مقالات د. سعد الدين إبراهيم

نسخة سهلة الطباعة

ماذا حدث لأحفاد سعد زغلول
أزمة الطبقة الوسطى

في مقالنا الأخير بعنوان "ماذا حدث لحفيدات هدى شعراوى ؟ ( 17 /12/2005) قارنا بين فئتين من النساء المصريات. الفئة الأولى هن النساء المحجبات، اللائي ربما كن أخوات مسلمات، واللاتي صارعن قوات الأمن التى حاولت منعهم من التصويت فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ونجحت معظمهن فى الالتفاف والقفز على الأسوار حتى تمكن من الوصول إلى صناديق الاقتراع. وقد سجلت الصحافة العالمية المشهد الفريد لهؤلاء النساء المتفانيات . وفى مقابل هذه الفئة، طالعت في الصحافة المصرية أصوات فئة أخرى من النساء المصريات، أيضا. ولكنهن عبرن عن خوفهن من آداء الاخوان المسلمين، الذين حققوا انتصارات هامة، رغم كل ما شاب الانتخابات من تزوير وغش وتضليل وعنف. وقد تساءلت فى نهاية المقال عن أى الفئتين تمثل الجنديات الحقيقيات لهدى شعراوى رائدة حركة تحرير المرأة، التى واجهت جنود الاحتلال ورصاص الانجليز فى ثورة 1919؟.
كان رد الفعل الأول على المقال من د. سحر الموجي، في تعليق جاد ، يدافع عن النساء السافرات المعاصرات فيما و صفته بهن من خوف و كسل واكتئاب. وعرضت أمثلة من أنشطة قامت بها هى و ناشطات أخريات. ومنهن من تعرض لانتهاكات أمنية بشعة، يومي 25 مايو و 10 يوليو، وهن يتظاهرن سلميا مع زملائهن فى حركة كفاية. هذا فضلا عما قمن به تحت لواء "المرأة الجديدة"، وحركة تضامن المرأة العربية ومبادرة "شايفينكو" التى ترصد الانتهاكات و التجاوزات التى شهدتها حياتنا السياسية فى الوقت الحاضر. و لا شك أن ما أشارت اليه د. سحر هى جميعا أنشطة تستحق التنويه والإعجاب. وليتنا نرى المزيد منها أضعافا مضاعفة. والأهم، هو أن تسارع د. سحر وكل ناشطات الحركة النسائية إلى تسجيل أنفسهن فى الجداول الانتخابية، لمن يفعلن ذلك من قبل، وأن يتم ذلك من خلال هذا الشهر (ديسمبر) و الشهر القادم ( يناير). ولعلهم يدركن أن أحد تقاليع نظام مبارك هو حصر التسجيل فى الجداول الانتخابية لمن هو فوق الثالثة و العشرين، خلال شهرين فقط من كل عام. ولا يدرى أحد لماذا هذا القيد الزمني، إلا العداوة الكامنة لدى النظام الحاكم تجاه المشاركة الشعبية فى العمل العام. أو ربما هو من قبيل الكسل البيروقراطي، الذي يجعل من المواطنين "رعايا" فى خدمة الأجهزة الحكومية- وليس العكس، كما يحدث فى البلدان الراقية. أقول للدكتورة سحر وأخواتها: سجلن في جداول الانتخابات، حتى تسلمن من النكبات، التي يتوقعها أو يتوهمها بعضكن" !.
أما رد الفعل الثاني فقد جاءنى من طالباتي فى الجامعة الأمريكية. قالت لي إحداهن (ميسان حسن) إن وضع السؤال بهذا الشكل ينطوى على إن احدى الفئتين هن فقط حفيدات شرعيات لهدى شعراوى، بينما واقع الأمر هو أن كل منهما حفيدات شرعيات لهدى شعراوى. ألا توجد فى نفس الأسرة اليوم شقيقات، من نفس الوالدين، بعضهن سافرات و بعضهن محجبات، و ربما حتى منقبات؟ وقالت طالبة أخرى (دنيا اسكندر): إذا لم تخني الذاكرة، لقد كانت هدى شعراوى ورفيقاتها مازلن يرتدين الحجاب أو "اليشمك" أو "البرقع" حينما واجهن الانجليز فى مارس 1919. فالمواجهة إذن لا علاقة لها بنوع ما ترتديه المرأة على رأسها أو وجهها. وأضافت طالبة ثالثة (ثريا بهجت) أن "هدى شعراوى و سيزا نبرواى ونبوية موسى لم يخلعن الحجاب إلا عام 1924 بعد مشاركتهن فى المؤتمر العالمى للمرأة فى العاصة الايطالية روما.. أى بعد مواجهتهن الانجليز بخمس سنوات ! وقالت طالبة خامسة (ليلى رفعت) أنها كانت قد قرأت من قبل عن زينب الغزالى و ما تعرضت له من تنكيل وتعذيب فى سجون عبد الناصر .. وربما كانت المحجبات اللائى أصررن و اقتحمن مراكز التصويت هن حفيدات زينب الغزالى و لسن حفيدات هدى شعراوى. وربما كان سبب تصميمهن على ممارسة حقوقهن للوقاية المستقبلية مما حدث لجدتهم "الحاجة زينب" !.
أما طلابي من البنين فقد أخذوا على عاتقهم أن ينزلوا إلى الميدان و أن يستقصوا أقاربهم وجيرانهم وأصدقائهم عما إذا كانوا قد شاركوا فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة من عدمه، و الأسباب المتعلقة بذلك. ومن حوالى خمسمائة قريب و جار و صديق، شملهم الاستقصاء، تبينت بعض ملامح أزمة الطبقة المتوسطة المصرية فى ملامح القرن الحادي و العشرين.
وقبل استعراض ملامح الأزمة، لابد من المسارعة بتقرير أن من تم استقصائهم ليسوا بالمعنى العلمي عينة ممثلة لا لعموم الشعب المصري و لا حتى لعموم الطبقة المتوسطة المصرية. فمن المعلوم أن طلاب الجامعة الأمريكية يأتون من أعلى شرائح تلك الطبقة . بل أن كثيرين يعتبرونهم من الطبقة العليا. وبصرف النظر عن التوصيف الطبقى الدقيق لهؤلاء الأقارب و الجيران والاصدقاء. فهاكم أهم ما أسفر عنه الاستقصاء، الذي قام به الطالب محمد السنجرجي :
أولا : نسبة المشاركة فى التصويت لم تتعدى 19 %، أي أقل من النسبة العامة التي أعلنتها الجهات الرسمية، وهى 23%. وهذا معناه لا فقط غياب أكثر من ثلاث أرباع الشعب عن المشاركة فى أهم حدث سياسي مصرى لا يتكرر إلا كل خمسة سنوات. ولكن أيضا عزوف فئات أكثر من 80 % من أعلى شرائح المجتمع عن مثل هذه المشاركة. حتى عندما أتيحت لهم الفرصة لذلك. فهل كانت الفرصة متاحة فعلا ؟.
ثانيا : فرص المشاركة: قرر حوالى 23 فى المائة ممن تم استقصائهم، وكانوا في معظمهم من الشباب، الذين ولدوا بين عامى 1981، و 1987 ( أى فوق 18 سنة) أنهم توجهوا إلى مراكز الاقتراع فى دوائرهم، دون بطاقات انتخابية، وفقط ببطاقات تحقيق الشخصية، ظنا منهم أنه تم قيدهم فى الجداول الانتخابية تلقائيا كما كان قد صرح المسئولين – قبل عدة أسابيع بمناسبة انتخاب رئيس الجمهورية. وهو ما حدث وقتذلك بالفعل. أى فى سبتمبر 2005. أي أنه عندما كانت الحكومة تريد زيادة نسبة المشاركين، فإنها لم تتزمت فى تطبيق شرط القيد فى الجداول الانتخابية. أما وقد نجح حسنى مبارك، فقد عادت الأجهزة لأدواتها القديمة، التضييق على المواطنين، إلا طبعا من كان يحمل بطاقة خضراء بها اسم مرشح الحزب الوطني. فهؤلاء كان يسمح لهم بالدخول والتصويت دون اصرار على تنفيذ القيد فى الجداول الانتخابية، اكتفاء بشهادة مندوب الحزب او شيخ الحارة على هوية الناخب ومقر سكنه، وبالتالى استحقاقه للتصويت.
ثالثا : - كان هناك حوالي 24% قالوا انهم لم يصوتوا ليقينهم ان الانتخابات ستزور هذة المرة، كما في مرات عديدة سابقة. وقال آخرون (17%) أنهم كانوا مشغولون بأمور حياتية أهم. وقررت نسبة مماثلة (17%) أن الإجراءات الحكومية العقيمة سبطت عزمهم عن المشاركة. واخيرا ، ذكر 7% أنهم لم يشاركوا خوفا من أو اتقاء للعنف الذى سمعوا عنه من آخرين أو رأوا أخباره على الفضائيات.
رابعا :- لوحظ انه بينما لم تتجاوز نسبة التصويت فى القاهرة عشرة المائة، إلا إنها كانت أمثال ذلك في المناطق الريفية. وفى هذة الانتخابات (اى القرى ) كانت النسبة التى شاركت من النساء متقاربة لتلك التي شاركت من الرجال. وفى الريف قرر المشاركون والمشاركات انهم صوتوا لأنهم يعرفون المرشح، او لأنه من أقربائهم، أو لأنه " خدوم".
خامسا :- كانت هناك عينة فرعية من أساتذة كلية طب قصر العينى (القاهرة ) تتكون من 12 استاذا، لم يصوت منهم فى انتخابات عام 2005 الا استاذ واحد (8%). ولما سألهم الطالب محمد السنجرجى عما اذا كانوا قد صوتوا فى انتخابات 2000، فوجىء بأن احدا منهم لم يصوت على الاطلاق. فسألهم عما إذا كانوا ينون التصويت عام 2010، فأجاب اثنان (16%) بنعم، واستمر ستة (50 %) في رفض المشاركة، بينما قال الاخرون (34%) انهم غير متأكدون وان ذلك يتوقف عما سيحدث خلال السنوات الخمس القادمة.
والخلاصة هو أن الطبقة المتوسطة المصرية التى كانت العمود الفقرى للحركة الوطنية، وثارت مع سعد زغلول من أجل الاستقلال والدستور، يبدوا أنها فقدت، ولو إلى حين، دورها او رسالتها التجديدية فى بناء مصر الحديثة. أن الديمقراطية هي أفضل أنظمة الحكم الرشيد. وهذا ما اكتشفته كل المجتمعات الانسانية التى نهضت فى القرون الثلاثة الاخيرة. وهذا ايضا ما كان سعد زغلول، واحمد لطفى السيد، وعبد العزيز فهمى ، ومصطفى النحاس، ومكرم عبيد, وفخرى عبد النور كانوا قد اكتشفوه. لقد كانوا طلائع الطبقة المتوسطة فى النصف الاول من القرن العشرين. ولابد أن هؤلاء الرواد يتقلبون الآن فى قبورهم، لما آلت اليه أمور الوطن على أيدى احفادهم، وخاصة من اساتذة القصر العينى ، التى هى على مرمى حجر من البرلمان، ومن قبر سعد زغلول.

والله اعلم.
التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية