مقالات د. سعد الدين
إبراهيم
بينما الحكام العرب فقط يتحدثون
الكونجرس وقانون جديد لدعم الديمقراطية
8 مايو 2005
لم تعد الدعوة للديمقراطية مقصورة على الرئيس الأمريكي جورج بوش، ووزيرة خارجيته
كونداليزا رايس، وأساطين السلطة التنفيذية. فقد دخلت السلطة التشريعية ممثلة
بالكونجرس، في ساحة هذه الدعوة. ولمن هم على غير دراية بالنظام الأمريكي، نذكرهم أن
الرئيس هناك. وأي من وزرائه، يمكن أن يقول ما يشاء من التصريحات، أو يخطط ويعلن ما
يريد من السياسات ولكنها تظل مجرد نوايا، وحبراً على ورق، وكلاماً في الهواء، ما لم
يرصد الكونجرس الاعتمادات اللازمة لدعم التصريحات وتنفيذ السياسات. كذلك يستطيع
الكونجرس أن يعرقل أي سياسة لا يرضى عنها بوقف الاعتمادات المرصودة لها. ومن هنا
ينشأ التوازن بين السلطتين. فالإدارة قد تبادر وتقترح، ولكن الكونجرس هو الذي يضبط
الإيقاع، من خلال تحكمه في تخصيص الموارد والاعتمادات وهناك عادة توتر بين السلطتين،
ولكنه لا يصل عادة إلى صراع، حيث أن الكونجرس نفسه يضم ممثلي الحزب الحاكم، الذي هو
حالياً الحزب الجمهوري، وهؤلاء عادة يقفون في صف الإدارة.
في كل الأحوال هناك تطابق نادر هذه الأيام بين الحزبين الكبيرين
في الكونجرس وبين هؤلاء وإدارة الرئيس جورج بوش في مسألة الترويج للديمقراطية،
ونشرها في تلك المناطق من العالم التي لم تتكرس فيها بعد، ومنها العالم العربي
وجمهوريات أسيا الوسطى، وأفريقيا جنوب الصحراء. وآخر تجليات هذا التطابق مشروع
القانون الذي يناقشه الكونجرس (ربيع 2005) والذي أعد مسودته اثنان من مجلس النواب،
أحدهما جمهوري هو فرانك وولف، والآخر ديمقراطي هو توماس لانتوس، واثنان من مجلس
الشيوخ ـ أحدهما أيضاً جمهوري هو جون ماكين والآخر ديمقراطي هو جوزيف ليبرمان.
يؤكد مشروع القانون في مقدمته "أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب
أولئك الذين يسعون إلى الديمقراطية والحريات الأساسية بالوسائل السلمية في أي مكان
في العالم". وهذا تماماً ما كانت تؤكده واشنطن إلى سنوات قليلة مضت، ولكن من أجل
الاقتصاد الرأسمالي الحر، الذي يعتمد على اقتصاديات السوق، أي قوانين العرض والطلب.
ويبدو أن تطوران هامان وراء هذه الأولوية الجديدة، أحدهما أن معركة الأخذ
باقتصاديات السوق قد حسمت في معظم بلدان العالم بما في ذلك روسيا والصين والهند.
والتطور الثاني هو الوعي المتزايد في العاصمة الأمريكية، بأن الناس لا يحيون بالخبز
وحده، حتى لو كان انتاجه على الطريقة الرأسمالية. فلا بد من الحرية والديمقراطية.
وقد تأكد هذا الاقتناع بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، فالمتهمين في هذه الأحداث، جاءوا
من بلدين صديقين للولايات المتحدة، ويأخذان باقتصاديات السوق منذ سنوات طويلة ـ
وهما مصر والسعودية. إذن لا بد وأن هناك شيئ آخر منسيًُ. أن ذلك هو الحرية
والديمقراطية. ودعّم من هذا الاعتقاد أن التقرير العربي للتنمية الإنسانية الذي
يصدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2002-2004) توصل إلى نفس الخلاصة، مع أن
الذين أعدوا التقرير هم خبراء عرب، وليسوا أمريكيين أو أوربيين.
ويجعل مشروع القانون الأمريكي الجديد من الديمقراطية الركن
الأساسي للسياسة الخارجية وفي ضوء التقييم السنوي الذي تقوم به مؤسسة "بيت الحرية"
لدرجة الحرية في كل دول العالم، يلزم القانون حكومة الولايات المتحدة أن تحدد بناء
عليه مستوى علاقاتها وتعاونها ـ بما في ذلك حجم ونوع المساعدات المدنية والعسكرية
والتكنولوجية، والتسهيلات التجارية والاستثمارية.
كذلك يحتوي مشروع القانون على حزمة متنوعة من الشروط والحوافز
لموظفي الخارجية والدبلوماسيين الأمريكيين في الخارج على كل نجاح يحرزونه في هذا
الصدد. وإمعاناً في ذلك نصّ مشروع القانون على استحداث موقع جديد هو نائب لوزير
الخارجية لشئون الديمقراطية، ولتنفيذ بنود القانون، وإعداد تقرير سنوي، تقدمه
الخارجية للكونجرس حتى تتم المتابعة الصارمة، قبل الموافقة على اعتمادات ميزانية كل
عام.
كما نص المشروع على حزمة أخرى من الوسائل المعنوية والمادية لدعم
منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، ودعاة الديمقراطية، والدفاع عنهم حال تعرضهم
للعدوان من الأنظمة الاستبدادية في بلدانهم. من ذلك إنشاء مركز عالمي لشبكة
التنظيمات والحركات الديمقراطية للتنسيق وتبادل المعلومات والخبرات، ويكون مقره في
العاصمة المجرية، "بودابست". أما اختيار هذه الأخيرة، فهو لأنها شهدت أول انتفاضة
ديمقراطية ضد الحكم الشيوعي الشمولي في الكتلة الشرقية، عام 1956، والتي أخمدها
السوفييت بالدبابات، وكان أحد الشباب الذين أفلتوا من قبضته السوفييتية ونظامهم
العميل في حينه، هو توماس لانتوس، الذي لجأ إلى الولايات المتحدة، ثم حمل جنسيتها،
ثم ترشح لعضوية مجلس النواب عن دائرته في ولاية كاليفورنيا. وهو أحد أعضاء الكونجرس
الأربعة الذين شاركوا في إعداد مشروع القانون من أجل تقدم الديمقراطية في العالم.
ورغم مرور ما يقرب من نصف قرن على انتفاضة "بودابست"، إلا أن وقائعها ما زالت حية
في ذاكرته، وهو لا يمل ولا يكل من الحديث عنها، كما لو كانت قد حدثت بالأمس القريب.
ويبدو أن زملاء لانتوس في الكونجرس أرادوا تكريمه وتكريم ذكرى انتفاضة الديمقراطية
في بودابست، فاختاروها مقراً لهذا المركز العالمي للحركات الديمقراطية.
كما ينص مشروع القانون على أن تدعو أمريكا الحكومات والهيئات غير الحكومية في
البلدان الديمقراطية ـ والتي اجتمعت مؤخراً في العاصمة التشيكية "سانتاجر" للدخول
كشركاء في هذه المبادرة، أي أن الذين أعدوا للمشروع هم أكثر وعياً من حكومتهم
الأمريكية بأهمية تعددية الأطراف وبأهمية الشراكة الأوربية خصوصاً، من أجل نجاح هذه
المبادرة، وهو ما لم يحدث، مثلاً في مغامرة حرب العراق، قبل سنتين.
طبعاً حينما يتم إقرار المشروع، ويصبح قانوناً معلناً، واجب
التنفيذ، خلال شهور قليلة، نتوقع ردود الفعل العربية النمطية المعتادة. ستصبح
الحكومات غاضبة، "بأن هذا تدخل في شئون داخلية، من صميم السيادة الوطنية". وستزايد
عليها قوى المعارضة، "بأن ثمة مؤامرة أمريكية جديدة على الوطن والأمة، وأنها ترفضها
بأعلى صوتها، وتطالب حكوماتها برفضها أيضاً، وفوراً". وستعقد مؤتمرات قمة لرؤساء
الطغيان العربي لتنسيق هذا الرفض!.
هذا ما حدث تماماً في أعقاب "مبادرة الشراكة الشرق الأوسطية" التي
أطلقها كولين باول، وزير الخارجية الأمريكي السابق في أواخر عام 2002. ثم حدث نفس
الشئ حينما أعلنت الولايات المتحدة "مبادرة مشروع الشرق الأوسط الكبير"، في أوائل
عام 2004. ودعت مكتبة الإسكندرية إلى مؤتمر حاشد لقوى المجتمع المدني العربية في
منتصف مارس 2004 لتكون مبادرة الإصلاح "بيدنا لا بيد عمرو" (الأمريكاني). ولكن
القمة العربية الرسمية التي اجتمعت في آخر نفس الشهر، الغيت أو تأجلت بعد يوم واحد،
ثم انعقدت بعدها بشهرين. وصدر عنها كلام مرسل وغامض وبعد ذلك بأيام انعقد مؤتمر
لدعاة الديمقراطيى العرب في الدوحة بدولة قطر، في أوائل يونيه 2004. وكان الأكثر
صراحة ومكاشفة وطالب دعاة الديمقراطية في الدوحة "بالإصلاح الشامل"، حتى لو جاء على
ظهر "فيل هندي" بطئ الحركة. والله أعلم.