حينما واجه المصريون قوات الاحتلال البريطاني في ربيع 1919 خرجت النساء جنباً إلى
جنب مع الرجال. وأطلق الإنجليز الرصاص على المتظاهرات. وسقطت أول شهيدة في تاريخ
مصر الحديث، وكان أسمها شفيقة بنت محمد. وأشعل استشهادها حماس الرجال والنساء،
فاستمروا في تظاهرهم وتصعيد مقاومتهم للاحتلال طوال الأسابيع التالية، وإلى أن
أذعنت بريطانيا لأحد مطالب الحركة الوطنية، بالسماح لأعضاء الوفد المصري الذي قاده
سعد زغلول بالسفر إلى مؤتمر فرساي للمطالبة بالاستقلال. وهو ما حدث تدريجياً خلال
السنوات الأربع التالية. وضمن هذه المسيرة المبكرة حصل المصريون على الاستقلال، في
ظل أعظم دساتيرهم على الإطلاق، وهو دستور 1923، الذي ما زلنا نحلم بمثله في مصر
المحروسة بعد أكثر من ثمانين عاماً.
المهم، كانت أحداث 1919 هي تدشين لحقبة ليبرالية استمرت إلى عام 1952، وكانت العصر
الذهبي لمشاركة النساء والأقباط في الحياة العامة لمصر الحديثة. وتلك هي الحقبة
التي شهدت ميلاد الحركة النسائية، التي قادتها هدى شعراوي، والتي كان من مآثرها خلع
"البرقع" أو "الحجاب"، وكشف وجوههن، حتى أطلق على حركتهن حركة السفور. وهي نفس
الحركة التي ناضلت من أجل حقوق المرأة في كل مجالات الحياة. وضمن ذلك قانون جديد
للأحوال الشخصية، بمقتضاه تم تقنين الأحكام الشرعية، التي كانت متروكة لاجتهادات
قضاة شرعيين تقليديين، أو للأعراف المنحازة للرجال على طول الخط.
وظلت النساء المصريات طوال أربعة أجيال تناضلن من أجل توسيع هذه الحقوق. وعرفنا
أسماء قيادات نسوية أخرى، غير شفيقة بنت محمد وهدى شعراوي، ومنهن سيزا نبرواي،
ونبوية موسى، وليلى موسى، ثم درية شفيق وسهير العلماوي، ونوال السعداوي.
ولكن ثورة يوليو 1952 نكست بالحركة النسائية المصرية، كما نكست بالحركة العمالية
والحركة الطلابية وقد فعلت ذلك من حيث بدى وكأن ثورة يوليو تحاول مساعدة هذه
الحركات الشعبية.
فكيف حدث ذلك؟
مع الحركة العمالية، مثلاً، قام عمال النسيج في كفر الدوار بمظاهرات نقابية تطالب
ببعض الحقوق الاجتماعية، في أوائل عهد الضباط الأحرار، الذين أصبحوا يحكمون مصر.
وكأنما أراد الضباط، لا فقط تأديب العمال وترويضهم، ولكن أيضاً تخويف كل الفئات
الأخرى. فحاكمت ثورة الضباط القيادات العمالية، أمام محكمة عسكرية، أصدرت أحكاماً
قاسية، منها إعدام اثنين من هذه القيادات هما خميس والبقري. ثم فعل الضباط شيئاً
مماثلاً، وإن لم يصل إلى الإعدام، بعد ذلك بعام، حينما اعتصمت مجموعة من النساء
الناشطات بقيادة د. درية شفيق أستاذة الأدب الفرنسي في كلية الآداب من أجل النص في
مشروع الدستور الجديد ـ الذي كان يصاغ في عامي 1953 و1954 ـ على الحقوق النسائية
الكاملة للنساء، ومنها حق التصويت وحق الترشيح للمناصب العامة. قام الضباط بفض
الاعتصام بالقوة وفرضوا على درية شفيق أن تظل حبيسة منزلها. وأصيبت درية شفيق
باكتئاب، أدى بها في النهاية إلى الانتحار، رغم أن الزعيم الهندي جواهرلال نهروا
رئيس وزراء الهند، كان قد حاول مراراً التوسط لدى عبد الناصر لفك أسر هذه القيادة
النسائية الواعدة. وقد حدث نفس الشيء مع قيادات النقابات المهنية والأحزاب السياسية
فتم تجميد، ثم حل الأحزاب عام 1954. وتم تدجين ثم الهيمنة على النقابات المهنية من
خلال أمانة المهنيين بهيئة التحرير، ثم الاتحاد القومي، ثم الاتحاد الاشتراكي، الذي
تحول بعد ذلك إلى الحزب الوطني الديمقراطي. وضمن هذه الهوجة أو الموجة من تأميم كل
العمل العام، وسيطرة الدولة عليه، فقدت الحركة النسائية التي ولدت مع ثورة 1919،
زخمها وحيويتها واستقلالها مع ثورة 1952.
صحيح أن ثورة يوليو منحت المرأة مع دستور 1956 كل ما كانت تطالب به القيادات
النسوية من هدى شعراوي إلى درية شفيق. ولكنها "اغتصبت" من المرأة "أغلى ما تملك"
وهو استقلاليتها. وبالمثل منحت الثورة العمال والفلاحين أكثر مما طلبوا، بل وأكثر
مما كانوا يحلمون به من حقوق. ولكنها سلبتهم استقلاليتهم. وهكذا كان منطق وممارسات
ثورة يوليو: لا تطالبوا أنتم بشيء .. أنا (الثورة) الذي سأمنحكم في الوقت المناسب،
وبالأسلوب والشكل الذي أراه.. وكل ما عليكم إلا أن تنضبطوا، وتصطفوا، وتتحدوا،
وتنتظموا، وتعملوا (الاتحاد والنظام والعمل)، ولا دخل لكم بالسياسة، ولا تقتربوا من
السلطة. فالسياسة "نجاسة" والسلطة "قداسة". وفسر البعض هذه النزعة عند ثوار يوليو
بخلفيتهم العسكرية، التي تعتمد على الضبط والربط والطاعة. ولكن المحللين الأكثر
علماً ودراسة، فسروا ما فعله ضباط يوليو بنزعية "فاشية" تعود جذورها إلى إعجابهم
المبكر بهتلر وموسليني وفرانكو.
وانطوى ما فعلته ثورة يوليو مع الحركة النسائية وبقية منظمات المجتمع المدني على
تأميمها، وتضييق الفضاء العام من حولها، والتحكم حتى في الأنبوب الذي يصل لها
الأكسجين، وذلك من خلال ترسانة القوانين المقيدة للحريات العامة، وخاصة للاتحادات
والنقابات والجمعيات. وأصبحت الدولة هي المسيطر والمهيمن. فضمرت منظمات المجتمع
المدني، ولانت، ثم ضعفت عضلاتها، حتى أصيبت بالكساح أو الشلل.. وحتى حينما أتضح
للدولة أو النخبة الحاكمة من آل مبارك مدى ما ارتكب أسلافهم خلال النصف قرن السابق،
وحاولوا أن يحيوا "العظام وهي رميم"، باءت جهودهم بالفشل. من ذلك، مثلاً، المجلس
القومي للمرأة، الذي أنشأ بقرار جمهوري، قبل سبع سنوات، لتنشيط الحركة النسائية.
ورغم أن مصر شهدت انتخابات برلمانية لدورتين متتاليتين، عامي 2000 و2005، إلا أن
المجلس رغم كل الضجيج والبرامج التدريبية التي قام بها، فإنه لم يفلح في تنمية أو
فرز قيادات نسائية قادرة على خوض الانتخابات والفوز بمقاعد برلمانية. وهذا الفشل
الذريع للمجلس القومي للمرأة، لا يماثله إلا فشل المجلس القومي لحقوق الإنسان،
وللحزب الوطني نفسه، وفي القلب منه لجنة السياسات. وهذا كله لسبب أساسي، وإن كان في
غاية البساطة، وهو أن العمل السياسي وتنظيمات المجتمع المدني لا تنشأ بقرارات
جمهورية فوقية، وإذا نشأت كذلك فإنها تصبح "كأطفال الأنابيب"، تحتاج إلى رعاية
إكلينيكية، مركزة، ومستمرة، حتى تظل على قيد الحياة، ثم تموت في أول اختبار أو
امتحان لها خارج "الأنبوب" (أي بعيداً عن الرعاية الحكومية والحماية الأمنية
المركزة).
من هنا المقارنة مع "الأخوات المسلمات"، اللائي واجهتن قوات الأمن في انتخابات
2005، ثم التففن حولها، وأحضرن سلالم خشبية، وتسلقن الأسوار المحيطة بمراكز
الاقتراع، والهبوط في ساحات هذه المراكز، والإصرار على ممارسة حقوقهن السياسية.
فشتان الفارق بين هؤلاء وبين "هوانم" سوزان وفرخندة، اللائي لم يدل معظمهن بأصواتهن
في الانتخابات خوفاً من البهدلة وإضاعة "وقتهن الثمين". ومع ذلك فإن هؤلاء الهوانم
السافرات، الكسولات هن أنفسهن الخائفات من الأداء الرفيع للإخوان المسلمين في
الانتخابات الأخيرة. لقد كتبت إحداهن في روزاليوسف (عدد 9/12/2005) تحت عنوان "الحق
قبل ما الدنيا تضلم!" (أي سارع قبل أن تظلم الدنيا). قالت الكاتبة الشابة "لحقت
نفسي... وها أعمل اللي أنا نفسي فيه... وها أدلع روحي على الآخر... قبل ما الدنيا
تضلم وكل حاجة جميلة تبقى محرمة، ومحظورة، ومراقبة، وممنوعة، وعقوبتها الرجم.. ويتم
القبض على الحرية، ويكون مصيرنا جميعاً مقابر جماعية، والنساء أول الضحايا.. ولا
نرى إلا مذابح وحرايق وكرابيج ودم وخنازير وأشباح وخفافيش وحديد ونار وسجون وضرب
ومشانق وتعذيب.. لازم ألحق نفسي قبل فوات الأوان قبل ما يحكمنا الإخوان"
تعجبت ... وأنا أستعرض شريط التاريخ النسائي المصري الحديث من شفيقة بنت محمد أول
شهيدات ثورة 1919، انتهاء بالكاتبة الملتعاه د. منى حلمي التي ترقص كذبيحة من الفرح
بعد انتخابات 2005. وتساءلت أيهن الحفيدات الحقيقيات لهدى شعراوي؟ هل هن الناخبات
المقتحمات حتى لو كن محجبات، أم هن الكسولات المكتئبات الخائفات، حتى لو كن سافرات؟
والله أعلم