مقالات د. سعد الدين إبراهيم

الشبكة الدولية لدعم الديمقراطية في مصر

            بمبادرة من مركز ابن خلدون وخمسة عشر من منظمات المجتمع المدني في مصر، تكونت شبكة وطنية لدعم الديمقراطية. كانت بعض هذه المنظمات قد بادرت بمراقبة الاستفتاء على تعديل المادة 76 من الدستور (25/5/2005)، والتي دشّنت أول انتخابات رئاسية تنافسية في تاريخ مصر. كما قامت هذه المنظمات، تحت اسم اللجنة المصرية المستقلة لمراقبة الانتخابات، بتدريب أكثر من ألفي مراقب لمتابعة السباق الرئاسي (7/9/2005). ورغم كل التحفظات المبدئية على العوار الذي صاحب التعديل الهزيل للدستور، والمخالفات الصارخة لمبدأ الانتخابات الحرة والعادلة،  فإن هذه المنظمات رأت فيها خطوة إيجابية، وهي مصممة على أن تعمق وتوسع هذه الخطوة، وتضيف إليها مزيداً من الخطوات وفي هذا الصدد، فلا بد من التنويه بأن اللجنة المصرية المستقلة وثلاثة تحالفات شقيقة تضم فيما بينها ثلاثين منظمة مدنية، نجحت في أن تنتزع حق مراقبة الانتخابات بعد طول رفض، ومعاندة، ومخالفة، من نظام الرئيس مبارك، ومن اللجنة الرئاسية التي كان قد عينها، وحصّنها قانونياً، فتصرفت بطريقة تعسفية في إدارتها للانتخابات، حتى أطلق عليها وعلى رئيسها المستشار ممدوح مرعي تعبير "اللجنة القراقوشية"، تشبيهاً لها بعز الدين قراقوش الذي سام المصريين عذاباً في العصر المملوكي. وكان الإنجاز الثاني الذي حققته منظمات المجتمع المدني هو، أنها وضعف نهاية للمزايدات والابتزازات الفجة باسم "السيادة الوطنية" بشأن الرقابة الدولية. فبعد ما رأته أحزاب المعارضة، من التزوير الفاضح أثناء الانتخابات الرئاسية، فإنها سارعت بالترحيب بالمراقبة الدولية للانتخابات البرلمانية الحالية. وقد بدأت هذه الاستفتاءات بحزب الوفد، على لسان رئيسه د. نعمان جمعة، ثم سرعان ما انضمت بقية أحزاب المعارضة، بما في ذلك حزبي التجمع والناصري من اليسار، وحزبي الغد والأحرار من الوسط، والإخوان المسلمين من اليمين. ولم يبق ممانعاً للرقابة الدولية إلا حزب آل مبارك، وهو الحزب الوطني.

            وإذا أخذنا بالسوابق في هذا الصدد، فإن المبادرة تأتي دائماً من مركز ابن خلدون، ويلعن لذلك من الحكومة والحزب الوطني، والصحف الصفراء وثيقة الصلة بالأجهزة الأمنية والمباحثية. وبعد عدة شهور من استنفاذ كل الشتائم والاتهامات التخوينية "والتكفيرية"، تنضم منظمات المجتمع المدني الأخرى، واحدة بعد واحدة إلى نهج مركز ابن خلدون. ثم بعد ذلك بسنة أو أكثر، تنضم إلى نفس الدعوة أحزاب المعارضة. حدث ذلك في قضايا الإصلاح الديني، والإصلاح التعليمي، ومسألة الأقليات خلال السنوات الإثنى عشر الأخيرة. وكنا دائماً نحذر من أنه ما لم نبادر نحن بالإصلاح، بأيدينا، فقد يفرض علينا الآخرون ذلك. وكانت سلسلة التحذيرات هذه دائماً تحت نفس العنوان: "بيدنا، لا بيد عمرو". وكانت آخر هذه المبادرات "الخلدونية" هو الدعوة إلى الرقابة الدولية لمراقبة الانتخابات. ورغم كل المزايدات "الوطنية السيادية" التي يتخندق خلفها آل مبارك، ورغم ما وجه إلينا من اتهامات فقد مضينا في دعوتنا، ونحن مسلحون بالحجج التالية:

1ـ إن كل البلدان الديمقراطية، سواء الراسخ منها، أو المستحدث، يفتح أبوابه دون خوف أو وجل للرقابة الدولية ـ سواء من خلال الأمم المتحدة، أو الاتحاد الأوروبي، ومنظمة الوحدة الإفريقية، أو من خلال مراكز وشخصيات دولية مرموقة، مثل الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر والمركز الذي يحمل اسمه، بمدينة أطلانطا.

2ـ أن الحكومة المصرية نفسها، كثيراً ما أرسلت وفوداً رسمية للمشاركة في مراقبة انتخابات بلدان أخرى، وقد حدث ذلك في أربعة عشر حالة خلال السنوات العشر الأخيرة، ومنها جنوب إفريقيا، والجزائر، واليمن، وأخرها فلسطين (يناير 2005). ولم تثر أي من هذه البلدان مسألة السيادة الوطنية من قريب أو بعيد.

3ـ إن الأنظمة التي لا تنوي تزوير الانتخابات، تكون هي الأكثر حرصاً على دعوة المراقبين الدوليين ليشهدوا على أمانتها أمام العالم أجمع. فالمشهد في هذه الحالة يكون أشبه بعرس لزواج ديمقراطي شرعي (حلال). أما الأنظمة الشمولية أو السلطوية، التي تكون نتائج انتخاباتها معروفة مقدماً، والتي يتندر مواطنوها بوصفها بالأربع تسعات (99.99%) فهي لا تأبه حتى بمناقشة موضوع الرقابة. فالأمر ليس مطروحاً أصلاً لا في الداخل ولا في الخارج. أما الأنظمة شبه السلطوية، ومنها نظام آل مبارك، فهو حريص على أن يبدو مظهره ديمقراطياً، رغم أن جوهره سلطوياً. وبالحديث المتواتر في السنوات الأخيرة عن صراع أو تنافس بين "حرس قديم" سلطوي، و "حرس جديد" إصلاحي، تجلى في مسألة الرقابة المستقلة على الانتخابات، ومن قبلها تعديل الدستور، القاعدة هي الرفض. وهنا يبدو أن الحرس القديم هو الذي يتحدث. ولكن مع تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية، عن النظام بإصلاح رمزي محدود، هنا أو هناك. فتهلل له وسائل إعلام النظام، ويقال للمصريين صراحة أو تلميحاً أن "الحرس الجديد" قد خاض معركة شرسة في كواليس الحزب الوطني، حتى انتزع هذا "الإصلاح"! لذلك نقول لآل مبارك ومن لفّ لفهم إذا كنتم لا تنون التزوير فلماذا تعارضون أو تخافون الرقابة الدولية على الانتخابات؟ ولماذا تؤكدون على لسان رئيسكم وأمين عام حزبكم بمناسبة وبغير مناسبة أن الانتخابات هذه المرة ستكون نزيهة، وهو ما ينطوي على اعتراف ضمني بأن الانتخابات السابقة لم تكن نزيهة. إنكم بهذا القول كمن ينطبق عليه المثل الشعبي "إن من برأسه جرح لا يكف عن تحسسه".

            وحسناً أثمرت مثابرتنا في الدعوة إلى الرقابة الدولية، التي أصبحت مقبولة من كل القوى السياسية في مصر ما عدا آل مبارك وحزبهم. ولم تنظر اللجنة المصرية المستقلة التي تضم مركز ابن خلدون وأربعة عشر منظمة مصرية شقيقة، فدعت إلى تكوين "شبكة دولية لدعم الديمقراطية في مصر"، ولبت عدة أطراف عربية، وشرق أوسطية، وأوربية، وأمريكية وكندية هذا النداء، واجتمعوا للتداول في مدينة الإسكندرية يومي 21 و22 أكتوبر. ولأن اللجنة المصرية المستقلة، تؤمن بالشفافية مبدأ وممارسة فقد أحاطت السلطات المسئولة علماً بموعد ومكان الاجتماع الأول للمشاركين في الشبكة. وبدلاً من توفير الحماية الأمنية اللازمة لتأمين الاجتماع، فإذا برئيس جلسة العمل الثانية ـ وهو الزميل هشام قاسم، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان يفاجأ بثلاثة مشاغبين يقتحمون قاعة الاجتماع ويقذفون المجتمعون بأبشع الألفاظ، ويتهمون المنظمون بالخيانة والعمالة للخارج. لما لم يذعن هشام قاسم لابتزازهم اللفظي، طالباً منهم بهدوء إما أن يشاركوا بشكل متحضر أو يغادروا القاعة، تحولت عدوانيتهم اللفظية إلى عنف، استدعى تدخل أمن الفندق (متروبول) ورغم إبلاغ الجهات الأمنية بالإسكندرية بما حدث، إلا أنهم لم يأتوا إلى الفندق إلا بعد ساعة كاملة. وحينما أتوا فإنهم رفضوا تحرير محضر بالواقعة! في كل الأحوال أصر المشاركون الأجانب على الاستمرار في الاجتماع، واستكمال مهمة إنشاء وإعلان ميلاد الشبكة الدولية لدعم الديمقراطية في مصر.

            وكان مما قاله أحد المشاركين وهو السيد/ كارل جيرشمان، تعليقاً على المشهد الذي رآه في فندق المتروبول بالإسكندرية "إنني الآن أعرف ماذا يعنيه نظام الحكم شبه السلطوي. فقد سمح نظام مبارك للجنة المصرية المستقلة ومركز ابن خلدون أن تدعو لاجتماع الشبكة الدولية لدعم الديمقراطية وللمشاركين الأجانب بدخول مصر حتى يعطي الانطباع للخارج أنه نظام ديمقراطي منفتح. ولكن لأن الطبع يغلب التطبع، فلم يلبث أن عاد النظام إلى سيرته الأولى بإرسال هؤلاء البلطجية والمشاغبين لإفساد الاجتماع وترويع المشاركين فيه. قد ردد متحدثون من إيطاليا وأسبانيا وتركيا والعراق نفس المعاني التي وردت في حديث زميلهم الأمريكي، وزادوا عليه استرجاع مشاهد مماثلة كانت تحدث في بلادهم في ظل الحكم الفاشستي (الموسيلني وفرانكو) أو العسكري في تركيا، وحكم صدام حسين في العراق.

            المهم ولدت الشبكة الدولية لدعم الديمقراطية في مصر لرصد كل ما يحدث فيها من تطورات إيجابية أو سلبية. وكما صاح السيد/ نيكولاس فيجي لاتادارا عضو الوفد الإيطالي والبرلمان الأوروبي في وجه أحد المشاغبين "إن الديمقراطية في مصر هي أهم من أن تترك للمصريين وحدهم. إنها شأن يهم البشرية جمعاء". وأضاف إلى هذا المشهد التضامني بين شأن دعاة الديمقراطية في مصر ورفاقهم من بقية العالم ظهور المستشار عادل عيد عضو مجلس الشعب عن دائرة العطارين، الخمس دورات متتالية، ليقدم اعتذاراً رقيقاً من القلب، لما بدر عن بعض الأدعياء في مدينة الإسكندرية، وأنه سأل الأمن عن أسمائهم، ولم يتعرف على أي منهم، أي أنهم نكرات، وقال أن أغلب الظن أنهم مدسوسين من أحد الأجهزة، وأن قرينته على هذا الظن، أن الأمن لم يحرر للمعتدين محضراً، ولم يحقق معهم لاقتحام مكان عام، واستخدام العنف، وإتلاف أملاك عامة.

            وسيقوم مندوبون عن الشبكة الدولية بمصاحبة مراقبي اللجنة المصرية المستقلة الخمسة آلاف في المتابعة الميدانية للجولات الثلاث للانتخابات البرلمانية خلال شهري نوفمبر وديسمبر. وسيعرف العالم من خلال هذه المتابعة ما إذا كانت مصر تتقدم على طريق الديمقراطية أم أنها تقف "محلك سر". وإن غداً لناظره قريب.

 

 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية