مقالات
د. سعد الدين إبراهيم
هل هناك سبب للخوف من شيعة العراق؟
هناك نغمة واضحة في معظم كتابات الصحف العربية تعبّر صراحة أو ضمناً عن مخاوف أو
هواجس، وأحياناً ذعر من سيطرة الشيعة في العراق، واستئثارهم بالسلطة فيه. حتى بعض
المسئولين العرب ـ مثل العاهل الأردني، الملك عبد الله بن الحسين ـ حذّر من ظهور ما
سماه "مثلث شيعي" في منطقة الخليج والشرق الأوسط، ويتكون من إيران والعراق
والبحرين، وهي بلدان ذات "أغلبية شيعية". ولم يكن الملك عبد الله موفقاً في هذا
المقترح الغريب. فهو يوحي أن ثمة مخططاً لرجال الدين الشيعة للسيطرة على مقاليد
الأمور في بلدانهم، ثم التحالف من أجل السيطرة بعد ذلك على دول الجوار ـ مثل الكويت
وقطر والإمارات وعمان، وربما السعودية ـ وحيث توجد أقليات شيعية بالفعل ولكن الأهم
أن تلك البلدان بالغة الثراء نفطياً.
لقد كان الملك الأردني في ذلك التصريح المتسرع
الذي أطلقه قبل شهرين من الانتخابات العراقية، يعبر عن المزاج العام السائد بين
مواطنيه. وهو مزاج لا يختلف كثيراً عن مثيله في بلدان عربية أخرى لم تتعود لا على
الممارسة الديمقراطية، ولا على احترام حقوق الإنسان، بصرف النظر عن دينه ومذهبه
وجنسه ولونه ولغته. فمن ناحية، لو كانت هناك ديمقراطية، فمن حق أي أغلبية أن تختار
من يحكمونها سواء كانوا شيعة أو سنة أو أباضية (مثل عمان). ومن ناحية ثانية لو كان
هناك احترام لحقوق الإنسان، لما كان هناك خوف على أبناء أي أقلية من التمتع بكل تلك
الحقوق، ومنها الحق في الاعتقاد والحرية في ممارسة العبادات والشعائر والطقوس
المرتبطة بهذا الحق الأصيل.
ولكن الهواجس والمخاوف، وحتى الذعر، الذي
لمسناه وعبّر عن نفسه صراحة أو ضمناً هو لأحد أو كل الأسباب التالية:
ـ الخوف من التسلط والانتقام: ففي بلد مثل
العراق، الذي هو الموضوع في هذا المقال، تعرضت الأغلبية الشيعية للحرمان من
المشاركة في السلطة، بما يتناسب مع وزنها البشري. أكثر من ذلك وأضل سبيلاً تعرضت
قياداتها الدينية لا فقط للتنكيل، ولكن أيضاً للتصفية الجسدية بواسطة الحكّام
السُنة، خاصة في عهد صدام حسين، الذي فاق استبداده كل من سبقوه في حكم العراق بما
في ذلك الحجاج بن يوسف الثقفي ولعل مخاوف العرب السنة ـ داخل وخارج العراق ـ ترجع
إلى الاعتقاد بأن الشيعة إذا تمكنوا من الوصول إلى السلطة فإنهم سيقومون "بثأر
تاريخي"، انتقاماً من السُنة بسبب ما وقع عليهم من مظالم. لكن الرد على هذا الخوف
هو في مواجهته والتعامل معه بصراحة وإنصاف. فلم يكن العراقيين العرب السُنة هم
الذين "ظلموا" "وحرّموا" "ونكلوا" بإخوانهم المواطنين الشيعة والمرجعيات الشيعية
تدرك ذلك جيداً من ذلك أن الخمسة ملايين عراقي من السُنة ليسوا هم الذين فعلوا ذلك
بالخمسة عشر مليون عراقي من الشيعة. فالذي فعل ذلك، أو أمر به هو حاكم مستبد واحد،
اسمه صدام حسين، ومن استعان بهم من أعوان. وهؤلاء يلزم محاكمتهم محاكمة علنية
عادلة. وبالمناسبة، لقد تعرض الأكراد في العراق، رغم أن معظمهم من المسلمين السُنة
لنفس الظلم والحرمان والتنكيل الذي تعرض له المسلمين الشيعة، أي أن الاستبداد في
جبروته لم يفرّق بين سُنة وشيعة، أو بين عرب وأكراد. فقد تعسف وعسف بالجميع، وإن
كان قد أوحى للعرب السُنة أنه حامي حماهم!.
ـ الخوف من إيران الشيعية: إن إيران هي أكبر
بلدان الخليج سكاناً، حيث يزيد تعدادها على السبعين مليوناً. وهي بذلك أكبر من
العراق (25 مليوناً) وكل بلدان مجلس التعاون الخليجي مجتمعة (25 مليوناً). ولكن
الأهم من حجم السكان هو القوة العسكرية والمطامع الاستراتيجية بإيران، وخاصة وهي
على أعتاب النادي النووي. هذا ومن المعروف أن إيران ذات أغلبية شيعية كاسحة (90%).
ومصدر الخوف هنا قد يكون له ما يبرره، حيث أن الذي يحكم في إيران هم رجال الدين
الشيعة. أي أن إيران هي دولة دينية "ثيوقراطية" أي أننا كعرب، بل والعالم كله معنا،
لدينا ما يبرر الخوف من إيران بهذين البعدين الثيوقراطي والاستراتيجي (النووي).
ولكن ما لهذا والعراق التي هي موضوع هذا المقال؟ ربما هذا افترضه الملك عبد الله
وآخرون، وهو لمجرد أن البلدين متجاوران وذو أغلبية شيعية، فإنهما سيتحالفان، أو
يتوحدان، في تكتل عدواني توسعي على حساب جيرانهما. ولكن حقائق التاريخ والثقافة
والاجتماع تجعل ذلك كله مستبعداً. من ذلك أنه كلاً من صدام حسين والخوميني حاولا
العزف على هذا الوتر المذهبي ـ الطائفي ـ القومي. أثناء الحرب العراقية الإيرانية
(1980-1988) ولكنهما فشلا فشلاً ذريعاً فلم يستطع صدام أن يستثير العرب السُنة
الإيرانيين في أقليم عربستان الإيراني المتاخم للعراق، ولم يستطع آية الله روح الله
الخوميني أن يستثير الشيعة في جنوب العراق. لقد حارب الشيعة في العراق بوازع
الوطنية العراقية، وحارب العرب السنة على الجانب الآخر بوازع "الوطنية الإيرانية".
أي أنه لا النعرة القومية العربية لصدام حسين ولا الدينية الطائفية للإمام الخوميني
أفلحتا في الماضي القريب، ولا نعتقد أن أيهما سيصلح في المستقبل المنظور.
ـ الخوف من حرب أهلية: رغم الخوف من حرب أهلية
نتيجة السيطرة المتوقعة للشيعة بعد الانتخابات، إلا أننا نستبعد هذا الاحتمال. إن
السُنة الذين يخافون من هيمنة الأغلبية الشيعية لن يستطيعوا أن يتحولوا إلى أغلبية
بإشعال حرب أهلية. وقد حاول بعضم ذلك بالفعل بسلسلة التفجيرات والاغتيالات التي
وقعت خلال العشرين شهراً الماضية ضد مرجعيات وأماكن مقدسة شيعية. والشيعة من جانبهم
ليس لهم مصلحة في إشعال حرب أهلية حيث لا تجلب لهم نفعاً، بل وستؤخر وصولهم إلى
السلطة. وينطبق نفس الشئ على الأكراد الذين لن يجنوا أي ثمرة من حرب أهلية. فهم
يتمتعون الآن بالفعل بحكم ذاتي لم يهنأوا به أبدأ من قبل، على الأقل في التاريخ
الحديث، إلى جانب مشاركتهم الحالية في السلطة المركزية في بغداد. وربما لهذه
الأسباب لم يستجب لا زعماء الشيعة ولا زعماء الأكراد، لا للاستدراك ولا للاستفزاز
الذي حاولته عناصر سُنية من داخل العراق ومن خارجها، وخاصة من أتباع اسامة بن لادن
ووكيلة المحلي الأردني أبو مصعب الزرقاوي. وكان الزعيم الشيعي آية الله علي
السستاني مثالاً للحكمة والتعقل، حيث طلب من أتباعه ومن كل العراقيين عدم الإنغماس
في استخدام العنف أو اللجؤ للانتقام رداً على الاغتيالات للقيادات الشيعية أو
التفجيرات في مساجدهم.
ـ الخوف من تقسيم العراق: وهو مثل الحرب
الأهلية ـ ليس في مصلحة أي من الأطراف الرئيسية الثلاثة التي يتكون منها العراق.
فرغم أن الشيعة يتركزون في الجنوب والأكراد في الشمال والسنة في الوسط، إلا أن هناك
اختلاطاً كثيفاً لبناء المجموعات الثلاث في كل المدن العراقية الكبرى، بما فيها
العاصمة بغداد، التي تصل فيها نسبة الشيعة إلى النصف تقريباً، وخاصة مدينة الصدر،
أحد معاقل الزعيم الشيعي المتمرد على الجميع، مقتضى الصدر. هذا فضلاً عن أن الثروة
النفطية للعراق توجد في الجنوب (قرب البصرة) والشمال الكردي (قرب كركوك). ولا بد أن
يمر هذا النفط بالوسط لشحنه إلى سوريا (اللاذقية) إلى البصرة. أما شحنه من خلال
تركيا، فلن يُسمح به في حالة دولة ودويلة كردية مستقلة. فهي من حيث المبدأ فإن
تركيا ضد أي استقلال للأكراد في العراق أو تركيا أو إيران. وبالتالي سيخسر الجميع
من تفتيت العراق. ومرة أخرى سيكون الخاسر الأكبر هو عرب العراق السُنة. وأخيراً فإن
الدول الكبرى وجيران العراق جميعاً قد أعلنوا في أكثر من مناسبة أنهم ضد تفتيت
العراق، حيث أن ذلك لا يخدم مصالحهم.
وهكذا، فإن المخاوف التي يرددها البعض من
العرب السنة داخل أو خارج العراق لا أساس لها من الصحة في الواقع. وعلينا جميعاً أن
نتعلم أن نتعايش، بل ونستفيد من عراق ديمقراطي حتى إذا كان الشيعة يملكون فيه
مقاليد الأمور. فهذا حقهم كمواطنين وحقهم كأغلبية. أقول قولي هذا واستغفر الله لي
وللخائفين والمذعورين.