إما دستور 23... أو نسبة مقاعد للأقباط
تشهد العاصمة الأمريكية واشنطن، خلال الفترة 16-18/11/2005
مؤتمراً عن "الأقباط والإصلاح الديمقراطي في مصر". وكان مؤتمراً مماثلاً قد عقد في
العام الماضي بمدينة زيورخ السويسرية. وقبل الحديث عن القضايا المثارة في المؤتمر،
ينبغي الإجابة على سؤال تردد في الصحافة والشارع السياسي حول الحكمة من عقد مؤتمرات
عن شئون مصرية داخلية، خارج الحدود؟
وبداية، فإن عقد مثل هذه المؤتمرات خارج الحدود، هو تقليد راسخ،
منذ أكثر من قرن وربع. وتحديداً، منذ نظم الشيخان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده،
مؤتمر "العُروة الوثقى" في باريس، أواخر القرن التاسع عشر، واللذان أصدرا بمناسبته
مجلة تحمل نفس الاسم، واستمرت في الصدور، لمدة طويلة بعد ذلك. كانت هموم الشيخان
هي تخلف المسلمين، واستبداد سلاطين آل عثمان، ورفضهم لدعاوى الإصلاح من الداخل،
واستئسادهم على شعوب الإمبراطورية من ناحية وضعفهم واستسلامهم لأطماع الاستعمار
الأوربي من ناحية أخرى. كذلك عقد ماركس، ومن بعده لينين مؤتمرات في لندن وباريس.
وكذلك الزعيم الفيتنامي هوشي منه. إن السياسيين والمفكرين ينظمون مؤتمرات وندوات
وملتقيات خارج الحدود حينما لا تسمح لهم السلطة المستبدة في أوطانهم بهامش الحرية
الضروري للحوار العام حول مشكلات الوطن أو بعض طوائفه. وموضوع الأقباط خاصة، ومسألة
الأقليات عامة، ثبت أن حكومتنا، شأن حكومات عربية أخرى، لا تريد مناقشتها أو
علاجها. بل ولا تريد لأحد من مواطنيها الحديث عنها أو التعامل معها علناً، جهاراً
نهاراً. وكل من جرأ على فتح الموضوع أو مناقشته سرعان ما كانت السلطة أو زبانيتها
يتهمونه بأنه يثير الفتنة، ويهدد الأمن الاجتماعي وبالتالي أمن الدولة. وقد يزجون
بهم في غياهب السجون، كما حدث فعلاً لهذا الكاتب وسبعة وعشرين من العاملين معه في
مركز ابن خلدون (2000-2003).
إن اضطرار بعض أبناء الوطن والأمة إلى عقد مؤتمراتهم بالخارج هو
لأنهم لا يستطيعون عقدها في الداخل. هذا ما حدث لدعاة الديمقراطية العرب حينما
أرادوا ذلك عام 1982، وظلوا عاماً كاملاً يبحثون عن عاصمة أو مدينة عربية واحدة
تسمح لهم بعقد مؤتمر يتداولون فيه أزمة الديمقراطية في أوطانهم. ولما لم تجد
محاولتهم فرصة للنجاح اضطروا إلى الذهاب إلى أقرب جزيرة خارج العالم العربي، وهي
قبرص، لعقد مؤتمرهم في نوفمبر 1983. وهو المؤتمر الذي كان من ثمراته إنشاء المنظمة
العربية لحقوق الإنسان، والتي شرفني مؤسسوها بانتخابي أول أمين عام لها
(1983-1988). وبعد أحد عشر عاماً، حينما استشعر بعض المهمومين منا بمسألة الأقليات
والملل والنحل في الوطن العربي، حاولنا تنظيم مؤتمر على أرض الوطن، وحدث نفس الشيء.
رفضت مصر وبلدان عربية أخرى السماح لنا بعقد المؤتمر على أرض الوطن، فذهبنا إلى
قبرص مرة أخرى، وعقدناه في أواخر مايو 1994.
وقد كتبنا وكتب غيرنا عما يصبوا إليه أبناء الطوائف والملل
والنحل في كل الأوطان، وهو التمتع بالحقوق والحريات التي نصت عليها المواثيق
والعهود الدولية لحقوق الإنسان، بدءاً من الإعلان العالمي (1948) إلى العهد الخاص
بحقوق الأفراد المنتمين إلى الجماعات الوثنية والعرقية واللغوية (1993). وفي السياق
الوطني المصري فإن أكبر وأهم هذه الأقليات هي الجماعة القبطية، ذات الجذور
التاريخية الراسخة، حيث أن الأقباط هم الأصل البشري للمصريين المعاصرين. فهم
ينحدرون مباشرة من أجدادنا في مصر الفرعونية، والذين استقبلوا واحتضنوا الأسرة
المقدسة، ثم بعد ذلك المسيحية بدءاً من القرن الميلادي الأول. وهم الذين حموا
التراث المصري الفرعوني، وأدمجوه في العقيدة المسيحية الجديدة. وبسبب هذا التمسك
بذلك التراث المشترك ـ الفرعوني المسيحي ـ تعرض أقباط مصر لكل ألوان القهر
والتنكيل، واستشهد منهم الآلاف على أيدي المحتلين الرومان، حتى أنهم اتخذوا من عام
248م وهو قمة تضحياتهم الاستشهادية بداية للتقويم القبطي، الذي هو الآن في عامه الـ
1757 ولم يفلح القهر الروماني في إثناء الأقباط عن تمسكهم بمصريتهم أو مسيحيتهم. بل
أصبح المصريون جميعاً أقباطاً واستمروا هم الأغلبية السكانية لمدة سبعة قرون. ومع
الفتح العربي الإسلامي لمصر عام 641 ميلادية، وتحريرها بمساعدة الأقباط من الاحتلال
الروماني ـ البيزنطي، بدأ بعض الأقباط يعتنقون الدين الجديد ـ إما اقتناعاً، أو
إغراءاً، أو عملاً بالممارسة الشائعة وهي أن الناس على دين حكامهم (أو ملوكهم) .
ورغم ما يحض عليه الإسلام من رحمة ومودة واحترام "لأهل الكتاب"، إلا أن ذلك لم
يتحقق دائماً، فقد تعرض الأقباط للتفرقة بين الحين والآخر. وكان الأمر يتوقف على
أمزجة ومصالح وأطماع الحكام والولاة. وكثيراً ما كان هؤلاء يستخدمون الأقباط ككباش
فداء في أوقات الأزمات، لصرف أنظار العامة عن المسئولية الحقيقية لهؤلاء الحكام عن
المشكلات والأزمات.
في كل الأحوال، مع بناء مصر الحديثة، بدءاً من عهد محمد علي في
أوائل القرن التاسع عشر، دخل الأقباط عملية اكتساب المواطنة. وكانت مظاهر ذلك هي
تعيين الأقباط في الوظائف العامة للدولة، والانخراط في الجندية. وكان حمل السلاح
إلى ذلك الوقت من المحرمات على "أهل الذمة". واستمرت مسيرة استكمال المواطنة، حتى
وصلت منتهاها في ثورة 1919، والتي كانت شخصيات قبطية ـ مثل مكرم عبيد وفخري عبد
النور من بين زعمائها، وكان المواطنون الأقباط من أنشط المساهمين فيها، كما سقط
العشرات منهم برصاص الإنجليز، واختلطت دماؤهم بدماء أشقائهم المواطنين المسلمين
وكان ذلك تتويجاً فعلياً لا فقط لاكتمال مواطنة الأقباط، ولكن أيضاً لتدشين حقبة
الليبرالية السياسية في مصر، والتي استمرت إلى أوائل خمسينات القرن الماضي. وقد كان
هذا هو العصر الذهبي لمشاركة الأقباط، في الحياة العامة المصرية. ولعله ليس غريباً
أن هذا هو نفسه العصر الذي نعم فيها بقية المصريين بنفس القدر الوافر من الحريات
العامة. وبانتهاء هذه الحقبة الليبرالية، تقلصت مشاركة الأقباط تدريجياً في الحياة
العامة. ووصل هذا إلى أسوأ مستوياته في المجال السياسي في ظل حكم الرئيس حسني
مبارك، حيث تدنى ترشيح الحزب الوطني الحاكم للأقباط، أقل من نصف في المائة
(وتحديداً مرشحان فقط من مجموع 434 مرشحاً) ممن تقدم الحزب بهم للانتخابات
التشريعية عام 2005. فأين هذا من الحقبة الليبرالية التي كان المرشحون الأقباط
يتراوحون بين 5و10 في المائة من مجموع مرشحي كل الأحزاب.
وبسبب هذا البون الشاسع بين العصر الذهبي الذي كان في الحقبة
الليبرالية ودستور 1923، والعصر الرديء في الحقبة المباركية ودستور 1971. ولعل ذلك
هو ما يفسر رفض الأقباط أثناء إعداد دستور 1923، لتحديد حصة مئوية لهم في مقاعد
البرلمان تتناسب مع حجمهم في إجمالي السكان. لقد كان إحساس الأقباط في ذلك الزمن هو
الاطمئنان والأمان والحرية التي تمكنهم من التنافس المتكافئ في أي انتخابات بصرف
النظر عن ديانة المرشح. وكانوا في هذا محقون تماماً في ذلك الوقت. وكثيراً ما كان
مرشحون أقباط يفوزون، وخاصة عن حزب الوفد، في دائرة لا يوجد فيها أقباط مقيمون
بالمرة.
أما الآن وقد تغيرت الظروف السياسية إلى ما هو أسوأ، وتبدل
المناخ من الحرية والانفتاح إلى الاستبداد السياسي والانغلاق الفكري والتشوه
الثقافي والتزمت الديني، فقد أصبح الأقباط يشعرون بغربة متزايدة في وطنهم. وزاد من
وطأة هذه الغربة مظاهر التعصب في التعامل اليومي حتى من المواطنين العاديين، وذلك
تحت تأثير من يسمون بالدعاة الإسلاميين الذين أفسحت لهم وسائل الإعلام المرئية
والمسموعة مساحات واسعة خلال العقدين الأخيرين ـ مثل الشيخ متولي الشعراوي، ود. عمر
عبد الكافي، ود. زغلول النجار، وغيرهم. وكثيراً ما صدرت عن بعضهم تصريحاً أو
تلميحاً، ما يحض على تجنب أو مقاطعة أهل الكتاب، وذلك بالمخالفة لصحيح الإسلام. وقد
زاد الطين بله، أن نظام مبارك ترك هذه النزعات السلبية تتفاقم. بل واستمر النظام
في تجاهله لمطالب الأقباط، وفي مقدمتها إلغاء "الخط الهمايوني"، وتضمين المناهج
المدرسية تعريفاً بالحقبة القبطية، وبالمشترك بين المعتقدات المسيحية والإسلامية
وبإفساح مساحات معقولة في إعلام الدولة لتثقيف عموم المصريين عن إسهامات الأقباط في
ثقافة مصر واقتصادها وآدابها. إن مثل هذا المنحى هو الكفيل بغرس وتعميق المودة
والمحبة والاحترام المتبادل بين المسلمين والأقباط ـ بدلاً من المجاملات والمعانقات
الظاهرية السطحية بين القيادات الدينية في المناسبات أو عند محاولة تطويق الأزمات
وإطفاء الحرائق.
فإلى أن تتم الاستجابة لهذه وغيرها من مطالب الأقباط العادلة،
لا بد من تعديل الدستور لينص على حد أدنى من مقاعد المجالس المنتخبة تخصص للأقباط،
ولتكن 10 في المائة. وهناك مطالبات مماثلة للمرأة. إن تخصيص حصة لهاتين الفئتين لهو
خير وأبقى من النصوص والممارسات العقيمة بتخصيص نسبة 50 في المائة من المقاعد
للعمال والفلاحين، التي هي بدعة لا يأخذ بها أي دستور آخر في العالم في الوقت
الحاضر. بينما تخصيص حصص مئوية للنساء والأقليات هو ممارسة مستقرة في العديد من
البلدان الديمقراطية.
لا شك أن البعض قد ينزعجون من هذا الاقتراح، وربما يذهبون إلى
أنه يكرس الطائفية. وربما يتذكرون كيف رفض الأقباط مثل هذا الاقتراح قبل ثمانين
عاماً، أي أثناء إقرار دستور 1923 ولكن ليت دستور 1923، وليت الروح الليبرالية التي
صاحبته يعودان إلى مصر المحروسة، وإلا ما كنا قد طرحنا هذا الاقتراح. إن بلجيكا
وهولندا وسويسرا وأسبانيا تأخذ بهذه الممارسة. فضمان المشاركة الحقيقية لكل
المواطنين أهم من الادعاءات الكاذبة بعدم وجود التفرقة الطائفية، وهو الأمر الذي
يهمس به كل الأقباط، ويجهر فقط بعضهم به، ويمارسه الحزب الوطني الحاكم في كل
انتخابات. وإلا كيف نفسر أنه لم يرشح إلا اثنين من الأقباط ـ أي أقل من نصف في
المائة في انتخابات 2005. فلنكف عن الكذب والنفاق والرياء. والله أعلم.