مقالات د. سعد الدين إبراهيم

الصيحة الأخيرة لرفيق الحريري
 

واشنطن 15/2/2005
 

لماذا حامت الشبهات حول النظام السوري في اغتيال الزعيم اللبناني رفيق الحريري، رغم ادعاء الفلسطيني أحمد تيسير أبو عدس، أنه المسئول عن الاغتيال، ممثلاً لتنظيم يطلق على نفسه "جماعة الدعوة والحرب المقدسة في بلاد الشام"؟

هناك خمسة أسباب على الأقل وراء اعتقاد اللبنانيين ومعظم الرأي العام العالمي أن النظام السوري للرئيس بشار الأسد، ضالع في حادث الاغتيال حتى قمة رأسه:

السبب الأول، هو سوابق مماثلة مع معارضين للوجود السوري في لبنان، وهو وجود عسكري وسياسي ومخابراتي، بدأ أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، التي إنفجرت في ربيع 1975، واستمرت حتى 1990. وكان هذا الوجود السوري في البداية بناء على دعوة الرئيس اللبناني، سليمان فريجة، الذي أفلتت من يديه زمام الأمور. فأرسل الرئيس السوري حافظ الأسد، وقتها (1976) أكثر من ثلاثين ألف جندي، استطاعوا إلى حد ما استعادة بعض الأمن وبعض النظام. ولكن مع توصل اللبنانيين لمصالحة وطنية عام 1989/1990، بموجب اتفاق الطائف، بدأ اللبنانيون يتبرمون من الوجود السوري في بلادهم، ويطلقون عله وصف "الاحتلال". ولوحظ أن كل من عبّر عن امتعاضه من الوجود السوري، بين الزعماء اللبنانيين، كان مصيره الاغتيال أو محاولة الاغتيال. وقد بدأ هذا المسلسل مبكراً باغتيال الزعيم اللبناني الكبير كمال جنبلاط في أواخر السبعينات، ثم الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل في أوائل الثمانينات، ومؤخراً وزير لبناني مرموق هو مروان حمادة، الذي جرت محاولة على حياته، مشابهة تماماً لخطة اغتيال الحريري. وكان مروان حمادة قد استقال احتجاجاً على الضغط السوري على البرلمان اللبناني لتمديد رئاسة إميل لحود، لثلاث سنوات اضافية، بالمخالفة للدستور، الذي يحدد شغل المنصب لمدة واحدة، هي ست سنوات. وكان رفيق الحريري رئيساً للوزراء، فاستقال بدوره، وانضم للمعارضين لاستمرار الاحتلال السوري فطاله ما طال المعارضين السابقين.

السبب الثاني، للارتياب في النظام السوري، هو أن حجم وطريقة تنفيذ الاغتيال لا تقوى عليه إلا أجهزة على كفاءة عالية ولديها موارد ضخمة. وهذان الشرطان يتوفران لدول أخرى في المنطقة إلى جانب سوريا ـ وفي مقدمتها إسرائيل وليبيا وإيران، وكذلك لتنظيمات عقائدية مسلحة مثل القاعدة، وحزب الله وحماس. وهذه جميعاً لها سوابق في هذا النوع من العمليات الانتحارية الفدائية. ومع ذلك لم تتجه أصابع الاتهام إلا لسورية. وكان بعض ما قيل لاستبعاد الآخرين هو أنه ليس لهم مصلحة في اغتيال رفيق الحريري.

السبب الثالث، للارتياب في النظام السوري، هو أنه الطرف الفاعل الوحيد، الذي له قوات (15.000) وعملاء وأعوان في لبنان. كما أن سوريا هي التي قامت ببناء وتدريب الجيش اللبناني وأجهزة الأمن والمخابرات. وبالتالي فهي الأقدر على الاختراق، ونقل وإخفاء هذه الكمية الضخمة من المتفجرات والتي قُدرت ما بين خمسة وعشرة أطنان من الديناميت القادر على اختراق السيارات المصفحة. وقد قيل أن سيارات رفيق الحريري الخاصة لم تكن فقط مصفحة، ولكن أيضاً مزودة بأجهزة للتشويش على وإفساد مفعول أجهزة التفجير عن بُعد. ولا يمكن الحصول على أجهزة مضادة إلا لدولة لديها إمكانيات مادية واستخباراتية ضخمة وخططت لمثل هذه بدأب وتصميم.

السبب الرابع، تراكم الضغوط على النظام السوري. من ذلك التوافق الفرنسي ـ الأمريكي، النادر الحدوث في السنوات الأخيرة، على تحرير لبنان من الاحتلال السوري وسعيها لاستصدار قرار من مجلس الأمن (رقم 1559) في الخريف الماضي، والذي يدعو إلى جلاء كل القوات الأجنبية من لبنان، وعدم تدخل أي دولة في شئونه المحلية. وكان الأكثر حرصاً على جلاء السوريين هم "الموارنة" المسيحيون، ثم انضم إليهم "الدروز" المسلمين. وظل بقية المسلمين "السُنة" و"الشيعة" يتمسكن بتواجدها لسورية. ولكن المسلمين "السنة" أو فريق كبير منهم على الأقل يقوده رفيق الحريري انضم مؤخراً إلى الموارنة والدروز، ولم يعد في الساحة اللبنانية من يجهر بالدفاع عن الوجود السوري في لبنان. إلا زعماء الشيعة، وخاصة حزب الله، القريب جداً من إيران، والتي هي الحليف الاستراتيجي الوحيد للنظام السوري في المنطقة. وربما اعتقدت سورية، أو بالأحرى النظام البعثي الحاكمم فيها، أن اغتيال رفيق الحريري يمكن أن يشعل حرباً أهلية جديدة، تعطي سورية ذريعة الاستمرار في لبنان لاستعادة الأمن والنظام. فقد كان ذلك هو سبب وجودها هناك في المقام الأول (1976) أي منذ حوالي ثلاثين سنة. أي أن سوريا تواجه الضغوط الدولية عليها، كما تصاعد المطالبات الداخلية للإصلاح، بالدخول في مغامرة إقليمية محكومة!

السبب الخامس، هو خوف النظام البعثي المستبد في سورية من الحصار الديمقراطي. فقد رأى مؤخراً أن العراق وفلسطين تشهدان تحولاً ديمقراطياً، رغم الاحتلال. وقد شهد المراقبون الدوليون أن الانتخابات التي تمت في البلدين خلال شهر يناير 2005، كانت على درجة عالية من الشفافية والنزاهة، ولم يفز فيها أحد بالنسب المئوية الهزلية المضحكة (99.9%) مثلما يحدث في سورية ومصر وعراق صدام حسين. وكانت لبنان مقبلة على انتخابات نيابية في ربيع 2005. وكان الحريري وحلفائه يستعدون لخوضها ببرنامج يقوم على استعادة استقلال لبنان كاملاً (أي خروج الاحتلال) وبناء اقتصاده وتحديث كل مؤسساته. وكانت استطلاعات الرأي العام تشير إلى احتمال فوز تكتل الحريري بأغلبية مريحة (60%). وكان من شأن ذلك توجيه صفعة موجعة لسورية وحلفائها. فاستبق النظام السوري الأمر بالتخلص من الحريري. أو هكذا يعتقد اللبنانيون.

لقد كان رفيق الحريري شخصية خلافية، ولكنه كان عملاقاً في سلوكه الخاص والعام. بدأ حياته مهندساً، ثم مقاولاً في السعودية في أواخر الستينات. وتزامن ذلك مع الطفرة النفطية، فأصبح مليونيراً، ثم بليونيراً. عاد إلى لبنان بعد الحرب الأهلية، وأخذ على عاتقه أن يعيد تعمير لبنان وإعادة بناء قلب العاصمة بيروت. أيده كثيرون واعجبوا به. وعارضه كثيرون ومقتوه. ولكن الجميع كانوا يعملون له حساباً يسيراً أو عسيراً. وكانت أخر أحلام رفيق الحريري هو تحرير التراب اللبناني. ولم يعش الرجل ليرى تحقيق حلمه. ولكن طوفان الخوف والغضب الذي اجتاح لبنان، وتردد صداه في كل العواصم العالمية قد يجبر النظام السوري أن يحمل عصاه ويرحل من لبنان. ويكون رفيق الحريري، حتى بتعرضه للاغتيال، قد أطلق صيحته الأخيرة في تحرير لبنان. رحم الله الرجل وعاش لبنان.
 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية