مفالات د. سعد الدين إبراهيم

الانتخابات رغم الاحتلال: العراق

 
أصبحت الانتخابات هي الأسلوب الأمثل لإدارة الصراعات الاجتماعية ـ السياسية سلمياً، خاصة إذا تمت بنزاهة تحت رقابة مستقلة ومتابعة دولية. ومثل هذه الانتخابات أشبه ما تكون بدوري كرة القدم الذي يتنافس فيه فرق الأندية الرياضية دورياً. وربما كان سر حماس الجماهير ـ عندنا وعند غيرنا ـ لهذه الرياضة هو الإثارة والندية والمنافسة التي تحكمها قواعد صارمة، تحترمها الفرق المتنافسة. وقد وصلت الأحزاب السياسية في البلدان الديمقراطية العريقة لنفس المستوى من الاحتراف والندية، الذي جعل الانتخابات فيها بنفس الإثارة، كما في مسابقات دوري كرة القدم. كل ما هنالك من فروق هو أن دوري كرة القدم يكون في العادة سنوياً، بينما هو في السياسة يكون كل أربع أو خمس أو ست سنوات.
والانتخابات هي أيضاً الأسلوب الأمثل لفرز وتفريخ القيادات، وتدوير النخب الحاكمة. وهي بهذا المعنى تحدد الحياة السياسية للمجتمعات الديمقراطية، التي قلما تبقى على قياداتها العليا في قمة الدولة أكثر من عشر سنوات متتالية. وبهذا المعنى أيضاً فإن كل انتخابات تنافسية تنطوي على خلق فرص جديدة لحل المشكلات، وخاصة المزمنة منها. كما أنها تكسر الجمود وتفتح الباب للخروج من المآزق التاريخية.

وقد تناولنا في مقال سابق كيف أن الانتخابات الرئاسية الفلسطينية التي تمت في 9/1/2005 ـ كانت نزيهة بشهادة مراقبين دوليين (مركز جيمي كارتر) وعرب (مركز ابن خلدون) ـ رغم وجود الاحتلال الإسرائيلي. وتنطبق عليها الملاحظات السابقة فهي أفضل الطرق لإدارة الصراعات الفلسطينية، وأحسن الأساليب لفرز قيادات جديدة (محمود عباس، ومصطفى البرغوثي)، وللخروج من المأزق الذي تجمدت فيه العملية السلمية منذ كامب ديفيد (2000) وانتفاضة الأقصى، ثم رحيل ياسر عرفات (نوفمبر 2004). باختصار الانتخابات تقدم فرصاً، ولكنها لا تضمن نتائجاً.
نفس الشئ ينطبق على الانتخابات العراقية المتوقعة في 31/1/2005 فرغم كل التحفظات والمخاوف التي تحيط بها، إلا أن الفرص التي تقدمها تلك الانتخابات، تنطوي في رأينا على إيجابيات أكثر. فلنبدأ بالتحفظات والسلبيات.

 التحفظ الأول: عدم جواز عقد الانتخابات في ظل الاحتلال الأجنبي. وهذا تحفظ وجيه من حيث المبدأ، خاصة إذا كان هذا الاحتلال ضد عقد هذه الانتخابات أو ينوي التدخل في مجرياتها، وبالتالي لا تتوفر لها النزاهة أو الأمانة الموجودة. ولكن هناك سوابق تاريخية عديدة، تم فيها عقد الانتخابات، رغم وجود الاحتلال ـ مثلما حدث في ألمانيا والنمسا واليابان وإيطاليا في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية. بل أن مصر تمت فيها أول انتخابات نيابية طبقاً لدستور 1923. وشهدت العراق نفسها أول انتخابات نيابية في ظل أول دستور حديث لها وهو دستور 1925. وكان هذا وذاك في ظل الاحتلال البريطاني للبلدين. وحدث نفس الشئ في كل من سوريا ولبنان في ظل الاحتلال الفرنسي. والشاهد هو أن مثل هذه الانتخابات تتم في المرحلة الأخيرة من أي احتلال توطئة لتسليم السلطة من أيدي الإدارة الأجنبية إلى أيدي سلطة تملأ الفراغ فإن الفوضى ستنتشر، ويسود العنف وعدم الأمان. وفي حالة العراق الآن، فإن كل المؤشرات تقول أن الاحتلال الأنجلو ـ أمريكي يريد ويدعم إجراء الانتخابات حتى يجد لنفسه مخرجاً يحفظ ماء الوجه ـ بعد أن تصاعدت نفقاته المادية وخسائره البشرية بصورة غير متوقعة بعد سقوط نظام صدام حسين (9/4/2003). هذا فضلاً عن أن الرقابة الدولية كفيلة بمنع أو تقليص أي تدخل في العملية الانتخابية نفسها.

التحفظ الثاني: عدم إمكانية عقد الانتخابات في ظل الحالة الأمنية غير المستقرة حالياً في العراق. وهذا تحفظ هام. فكيف يأمن أي مواطن على حياته حين يغامر على التوجه إلى مركز الاقتراع، وهو يشاهد بنفسه أو من خلال وسائل الإعلام عن حوادث التفجيرات اليومية على الطرق الرئيسية، وداخل المناطق الحضرية المكتظة بالسكان؟ بل كيف له أن يخاطر وقد تلقى التحذيرات والتهديدات ممن يطلقون على أنفسهم "المقاومة"، والتي طلبت من العراقيين أن يقاطعوا الانتخابات؟ وحقيقة الأمر حول هذا التحفظ هو أنه جاد للغاية، وجاد للغاية في مناطق بعينها في العراق، وليس في مناطق أخرى وحسبما تشير دراسات واستقصاءات الرأي العام فإن المناطق التي تسكنها أغلبية شيعية في الجنوب، وأغلبية كردية في الشمال، نأت بنفسها عن مسلسل التفجيرات، ولا يشعر سكانها بالخوق وعدم الأمان الذي يشعر به المسلمون السنة، والذين يتركزون في العراق في وسط، وحول بغداد. وهؤلاء يكونون حوالي 30% من جملة سكان العراق. ورغم أنهم اقلية عددية، فإن تركزهم في العاصمة وحولها من مدن قريبة ـ مثل الرمادي وتكريث والفالوجة ـ تجعل منهم كتلة بشرية وسياسية وطائفية حرجة، ولأن أغلبية هذه الأقلية هم من العراقيين العرب السنة. فإن غيابهم أو مقاطعتهم للانتخابات لا بد وأن يقلل من شرعية هذه الانتخابات وعلى كل ما يترتب عليها، ولكن الإذعان لمطالب هذه الكتلة الحرجة، أو لمن يتحدثون باسمها، يدخل تحت مسمى الابتزاز السياسي، الذي قد لا يقف عند حد ما خاصه إذا كان من يمارس هذا الابتزاز هم أكثر من طرف داخل نفس المعسكر أو الجماعة. من ذلك أن بعض الأطراف السنية، داخل هذه الكتلة الحرجة، لا يريد الانتخابات أو الديمقراطية أصلاً. ويبدي علنية أنها لا تصلح للعراق، الذي يحتاج في رأيهم إلى حاكم قوي الشكيمة، يستطيع أن يسيطر على البلد، ويحفظ الأمن والنظام. وهناك داخل نفس الكتلة من يدّعون أنهم مع الانتخابات والديمقراطية، ولكن بعد تحرير العراق ـ أي بعد جلاء قوات الاحتلال الأجنبية. وهذا الطرف لا يقدم تصوراً لكيفية إنجاز هذا التحرير أو الجلاء لهم إذا كان يضع كل أوراقه في سلة "المقاومة المسلحة"، رغم أن المتحدثين عن هذا الطرف لا يفعلون ذلك علانية، وهو ما يأخذنا إلى التحفظ الثالث.

 التحفظ الثالث: عدم ملائمة التوقيت. هناك عراقيون كثيرون، وإن لم يكونوا أغلبية، يتحفظون على موعد إجراء انتخابات الجمعية التأسيسة التي ستضع الدستور، وهو يوم 30/1/2005. فقد تم تحديد هذا التاريخ بواسطة سلطة الاحتلال، وفي ضوء أن صلاحية الحكومة المؤقتة التي يرأسها السيد/ إياد العلاوي تنتهي اليوم التالي 31/1. وينادي المتحفظون على هذا التوقيت، أولاً بتأجيله لعدة شهور وحبذا لو اقترن هذا التأجيل بإعلان جدول زمني لجلاء قوات الاحتلال عن التراب العراقي، حتى لو كان يستغرق عدة شهور بعد إجراء الانتخابات وفي رأي هذا الكاتب أن التحفظ الثالث هو تحفظ وجيه، وأن ما ينطوي من علاج هو أمر ممكن، وحبذا لو قام به حكومة علاوي وسلطة الاحتلال.

وفي كل الأحوال وحتى لو لم يؤخذ بالاقتراحات البديلة في التحفظ الثالث فإن إجراء الانتخابات في الموعد المقرر (30/1/2005)، هو شئ إيجابي في مجمله، وسيكسر المسلسل الدموي، الذي بدأ منذ الاحتلال الأنجلو ـ أمريكي في مارس 2003. حيث إن عقد الانتخابات حتى لو قاطعتها بعض الأحزاب العراقية ستعطي تحولات إيجابية في المشهد العراقي وستعطي إنفراجة الأزمة العراقية، فرصة لمراجعة الذات. وفي يقين كاتب هذه السطور أن تلك الأزمة ستدخل طريقها إلى الإنفراج عقب إجراءاتها، وذلك في ضوء الاعتبارات التالية:

أولاً: أن القوى المعادية للديمقراطية والتي دعت لمقاطعة الانتخابات، وهددت الذين يشاركون فيها، ستكون قد هزمت معنوياً، ما دامت نسبة المشاركة تتجاوز الخمسين في المائة ممن يحق لهم التصويت. وهذا الحد الأدنى يبدو لنا مؤكداً ضوء المناطق المؤمنة في شمال العراق وجنوبه، وأجزاء من وسطه.

ثانياً: إن أي ترتيبات سياسية دستورية تتم بعد تلك الانتخابات ستكتسب "شرعية" لم تتوفر من قبل، لا لنظام صدام حسين، ولا للحكومة المؤقتة التي أعقبت سقوط صدام حسين، لشبهة أنها كانت صنيعة احتلال أجنبي. وبالقطع ستكون هذه الترتيبات أكثر شرعية من القوى المعارضة والتي لم تشارك في الانتخابات أو اكتفت بالرفض أو استخدام العنف، والذي حصد إلى تاريخه من أرواح العراقيين أكثر مما حصدة جنود الاحتلال الأمريكيين.

ثالثاً: إن ترتيبات ما بعد الانتخابات ستعطي الولايات المتحدة والمتحالفين معها ما يحفظ ماء الوجه بما فيه الكفاية لكي تسحب قواتها من العراق، يرون أن تبدو مهزومة. وبهذا الانسحاب، يمكن للقوى المناهضة أن تدعي أيضاً أن "مقاومتها" كانت السبب المباشر لهذا الانسحاب.

رابعاً: تعطي ترتيبات ما بعد الانتخايات فرصة مماثلة للأنظمة الحاكمة في دول الجوار لكي تخرج من مأزق معارضتها للاحتلال الأمريكي والعجز عن مقاومته عسكرياً، ومأزق معارضتها للديمقراطية والعجز عن أن تجاهر بذلك مباشرة فحتى إذا استقر خوف هذه الأنظمة من الديمقراطية، فإنها يمكن أن تتظاهر بأنها تقبل من يرتضيه العراقيون لأنفسهم.

خامساً: أن الشيعة في العراق وهم الأغلبية أصحاب المصلحة الأولى في الديمقراطية، لأنها ستمكنهم من المشاركة العادلة في السلطة لأول مرة بعد طول حرمان. وفي نفس الوقت أظهرت قياداتهم الروحية ممثلة في آيات الله العظمى على السيستاني، قدراً عالياً من المسئولية الوطنية وضبط النفس في مواجهة استفزازات العناصر المناوئة للانتخابات وللديمقراطية، والتي استهدفت بعملياتها الإرهابية والانتحارية قيادات شيعية مرموقة. وفي يقين هذا الكاتب أن نفس النهج الحكيم للسيستاني قبل وبعد الانتخابات هو الحصانة الأولى ضد انزلاق العراقيون إلى آتون حرب أهلية، وضد تقسيم العراق.

وختاماً، ربما يكون لدى العرب في مطلع عام 2005 بشائر الاستقرار والسلام والديمقراطية. ففي فلسطين تمت انتخابات رئاسية رغم الاحتلال الإسرائيلي. وفي السودان تم توقيع اتفاق للسلام بين الشمال والجنوب. وها هي العراق هلى وشك عقد انتخابات رغم وجود احتلال أجنبي لقد كانت هذه البلدان الثلاث جراحاً مفتوحة تنزف دماً في قلب الوطن العربي. وربما لا يتوقف نزيف الدماء تماماً في عام 2005، ولكن كل الشواهد تشير إلى بدأ التئام هذه الجراح. فكيف والحال على هذا النحو يخرج عن صوت ينذر بأن عام 2005 سيكون عام "الفزع" للأمة العربية!، فلا حول ولا قوة إلا بالله!.
 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية