مقالات د. سعد الدين إبراهيم

خمسة أسباب لعدم إعادة ترشيح الرئيس مبارك


10/5/2005

رغم تزايد الأصوات التي تقول "لا للتجديد"، و "لا للتمديد"، و "لاللتوريث"، ورغم ارتفاع نبرة هذه الأصوات، وخاصة على لسان "الحركة الشعبية للتغيير"، التي أصبحت معروفة في مصر والعالم الآن باسم حركة "كفاية" إلا أن أحداً لم يفصح صراحة عن أسباب الاعتراض على استمرار الرئيس مبارك في موقعه كرئيس لجمهورية مصر العربية. لقد افترض الجميع أن أسباب وحيثيات الاعتراض معروفة، ولا تحتاج إلى مزيد من الإفصاح والإعلان. وربما قنع معظم المعترضين بتعبير "كفاية"، التي تلخص للكثيرين هذه الحيثيات. فالكلمة تنطوي على معنى أن حوالي ربع قرن في الرئاسة، وقبلها ست سنوات كنائب للرئيس (1975-1981)، أي ما مجموعه ثلاثين سنة، يكفي وزيادة على أي شخص، مهما كانت كفاءته، وربما يكون ذلك صحيحاً بشكل عام. ولكنه في حد ذاته ليس شرطاً ضرورياً لمطالبة حسني مبارك بالرحيل من القصر الجمهوري. ولكننا في هذا المقال نورد تحديداً الأسباب الواضحة والصريحة لمطالبة الرجل بالتخلي طواعيه عن هذا المنصب.

*السبب الأول: تقدم العمر. لقد أكمل الرئيس مبارك السابعة والسبعون من عمره. ومع تمنياتنا له بطول البقاء، إلا أنه قد تجاوز الصلاحية للخدمة العامة. فإذا كانت قوانين الدولة المصرية تحيل موظفيها إلى المعاش في سن الستين عادة، وفي سن الخامسة والستين استثناءاً. والسابعة والستين لأعضاء القضاء العالي، فإن الرئيس مبارك قد تجاوز كل هذه الأعمار، بما في ذلك استثناء الاستثناء، بعشر سنوات على الأقل.

* السبب الثاني: تدهور الصحة. قد يقال أن المنتخبين للمناصب العامة لا يخضعون لقواعد المعاش التي يخضع لها الموظفين الحكوميين. وهذا صحيح في البلدان الديمقراطية فعلاً ولكن الرئيس مبارك ونحن جميعاً ندرك أن ذلك لا ينطبق بعد على الحالة المصرية إلى تاريخه، فقد تم وصول الرئيس مبارك إلى منصبه "بالاستفتاء"، وليس بالانتخاب الحر المباشر الذي يُعطي المواطنين فرصة الاختيار بين أكثر من مرشح. هذا فضلاً عن أنه في البلدان الديمقراطية الحقيقية، هناك قدر هائل من الشفافية حول كل ما يتعلق بأولئك الذين يتصدون للمواقع والمناصب القيادية التنفيذية، وخاصة منصب رئيس الجمهورية، أو رئيس الوزراء. ومن ذلك ما يتعلق بصحته، وثروته. أما في مصر المحروسة، فقد أحيط منصب رئيس الجمهورية ليس فقط بالهالة والاحترام الواجبين، ولكن أيضاً بالسرية والغموض الغريبين. فبينما يقدم المرشح لمنصب رئيس الجمهورية في فرنسا والولايات المتحدة على فحوص طبية عامة، وتصدر بنتائجها شهادات من الجهات الطبية المختصة، حتى يكون الناخبون على علم تام بحالة المرشح قبل اختياره، يظل الأمر عندنا أشبه بالأسرار العسكرية. فنحن لم نعلم باعتلال صحة الرئيس مبارك إلا عندما أصيب بحالة إغماء أثناء افتتاحه للدورة البرلمانية الجديدة في 17 نوفمبر 2003، وخاصة وأن ذلك حدث أمام الأعضاء وكاميرات التليفزيون، ولم يعد ممكناً التستر على الأمر ثم حدث نفس الشيء بعد ذلك بعدة شهور، حينما علم المصريون من الإذاعات الأجنبية أولاً، ثم بعد ذلك بعدة ساعات من مصادر مصرية أن الرئيس في رحلة علاج مفاجئة إلى ألمانيا، حيث أجريت له جراحة دقيقة في العمود الفقري. إن الصحة والمرض هي أمور تسري على كل البشر، وكذلك الموت علينا حق. ولكن إحاطة الرئيس مبارك لكل ما يتعلق بشخصه وصحته بهذا القدر الهائل من السرية والكتمان أعطى فرصة لانتشار الشائعات حول صحته وحقيقة مرضه أو أمراضه. ولن يجدي الكشف عن الحقيقة لوقف الشائعات الآن، حيث أن الناس لن يصدقوا أي رواية رسمية. الشيء الوحيد الذي ربما يصدقوه الآن هو أن يعلن الرئيس مبارك عدم ترشيحه لفترة خامسة.

* السبب الثالث: تصلب الشرايين السياسية. يرتبط بتقدم العمر واعتلال الصحة، ما يسميه الأطباء بحالة يطلقون عليها تصلب الشرايين حيث تصاب قنوات تدفق الدم إلى القلب أو المخ بانسداد جزئي، يؤثر على الصحة العامة للشخص بما في ذلك القدرة على التفكير السليم وقديماً قالوا "العقل السليم في الجسم السليم". ولكن المشكلة في حالة الرئيس مبارك تتجاوز الآن شخصه وجسمه وعقله، وتؤثر على النظام السياسي القائم بأكمله. فقد تصلبت شرايين هذا النظام، ولم تعد قادرة على ضخ ما يكفي من الدماء ـ أي الأفكار الجديدة ـ إلى المخ، أي مركز السيطرة على الجسم السياسي المصري، فليس الرئيس مبارك وحده هو الذي تجاوز عمره الخامسة والسبعين ولكن أيضاً معظم مستشاريه ومساعديه، ورؤساء تحرير صحفه اليومية، ورئيسا مجلسا الشعب والشورى. ولأن هؤلاء جميعاً ومن على شاكلتهم عيّنهم الرئيس في مناصبهم منذ سنوات طويله، فهم يدينون له بالولاء التام. وهو من ناحية يشعر نحوهم بالألفة والراحة والمودة، ويطمئن إليهم، بصرف النظر عن قدراتهم وكفاءتهم وأمانتهم.

* السبب الرابع: الاستبداد. إن ارتكاز نظام الرئيس مبارك على "الاستفتاء" (وليس الانتخاب) جعل وزارة الداخلية ـ التي تطبخ انتخابات مجلس الشعب واستفتاءات رئيس الجمهورية ـ أهم عنده من الشعب نفسه. فما دام الرئيس لا يخضع لمسائلة البرلمان، ولا يحتاج لإقناع الناس للحصول على أصواتهم (حيث تقوم وزارة الداخلية بالواجب) فهو يفعل ما يشاء، كيف يشاء، وقت ما يشاء. وهذا في لغة السياسة، هو ما يسمى "بالاستبداد". فإذا لم يكن البرلمان يقوم بواجباته في المراقبة والمحاسبة، وإذا لم تكن لدى الشعب فرصة حقيقية دورية للمسائلة والاختيار، فلماذا لا يتحول الرئيس إلى "فرعون"، أي إلى حاكم مستبد؟ والفرعون في مصر القديمة كان يسمي نفسه "الملك ـ الإله" ـ حيث كانت مشيئته مطلقة! لا راد لها، ولا معقب عليها. وحينما أطلقت الحركة الشعبية للتغيير، شعار "كفاية"، فقد كان ذلك إشارة ضمنية إلى أن ربع قرن من حكم الفرد ـ أي من الاستبداد ـ يكفيه ويكفينا!.

* السبب الخامس: الفساد. الاستبداد يعني فيما يعنيه غياب المراقبة والمسائلة والمحاسبة. ولأن ذلك يبدأ من الرأس، أو الرئيس، فإن كل مساعديه وذويه، يأخذون نفس الصفات ويتحول كل منهم بمرور الوقت إلى صورة مصغرة من الرئيس ـ سواء بعلمه أو دون علمه. أي يصبح كل منهم "فرعون صغير" ـ يفعل في دائرته (الأصغر) ما يشاء، كيف يشاء، وقت ما يشاء. وبهذا المعنى ولهذه الأسباب أصبح الاستبداد والفساد وجهين لنفس العملة. وكلما طال الاستبداد كلما تراكم الفساد وتغلغل في كل مناحي الحياة. وتفوح رائحته حتى تزكم الأنوف. ومرة أخرى، حينما رفعت الحركة الشعبية للتغيير شعارها "كفاية"، فقد كان ذلك تعبيراً صادقاً لا فقط عن الضجر والملل من طول العهد بنفس الأسماء والوجوه، ولا فقط للإدراك أنها شاخت واعتلت، ولا فقط لأنها استبدت، ولكن أيضاً لأنها فسدت وأفسدت الحياة العامة في مصر المحروسة. ولأنه لا الرئيس ولا ذويه ومساعديه خضعوا مره واحدة للمسائلة والمحاسبة خلال ربع قرن، فقد وقر في أعماقهم أن كل ما يفعلونه حق مطلق لهم، وليس "فساداً". وكان آخر تجليات ذلك هو تخصيص التليفزيون المصري (المملوك رسمياً للدولة) سبع ساعات كاملة لحديث الرئيس مبارك مع الإذاعي المعروف عماد الدين أديب في منتصف أبريل. ونشك أن هذا الجهاز سيخصص حتى ساعة واحدة لأي مرشح آخر للرئاسة. أي أن الفساد من طول العهد به يصبح "طريقة حياة" لمن يمارسونه، أحياناً دون وعي، ودون طفرة جفن!.

لهذه الأسباب الخمسة ندعو الرئيس مبارك الإقلاع عن فكرة ترشيح نفسه لفترة رئاسية خامسة، فيكفيه بالفعل أنه أطول رئيس جمهورية في تاريخ مصر، وثالث أطول حكامها خلال الخمسة آلاف سنة الأخيرة ـ بعد رمسيس الثاني ومحمد علي. فرحمة بنفسه وصحته وتاريخه وأسرته، ورحمة بنا وبمصر المحروسة، لا ترشح نفسك يا سيادة الرئيس، مهما حاول المغرضون.

 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية