مقالات د. سعد الدين إبراهيم

الخائفون من الديمقراطية في الوطن العربي

 

شهد الشهر الأول من عام 2005 انتخابات رئاسية في فلسطين، وأخري برلمانية في العراق. وهما بلدان عربيان تحت الاحتلال الإسرائيلي والانجلو-أمريكي علي التوالي. وليست الانتخابات في ظل أي احتلال أمرا مرغوبا أو معتادا، ولكنه قد يكون أمرا مطلوبا أحيانا، وخاصة إذا كان ينطوي علي ضرورة أو علي شرط لإنهاء هذا الاحتلال واستكمال السيادة والوطنية – مثلما هو الحال في فلسطين والعراق. وقد حدث ذلك في مصر نفسها في ظل الاحتلال الإنجليزي، والانتخابات التي تمت طبقا لأهم دساتير مصر الحديثة علي الإطلاق، وهو دستور 1922، والتي فاز فيها حزب "الوفد"، بزعامة سعد زغلول. وحدث ذلك في الهند، حيث أتت الانتخابات بحزب "المؤتمر"، بقيادة المهاتما غاندي عام 1947. وكان هذان البلدان العريقان تحت الاحتلال البريطاني في ذلك الوقت. كما حدث نفس الشيء في بلدان أخري عريقة مثل اليابان وألمانيا والنمسا وإيطاليا – بعد احتلالها نتيجة انهزامها في الحرب العالمية الثانية (1939-1945). وقد تعرضنا في مقالات سابقة لظاهرة الانتخابات في ظل الاحتلال الأجنبي، وتحديدا في كل من فلسطين والعراق.

ولكننا في هذا المقال نتعرض لتحليل ومناقشة أولئك الذين يرفضوا الانتخابات بذريعة أنها لا يمكن أن تتم في ظل الاحتلال، بينما هم في حقيقة الأمر لا يريدون مثل هذه الانتخابات، إما لانهم لا يؤمنون أصلا بالديمقراطية، ويفضلون عليها أشكالا أخري من صور الحكم – مثل الفاشية والسلطة الشمولية أو لانهم يدركون احتمال الخسارة في هذه الانتخابات. ولان الديمقراطية أصبحت نمط الحكم الأكثر قبولا بين شعوب العالم خلال القرن الأخير، فقد أصبح متعثرا علي أعداء الديمقراطية أن يجاهروا بهذا العداء ولذلك رأيناهم في الحالتين الفلسطينية والعراقية يلجأون إلى وسائل أخري لإجهاض أي محاولة في هذا الصدد. من ذلك استخدام الفتاوى الدينية، أو اللجوء للعنف أو الوعيد والتهديد به. ومن ذلك مثلا، صدور فتوى من مفتي القدس، المتعاطف مع تنظيم "حماس" و"الجهاد" بمقاطعة الانتخابات الرئاسية في فلسطين. والغريب انه لم تصدر مثل هذه الفتوى في الانتخابات الرئاسية السابقة – عام 1996 – والتي جاءت بياسر عرفات إلى قمة السلطة الفلسطينية. كما أن نفس المفتي لم يصدر مثل هذه الفتوى لمقاطعة الانتخابات المحلية لانتخاب أعضاء المجالس البلدية في قطاع عزة، والتي تمت في أواخر نفس شهر يناير، والتي كانت متوقعا طبقا لاستقصاءات الرأي العام أن تفوز فيها حركة "حماس".

وليس التلاعب "بالفتاوي الدينية" لأغراض "سياسية دنيوية" وقفا علي الفلسطينيين، فها هم هيئة علماء المسلمين في العراق يصدرون فتاوي مماثلة بمقاطعة الانتخابات العراقية لاختيار أعضاء الجمعية التشريعية التي ستضع دستورا جديدا للعراق. وهذه الهيئة هي المرجعية الدينية للعراقيين العرب السنة. بينما أصدر آية الله العظمي علي السيستاني أعلي مرجعية دينية للعراقيين العرب الشيعة فتوى مضادة، تحض كل مسلمي العراق علي المشاركة في الانتخابات كواجب وطني وكفريضة دينية. أما مفتي كردستان العراق فقد نأي بنفسه عن الخوض في هذا الأمر، ربما لان الأحزاب الكردية الرئيسية (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني) تملأ الفضاء السياسي الكردي وتتحمس للانتخابات القادمة لكل العراق. أي أن الدعوة لمقاطعة الانتخابات في العراق صدرت أساسا من مرجعيات دينية ودنيوية "عربية سنية" كما أن استخدام العنف ضد القائمين علي إجراء الانتخابات وعلي مراكز الاقتراع وتهديد المواطنين الذين يشاركون قد صدرت جميعا من متحدثين باسم العراقيين العرب السنة، أو باسم رموز عربية سنية أخري من خارج العراق – مثل أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي.

وهكذا يبدو أن الأمر في النهاية هو صراع من أجل السلطة وهو صراع سياسي دنيوي، ولكن تستخدم فيه كل الأسلحة – الآليات الدينية والطائفية والعرقية (الاثنية) واللغوية. وفي هذا الصراع فان من يعتقدون انهم يمثلون الأغلبية بين السكان يرحبون بالديمقراطية، ومن ثم بالانتخابات كآلية لوصول هذه الأغلبية للسلطة. ومن هنا في حالة فلسطين سعت منظمة "فتح" ورحبت بالديمقراطية والانتخابات في عموم فلسطين، ورفضتها أو تحفظت عليها كل من حركتي "حماس" و "الجهاد"، وهما اللتان تزعمتا الدعوة لمقاطعة الانتخابات الرئاسية، التي لم يكن لدي أي منهما فرصة الفوز بها. وقد اختلف الوضع بالنسبة للانتخابات المحلية لمجالس البلديات في قطاع غزة، فقد خاضتها حركة "حماس" ، علي النحو الذي ذكرناه بالفعل في فقرة سابقة أعلاه.

فهل يعني ذلك أن كل من لا يشعر انه سيفوز بالانتخابات من واجبه أن يقاطعها وأن يناهض الديمقراطية ؟ الإجابة، هي بالقطع "لا" فالديمقراطية هي أكثر من الانتخابات، فان الديمقراطية تعني مجموعة من الحريات والحقوق والممارسة لكل المواطنين علي حد سواء، "أغلبية" كانوا أو "أقلية" – ومن حقهم مراقبة ومحاسبة الأغلبية التي تحكم بواسطة الأقلية في المعارضة. ومن ذلك أيضا حق الأقلية في الاستعداد للفوز في الانتخابات التالية. فمن يفوز مرة قد يخسر في المرة التالية. ومن يخسر هذه المرة قد يفوز في مرة قادمة. ومن هنا – مثلا – مشاركة حزب الشعب ومرشحه الدكتور مصطفي البرغوثي في انتخابات الرئاسة الفلسطينية، رغم إدراكه انه لن يحصل علي أغلبية، ولن يفوز في الانتخابات. لقد حصل البرغوثي علي حوالي خمس الأصوات (20%). وأظن أن هذه النتيجة بالنسبة للبرغوثي هي مكسب – رغم انه لم يفز - فقد نجح في تعريف الرأي العام الفلسطيني والعربي والعالمي بنفسه. وأصبح بذلك ربما أكثر الشخصيات الفلسطينية العامة "ظهورا" بعد محمود عباس (أبو مازن) وبذلك فقد مهد تمهيدا قويا لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة في غضون عدة سنوات. وأهم من ذلك انه أسهم بشكل غير مباشر في إعطاء الانتخابات الفلسطينية طبيعة تنافسية حقيقية، مقارنة بالانتخابات الرئاسية في بلدان عربية أخري، يحصل فيها مرشح أوحد علي 99.9% في استفتاءات عقيمة لا يصدقها أحد في الداخل أو الخارج.

المهم هو أن من يناهضون أو يقاومون الديمقراطية ويدعون إلى مقاطعة الانتخابات هم دائما أقليات وخوفهم من الديمقراطية والانتخابات هو خوف من التخلي عن السلطة التي احتكروها لمدة طويلة دون شريك أو "رقيب" أو "حسيب".

والسؤال هو : ماذا عسي أن يكون المخرج من هذه المعضلة وبشكل أكثر تحديدا، كيف يمكن وينبغي علي الأغلبية الساحقة في العراق (60% شيعة + 15% أكراد = 75%) التعامل مع مخاوف، وبالتالي مقاطعة معظم العراقيين العرب السنة للانتخابات ؟ في رأي هذا الكاتب، أن أولي خطوات التعامل مع هذه المخاوف هو معرفة مصادرها، واعادة صياغة الوعي الجمعي للأغلبية والاقليات في ضوء هذه المعرفة. لقد اعتاد العرب السنة في العراق الحديث – أي منذ 1920 – علي الهيمنة علي السلطة إلى عام 1958، ثم اعتادوا علي احتكارها منذ منتصف ستينات القرن العشرين، والي أن سقط صدام حسين ونظام البعث عام 2003. وحقيقة الأمر أن عرب العراق من السنة لم يكونوا هم الذين يحكمون العراق، ولكن عدد محدود جدا منهم، ثم شخص واحد فقط، هو صدام حسين. ولكن هذا الحاكم الأوحد المستبد نجح في الإيحاء للعرب السنة، أنه هو ونظامه، هو الذي يحميهم من "الأغلبية الشيعية" ومن "الأقلية الكردية" المسلحة. وبالتالي علي قيادات الشيعة والأكراد أن تكون هي الأكثر تفهما ومبادرة لتبديد هذه المخاوف. ومن ذلك التأكيد لإخوانهم من العراقيين السنة، لا فقط بأنهم سيكونوا شركاء في بناء عراق ديمقراطي تعددي حديث بل وربما يكون مرغوبا في هذه المبادرة أن يكون زعماء الشيعة والأكراد أن يكونوا أكثر استعدادا لزيادة نصيب "السنة" في السلطة عما عليه نسبتهم المئوية في إجمالي سكان العراق – كأن يحصلوا مثلا علي ثلث مقاعد البرلمان ومجلس الوزراء، وأن يحتفظوا بالرئاسة الرمزية للجمهورية، ولو للمرحلة الانتقالية خلال السنوات العشرة أو العشرين القادمة. وفي رأينا أن هذا ثمن متواضع لتكريس الديمقراطية من ناحية والحفاظ علي وحدة العراق من ناحية أخري، والله أعلم.

 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية