مفالات د. سعد
الدين إبراهيم
الديمقراطية رغم الاحتلال: فلسطين
شهدت فلسطين في 9/1/2005 انتخابات عامة لاختيار رئيس السلطة
الفلسطينية. ومن المقرر أن تشهد العراق في نهاية نفس الشهر انتخابات عامة لاختيار
أعضاء الجمعية التأسيسية لمناقشة وإقرار دستور جديد لدولة عراقية، تعددية، فيدرالية
ديمقراطية جديدة. وليست هذه هي المرة الأولى ولن تكون المرة الأخيرة التي تشهد فيها
بلداناً عربية مثل هذه الانتخابات. بل أن هذه الأخيرة أصبحت هي الممارسة الطبيعية
الأكثر شيوعاً في إدارة المجتمعات والدول في القرن الحادي والعشرين.
ولكن الأقل شيوعاً هو أن تحدث هذه الانتخابات في ظل احتلال أجنبي.
فالانتخابات هي حق من حقوق "المواطنة"، والمواطنة تعني "السيادة الفردية"، أي الحق
المطلق في تقرير المصير. ولا يُعقل والأمر كذلك أن يمارس أبناء أي وطن سياداتهم
الفردية بينما "الوطن"، الذي يضمهم جميعاً على ترابه وداخل حدوده، لا يتمتع "بالسيادة"،
والتي لا تتحقق بدونها إلا إذا كان هذا الوطن مستقلاً، أي خالياً من الاحتلال
الأجنبي.
في ضوء ذلك، ماذا نقول عن الانتخابات في فلسطين والعراق، وهما بلدان تحت الاحتلال؟
نقول، أولاً، أن هذا وضع استثنائي، غير معتاد، ولكنه ليس شاذاً
بالمرة. من ذلك أن كل البلدان التي رزحت تحت الاحتلال، تمت فيها انتخابات خلال
الحقبة الأخيرة من هذا الاحتلال توطئة للمرحلة الانتقالية، التي يتم فيها تسليم
السلطة من أيدي أجنبية إلى أيدي وطنية، أي لكي تكتمل "السيادة".
ونقول، ثانياً، أن بلداناً عريقة ومتقدمة، مثل ألمانيا والنمسا
واليابان، والتي هزمت في الحرب العالمية الثانية، وتم احتلالها بواسطة جيوش الحلفاء
المنتصرين (أمريكا وبريطانيا وروسيا)، ومع ذلك تمت عدة انتخابات في هذه البلدان
لاختيار مجالس نيابية، وحكومات تنفيذية في ظل سلطات الاحتلال، بل إن أطول مستشار
منتخب بقاء في السلطة في ألمانيا الغربية وهو كونراد أديناور، بعد الحرب العالمية
الثانية، تم انتخابه في ظل احتلال ثلاثي أجنبي لبلاده. ومع ذلك فقد تعامل معه شعبه
وتعامل معه العالم على امتداد عشرين عاماً كما لو كان رئيساً شرعياً لدولة ذات
سيادة. وحدث نفس الشئ للحكومات التي تم انتخابها من شعوبها في اليابان والنمسا رغم
وجود قوات احتلال أجنبية على أراضيها (1945-1965).
ونقول، ثالثاً، أن الذي يضفي الشرعية على أي نظام حكم أو حكومة، هو: 1ـ مدى رضاء
شعبها عن الطريقة التي أتت بها إلى السلطة، و2ـ مدى كفاءتها في تسيير الأمور
اليومية الحياتية للناس، و3ـ مدى قدرتها على حفظ القانون والأمن الداخلي، وأخيراً،
4ـ مدى قدرة هذه الحكومة على حماية التراب الوطني (أي أرض البلاد)، أي أن الحفاظ
على أرض الوطن حرة من أي وجود أجنبي عليها، هو شرط واحد فقط من أربعة شروط لازمة
لإضفاء الشرعية.
المسألة ـ إذن ـ ليس إجراء الانتخابات في ظل الاحتلال من عدمه،
حتى تكون الحكومة المنتخبة شرعية، فهي يمكن أن تكون كذلك إذا توفر شرطان أو أكثر من
الشروط الأربعة المشار إليها أعلاه. وهنا تكمن مشاكل من تم أو يتم انتخابهم في
فلسطين والعراق. ففي فلسطين، مثلاً تمت انتخابات رئاسية شارك فيها أكثر من خمسة
وخمسين في المائة من المسجلين في جداول الانتخابات وهي نسبة عالية مقارنة بالنسبة
في أعرق البلدان الديمقراطية، والتي لا تزيد عادة عن ستين في المائة. وشهد لها
القاصي والداني ـ بما في ذلك فريق المراقبين الأهلي المصري من مركز ابن خلدون،
بأنها كانت نزيهة وشفافة، وذلك باستثناء المضايقات التي خبرها سكان القدس الشرقية،
حيث لم تسمح سلطات الاحتلال إلا بعدد محدود من مراكز الاقتراع وفي المكاتب البربدية،
وهو ما أعاق الكثيرين عن الإدلاء بأصواتهم خلال الساعات المقررة لذلك (من السابعة
صباحاً إلى السابعة مساءاً).
وتم انتخاب محمود عباس (أبو مازن) رئيساً للسلطة بنسبة 62.5%،
وحصل منافسه الرئيسي، مصطفى البرغوثي على 19.8% من الأصوات، وتوزعت بقية الأصوات
على عدة مرشحين آخرين. واللافت للنظر، بعكس معظم انتخابات العالم الثالث، أن أحداً
من المرشحين لم يطعن في نزاهة الانتخابات. أكثر من ذلك سارع الخصوم، وفي مقدمتهم د.
مصطفى البرغوثي، بتهنئة محمود عباس على نجاحه. واعتبر الجميع أن الفائز الأكبر هو
الشعب الفلسطيني نفسه. فقد كانت أنظار العالم أجمع مسلطة عليه خلال الأسابيع التي
سبقت وصاحبت الانتخابات. وكما أدار هذا الشعب لحظات الحزن والحداد على رحيل زعيمه
التاريخي ياسر عرفات (أبو عمار) فقد أدار الحملة الانتخابية لاختيار خليفته، بنفس
المسئولية والاقتدار وحظى هذا الشعب المكافح بالمزيد من إعجاب العالم. وهكذا تحقق
للحكومة أو السلطة الفلسطينية الجديدة شرطان هامان من الشروط الضرورية للشرعية وهما
التوافق على صيغة اختيار القيادة، والرضا العام عن النزاهة والأمانة في تطبيق قواعد
وآليات هذه الصيغة. أي أننا هنا بصدد شرعية جزئية، أو شرعية منتقصة!. ويبقى لكي
تكتمل أن تستطيع القيادة أن تحرر الأرض الفلسطينية (الضفة والقطاع) من الاحتلال
الإسرائيلي، وأن تبسط عليها سيطرتها، أي سيادتها، وتفرض احترام القانون والنظام
والأمن العام. ويعني ذلك عملياً السيطرة على العناصر والفصائل المسلحة، التي كانت
تقاوم الاحتلال وفي مقدمتها تنظيم حماس والجهاد وكتائب الأقصى. والمعضلة التي
ستقابل الرئيس الجديد هو أن هذه الأخيرة لن تضع سلاحها إلا بزوال الاحتلال، وهذا
الأخير لن يخرج من الأراضي الفلسطينية إلا بعد أن تسيطر السلطة الفلسطينية المنتخبة
على كل الفصائل المسلحة، ووقف كل عملياتها. أنها كلاسيكية "البيضة والدجاجة" وأيهما
يأتي أولاً!
ولأن الأمر ليس في يد السلطة الفلسطينية المنتخبة وحدها، ولكن في
يد إسرائيل أيضاً، وبنفس القدر أو أكثر، فلا بد من التعاون والتنسيق لا فقط بين
الطرفين ولكن أيضاً مع طرف ثالث على الأقل وهو تنظيم حماس، أكبر التنظيمات المسلحة
خارج فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية ولكن لا إسرائيل ولا السلطة الفلسطينية تريد
اشراك حماس في أي ترتيبات عملية طويلة الأمد، حتى لا تكتسب بدورها شرعية مستقلة
خاصة بها، تجعل منها لاعباً مستقلاً! وهذا هو التحدي الكبير الذي ينتظر الرئيس
الفلسطيني الجديد. وربما لن يكون أمامه في النهاية إلا أحد خيارين، أحلاهما مر:
اقتسام السلطة مع حماس، التي لم تخض الانتخابات، أو استخدام القوة لإخضاع حماس
لإدارة السلطة الشرعية المنتخبة. وحتى هذا الخيار، رغم مرارته، ليس مضمون النجاح.
فإسرائيل نفسها، ورغم كل بأسها العسكري، لم تستطع القضاء على حماس.
وهكذا، رغم الفرحة التي صاحبت الانتخابات الفلسطينية، وما أضفته
من شرعية على قيادة محمود عباس، إلا أن الفلسطينيين وإسرائيل والعالم يجدون أنفسهم
في نفس المربع الأول من جديد. ولن يكسر هذه المعضلة دون حرب أهلية إلا جلاء
إسرائيلي من الضفة والقطاع أو الانصياع الطوعي من جانب حماس لإدارة السلطة
الفلسطينية المنتخبة. وكلاهما لا يبدو محتملاً في المدى المنظور. هناك بالطبع معجزة
الرأي العام الإسرائيلي والفلسطيني والعالمي للضغط على شارون وعلى حماس لإعطاء
القيادة الفلسطينية المنتخبة فرصة تثبت أقدامها فيها، وذلك بالامتناع عن أي عمليات
استفزازية تثير دائماً ردود فعل غاضبة من هذا الطرف أو ذاك. ويكون الخاسر الأكبر
دائماً هو عملية السلام نفسها في المقام الأول والشعب الفلسطيني في المقام الثاني،
والشعب الإسرائيلي في المقام الثالث.
أما الانتخابات في العراق، فهي أيضاً ممكنة رغم الاحتلال ولكنها
مثل الانتخابات الفلسطينية، ستقدم فرصة بإضفاء الشرعية على من سينتخبون ولكن تسوية
المسألة العراقية تحتاج إلى ما هو اكثر من الشرعية. وهو أمر تستحق الخوض فيه إلى
مقال آخر والله أعلم.