مقالات د. سعد الدين إبراهيم

اين مصر مما يحدث في فلسطين والعراق؟
 

شهدت فلسطين والعراق خلال شهر يناير 2005 انتخابات دمقراطية حرة، رغم وجود احتلال أجنبي في كل من البلدين الشقيقين. وقد راقب العالم كله تلك الانتخابات باهتمام شديد، وشهد المراقبون الدوليون بالإقبال المرتفع على المشاركة فيها من ناحية، وعلى نزاهتها من ناحية أخرى. وكان ضمن هؤلاء المراقبين، وفدين مصريين أحدهما حكومي برئاسة السفير حسن عيسى، ووفد أهلي برئاسة المهندس محمد فريد حسنين عضوا مجلس أمناء مركز ابن خلدون. وقد تطابقت شهادة الوفد، بالنسبة لفلسطين على الأقل. فقد أكدوا ما أكده الفريق الدولي الذي قاده الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر من حيث شفافية ونزاهة الانتخابات. كما عبّر الوفد الأهلي المصري عن الحسرة والألم، حيث حظي الفلسطينيون بتلك الانتخابات التنافسية الديمقراطية الحرة ـ رغم الاحتلال الإسرائيلي ـ بينما نحن في مصر لم نهنأ مرة واحدة بانتخابات حرة خلال الخمسين سنة الأخيرة، رغم زوال الاستعمار الأجنبي.

والسؤال هو كيف يحدث ذلك؟ أي كيف تحظى دول محتلة بانتخابات حرة، ولا نحظى نحن بمثل هذه الانتخابات، رغم أننا لسنا محتلين؟
والإجابة بالنسبة لفلسطين والعراق هي أن سلطة الاحتلال في البلدين (إسرائيل، والولايات المتحدة، وبريطانيا) ترغب لأسباب خاصة بها أن تتفاوض مع حكومة منتخبة ديمقراطياً، لتسليمها مقاليد الأمور، جزئياً أو كلياً. وهذا إما لأن الاحتلال قد استنفذ أغراضه، أو لأنه أصبح باهظ التكاليف بشرياً (قتلى وجرحي) ومادياً (مالياً) أو لأن الرأي العام الداخلي والعالمي أو قوة ضاغطة ضد الاحتلال.

ففي فلسطين ـ مثلاً ـ فشل شارون في القضاء على الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي بدأت في سبتمبر 2000، رغم أنه كان قد وعد، والتزم أمام الناخبين في إسرائيل أنه سيقضي عليها خلال مائة يوم. ومرت سنوات أربع، أي أكثر من 1200 يوم، ولم ينجز شارون المهمة. وقد أدرك هو بعد سنوات استحالة القضاء على المقاومة الفلسطينية تماماً، وأنه كان قد نجح في إضعافها وتدمير الاقتصاد الفلسطيني رغم أن هذا الإدراك هو الذي دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى ؟؟؟ دفاعي اليائس وهو بناء حائط دفاعي فاصل بين إسرائيل ومعظم الأراضي المحتلة من ناحية وبقية هذه الأراضي من ناحية أخرى لكن حتى هذا الحائط الخرساني بارتفاع ثلاثة أمتار، وامتداد ؟؟؟ من مائة كيلو متر إلى تاريخه، لم يحل تماماً دون وقوع عمليات المقاومة، بما في ذلك العمليات الاستشهادية الانتحارية. خلاصة القول هو أن إسرائيل في شخص أكثر زعمائها تشدداً وعدوانية أدركت في النهاية أنه لا سبيل إلى وقف العنف المتبادل إلا بالتفاوض. ولأن شارون كان يرفض التفاوض مع غريمه الفلسطيني ياسر عرفات، فقد انتظر، إلى أن رحل عرفات، ثم انتظر إلى أن ينتخب الفلسطينيون رئيساً جديداً خلفاً لعرفات، يتمتع بما يلزم من شرعية شعبية، حتى يمكن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. وهو ما كان بانتخاب محمود عباس (أبو مازن) رئيساً للسلطة الفلسطينية. بتعبير آخر، لم تتدخل سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الانتخابات الفلسطينية، لا حباً في الديمقراطية أساساً، ولكن حرصاً على تحقيق مصلحتها في الوصول إلى تسوية تفاوضية مع طرف فلسطيني يتمتع بتأييد صريح من أغلبية شعبية، وليس في ذلك عيب من حيث المبدأ. فكل الصراعات الممتدة ـ مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لاحل له في النهاية إلا بإبادة طرف للآخر تماماً أو بقبول حل أو حلول وسط من خلال التفاوض. وبالمناسبة هذا ما أدركه الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1977، ومن ثم تفاوض مع غريمه الإسرائيلي المتشدد مناحم بيجين، زعيم نفس الحزب الذي يرأسه أريل شارون. كذلك أدرك الملك الأردني الحسين بن طلال بعد السادات بعدة سنوات، فتفاوض مع إسرائيل في منتصف التسعينات لنفس الغرض.

فماذا عن الانتخابات؟
 

مرة أخرى، يوجد احتلال أنجلو ـ أمريكي لهذا البلد العربي الشقيق منذ سقوط نظام البعث بقيادة صدام حسين في أبريل 2003 ورغم أن معظم العراقيين تنفسو الصعداء لسقوط حاكمهم المستبد، الذي سامهم العذاب لأكثر من ثلاثين سنة، إلا أنهم لا يرتضون الاحتلال الأجنبي بديلاً، وإلا كانوا مثل الذين يرتضون الرمضاء ؟؟؟ لذلك لم يكن مستغرباً أن تنبثق مقاومة عراقية لهذا الأول ولأن مقاومة الاحتلال، أي احتلال هو أمر مشروع طبقاً للقوانين والأعراف الدولية، فقد سارعت الدول التي احتلت العراق ـ وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا، بإعلان استعدادها لتسليم السلطة لحكومة عراقية منتخبة طبقاً لدستور ديمقراطي. وكانت الانتخابات التي تمت يوم 30/1/2005 هي الخطوة الأولى في هذه العملية. فقد اختار العراقيون أعضاء جمعية تأسيسية لوضع دستور عراقي جديد. وبناء عليه يتم انتخاب حكومة جديدة تتمتع بشرعية نابعة من سلطة شعبية مستقلة، يتم نقل السلطة إليها من الأطراف الأجنبية التي تحتل العراق، منذ إبرايل 2003.

ولكن ما هي مصلحة قوات الاحتلال في المسارعة بهذه الحملة الانتخابية الديمقراطية في العراق؟ أوليس ذلك مخالفاً لما يعتقد الرأي العام العربي والعالمي من أن الذين غزوا العراق ـ وخاصة الأمريكيين والإنجليز. فعلوا ذلك من أجل الاستيلاء على نفط العراق والسيطرة على نفط الخليج؟ والإجابة على السؤالين هي "ربما ذلك هو السبب أو أحد الأسباب ... ورغم نفي الغزاة لذلك وتقديمهم لأسباب أخرى لم تقنع الكثيرين ـ مثل البحث عن أسلحة الدمار الشامل. ولكن أياً كانت الأسباب الحقيقة لغزو العراق، فإن الذين قاموا بذلك اتضحت لهم أموراً ثلاثة جعلتهم يبحثون عن مخرج من العراق. الأمر الأول، هو نمو المقاومة العسكرية للاحتلال، وارتفاع الخسائر البشرية والمادية. والأمر الثاني هو زيادة الاستنكار العالمي للغزة أصلاً، ثم لاستمرار الآخر بعد سقوط صدام حسين. الأمر الثالث هو أن تدفق النفط إلى أسواقهم وأسواق العالم اصبح مضموناً، لا بقوة السلطة والاحتلال ولكن بقوة قوانين الاقتصاد وفي مقدمتها آليات السوق، المعروفة باسم "العرض والطلب". هذا كله فضلاً عن أن الحكومات التي غزت واحتلت العراق هي حكومات منتخبة ديمقراطياً في بلدانها. وبالتالي تخضع للمراقبة والمحاكمة من شعوبها. ولم تعد شعوب هذه البلدان الديمقراطية تريد الحروب أو احتلال أراضي شعوب أخرى إلا في ظروف استثنائية لكبح عدوان، أو لمنع كارثة، أو لأغراض إنسانية. ومن هنا كان الاحتفاء بالانتخابات العراقية في كل من أمريكا وبريطانيا أكثر منه في أي بلدان أخرى، ربما باستثناء العراق نفسه.

والمفارقة المحزنة هي أن الأنظمة الاستبدادية العربية كانت هي الأقل ترحيباً بالانتخابات في العراق، ومعها القوى الكارهة للديمقراطية، والتي لا تريد لأي ديمقراطية في العراق أن تنجح، حتى لو كانت ديمقراطية عرجاء! فمن شأن أي تحول في العراق أو فلسطين، أو أي بلد أخرى قريبة في المنطقة، أن يمثل تحدياً لها في الأجل القصير، وتهديداً لها في الأجل المتوسط، ولعل ذلك هو الذي يفسر ردود الفعل الباردة للأنظمة الاستبدادية العربية، وحملات التشكيك في نزاهة الانتخابات، أو التركيز على أحداث العنف المتناثرة التي تخللت الانتخابات العراقية خصوصاً وأن هذه الأنظمة وصحافتحا الصفراء تريد أن توحي للرأي العام أن الانتخابات وسفك الدماء صفوان مترادفان!

وحقيقة الأمر كما يشهد العالم كله من خلال مراقبته، وعلى شاشات التليفزيون، أن أهلنا في فلسطين والعراق راغبون وقادرون على ممارسة الديمقراطية. وليس شعبنا المصري استثناءاً من هذه القاعدة. بل العكس هو الصحيح. فقد كان أول شعوب المنطقة تذوقاً للديمقراطية في أول برلمان عربي منتخب عام 1866. فالسؤال إذن ؟؟؟ استعداد ورغبة الشعب المصري، ولكن استعداد ورغبة من يحكمون هذا الشعب بقوانين الطوارئ والجديد والنار، وبوسائل الاختفاء والقبض التعسفي على المعارضين والأحرار.

فلا حول ولا قوة إلا بالله
 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية