل  ؟

فجأة تذكرت ما كنت قد شاهدته فى المنصورة قبل أسبوع و منظر الاخوات المسلمات المتسلقات لأسوار المدارس و المقتحمات للجان الانتخابية . فقلت لمراسلة CNN "لا تقلقى على مستقبل أو حقوق النساء المصريات .. فهن أخوات مسلمات قادرات على حماية هذه الحقوق ، وعلى منازلة أقوى هؤلاء الاخوان الرجال شكيمة و بأسا . حتى لو كان مرشدهم الرياضى السابق مهدى عاكف أو نائبه المتشدد محمد حبيب.

و الله أعلم.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية