رغم الفضيحة التي فجرتها صحيفة الدستور القاهرية (21/9/2005) بشأن
الإعلام المصري الرسمي حول تصريحات منسوبة لوزيرة الخارجية الأمريكية
عن الانتخابات الرئاسية، إلا أن عدداً من الخبراء والمعلقين المصريين
ظلوا يتعاملون مع الكذبة الإعلامية كما لو كانت صادقة. أي أنهم لا
فقط وقعوا ضحية لضلالة إعلامية، ولكنهم استساغوا هذه الضلالة، فظلوا
فيها سادرين، كما لو كان تصديقها يخدم أو يشبع حاجة نفسية عميقة عند
"أحباء" أمريكا وأعدائها، وعند "أحباء" آل مبارك، وعند كارهيهم على
السواء. وبين الحب والكراهية سواء لآل مبارك أو لأمريكا، ضاعت
الحقيقة. أو بتعبير أدق لم تهمهم الحقيقة، حتى عندما كشفها "الدستور"،
وجعلت منها قصتها الإخبارية الأولى في صفحتها الأولى!
ولأن هذا نمط متكرر في إعلامنا هذه الأيام، سواء كان حكومياً أو
معارضاً، فقد أصبح الأمر ظاهرة مرضية (من المرض وليس من الرضا) تستحق
أن نتوقف عندها، ونسلط الضوء عليها، ونحلل أسبابها النفسية والسياسية
العميقة، علناً نبرأ منها، ونحن بصدد مرحلة ليبرالية جديدة، يحتاج
الحوار فيها إلى الأمانة والتدقيق، لا على التضليل والتهريج. فما هي
القصة، التي كانت أطرافها هي كونداليزا رايس، وزيرة خارجية الولايات
المتحدة، وصحيفة "النيويورك بوست"، ووكالة أنباء الشرق الأوسط
المصرية الحكومية، وصحيفة الأهرام المصرية (الحكومية أيضاً) وبقية
الصحف المملوكة للدولة في قاهرة المعز لدين الله، ثم بقية الصحف
المستقلة وحتى المعارضة في نفس قاهرة المعز، عاصمة مصر المحروسة؟
فكيف بدأت القصة، ثم كيف تسلسلت وتشعبت؟
قام محرروا صحيفة "النيويورك بوست"، وليس "النيويورك تايمز"، بإجراء
مقابلة جماعية مع كونداليزا رايس أثناء توقفها في نيويورك لحضور
الاجتماع السنوي للجمعية العمومية للأمم المتحدة، يوم 15/9، ونشرته
الصحيفة في اليوم التالي، الجمعة 16/9. أي أن الحديث كان بعد
الانتخابات الرئاسية المصرية بثمانية أيام. وكان طبيعياً أن يتطرق
هذا الحديث الصحفي لهذا الحدث الهام. فما الذي قالته وزيرة الخارجية
عن الموضوع؟
"إنني أراقب عن كثب التطورات في مصر، بعد إجراء انتخابات تنافسية.
ولن أقول لكم أن هذه كانت أنزه أو أكمل انتخابات رأيتها. فهي بالقطع
لم تكن كذلك. فهناك عدة أمور لم يقوموا بها. وكان يجب، في رأيي أن
يراعوها ـ ومنها وجود مراقبون دوليون. صحيح أن مبارك فاز بـ 88% من
الأصوات، أو شيء من هذا القبيل. ولكن عليكم أن تعرفوا أنه على الأقل
قام بحملة دعائية. وكان له معارضون. وكان يتوجه يومياً إلى موقعين
مختلفين في مصر ليقوم بالدعاية. وتحدث عن كيف سيغير قانون الطوارئ.
إنه الآن على الخطاف، وعليه أن يفعل ذلك. إنه تغيير في العلاقة بين
الحاكم والمحكومين. لقد أصبح رضاء المحكومين ضرورياً. إن ذلك هو جوهر
ما تغير في مصر. لقد أصبح رضاء المحكومين أمراً جوهرياً في النظام
المصري. أما التغيير الآخر الجدير بالتنويه فهو السجال السياسي. فلم
يكن المصريون في السابق يتحدثون عن مشكلة مثل البطالة. ولكن هذه
المشكلة أصبحت الآن على الصفحات الأولى. وأصبح الناس يثيرون كل
التساؤلات حول الرئاسة وحول الخلافة. أن لديهم انتخابات برلمانية
قادمة. وأعتقد أن مصر هي المكان الجدير بالمراقبة، لكي نتبين ما إذا
كان هذا الاتجاه سيستمر، ويمكن دفعه على الأمام"
كلام الوزيرة الأمريكية متوازن، ولا يختلف كثيراً عما انتهت إليه
تقارير منظمات المجتمع المدني المصرية حول الانتخابات الرئاسية. فقد
كانت حدثاً تاريخياًً، من حيث أنها أول انتخابات تنافسية. ولكنها لم
تكن لا حرة ولا نزيهة. فلماذا لم تكتف وكالة أنباء الشرق الأوسط بنقل
ما صرّحت به الوزيرة نقلاً دقيقاً عن صحيفة النيويورك بوست؟ لقد
أسقطت الوكالة الحكومية كلمة واحدة من التصريح. ولكن إسقاط هذه
الكلمة غيّر معنى التصريح تماماً. وهاكم نص ما قالته كونداليزا عن
الانتخابات: "لن أقول لكم أنها كانت أنزه أو أكمل انتخابات رأيتها في
حياتي". وهاكم ما نقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط، بعد إسقاط كلمة "لن":
"أقول لكم هذه أنزه وأعدل انتخابات رأيتها في حياتي".
اندفعت الصحافة الحكومية، وعلى رأسها الأهرام، ووضعت التصريح المحرّف
في صدر صفحتها الأولى في اليوم التالي. وكذلك بقية الصحف، بما في ذلك
الصحف المستقلة، مثل "المصري اليوم"، التي نعوّل عليها كثيراً لتصحيح
المسيرة الإعلامية المصرية، التي اختلت بشدة في العقود الخمسة
الأخيرة. بل أكثر من ذلك أخذت معظم هذه الصحف ما نقلته الوكالة
والأهرام (كذباً) كما لو كان إشادة وتأييداً بالانتخابات وبآل مبارك.
واعتبروا ذلك، دون تدقيق أو تمحيص، تغيراً كيفياً في الموقف الأمريكي
من قضية التحول الديمقراطي في مصر والمنطقة ـ أي أن هناك تراجعاً في
دعم مسيرة الديمقراطية. بل واندفعت هذه الصحف تسأل "الخبراء" عن سر
هذا "التراجع". وكالعادة أفتى كل "خبير"، دون تدقيق أو تمحيص، بما
تيسر من الأسباب والعوامل "الحقيقية" وراء هذا التغير المفاجئ في
الموقف الأمريكي. فمن قائل أنه تدهور الموقف في العراق. ومن قائل أن
أمريكا تحتاج إلى دور النظام المصري في ضبط الموقف الفلسطيني ـ
الإسرائيلي بعد الانسحاب من غزة. ومن قائل أن أمريكا كانت تخدعنا من
البداية. فهي لا تريد ديمقراطية ولا يحزنون!
فقط لعب الفأر في عباءة محرري صحيفة الدستور، فرجعوا إلى الأصول
والمصادر للتحقق مما قالته كونداليزا رايس حقيقة. وصدق حدس الفئران
التي أقلقتهم يومين متتاليين. فلما حصلوا على نص المقابلة. جعلوا
منها القصة الإخبارية الرئيسية. في الصفحة الأولى لعدد الدستور يوم
الأربعاء 21/9/2005. فهل اعتذرت وكالة أنباء الشرق الأوسط، أو
الأهرام، أو من لف لفهم في تحريف الخبر، بل وحتى اسم الصحيفة التي
نقلوا عنها، هي النيويورك بوست، وليست النيويورك تايمز؟ على حد علمنا،
إلى تاريخ كتابة هذا المقال (9/10/2005) لم تعتذر الوكالة أو الصحف
التي نقلت عنها. ويبدو أن الإعلام الرسمي خاصة والمصري عامة، لا
يعترف بالحديث المأثور "العودة للحق فضيلة". فنادراً ما يعتذر أحد في
إعلامنا، بل وربما في حياتنا العامة قاطبة بخطأ، ارتكبه، ناهيكم عن
الاعتذار عن هذا الخطأ. هذا علماً بأن أرقى الصحف وأكثرها شهرة
وتوزيعاً تخصص مكاناً في صفحتها الأولى أو الثانية من كل عدد تحت
عنوان "تصحيحات"، لبيان ما قد يكون قد وقع في أعداد سابقة من أخطاء
في الوقائع أو الأمكنة أو الأزمنة. ولا يقلل الاعتراف بالخطأ أو
الاعتذار عنه من احترام القارئ. بل العكس هو الصحيح. وهكذا تتدعم
الثقة بين وسائل الإعلام والمتلقين لهذا الإعلام.
إن ما دفعني للكتابة حول هذه الواقعة رغم مرور شهر، هي أنها انطوت
على تضليل مقصود ممن صاغ الخبر في وكالة أنباء الشرق الأوسط، وعلى
إهمال من رؤساء من صاغ الخير، وعلى عدم اكتراث أو تسيب في معايير
الصحف الحكومية التي نقلت عن الوكالة، وفي مقدمتها "الأهرام"، والصحف
المستقلة، بما فيها "المصري اليوم". وأكثر من ذلك أن خبراء ومعلقين
كبار استمروا في التعليق على تصريحات كونداليزا رايس المكذوبة (أي
التي سقطت منها كلمة "لن")، رغم ما كشفته صحيفة الدستور، بإعادة نشر
التصريحات نصياً، وعلى نحو ما فعلنا نحن في مكان سابق من هذا المقال.
ومن ذلك ما جاء في مناسبتين بقلم الصحفي اللامع مجدي مهنا في عموده "في
الممنوع" المصري اليوم، أو ما نشرته في نفس الصحيفة يوم 4/10، بقلم
الكاتب اليساري الكبير، وأمين حزب التجمع حسين عبد الرازق، بعنوان "علاقات
دافئة بين مصر وأمريكا".
إن هذه النزعة لقراءة أو سوء قراءة "الموقف الأمريكي" من النظام في
مصر عامة، ومن قضية الديمقراطية في المنطقة خاصة، لهو ظاهرة تستحق
التأمل والدراسة.
إن هناك ما يشبه النزوة الجماعية بأمريكا عند المصريين ـ من رئيسهم
حسني مبارك، إلى من يقوم بدور أعدى أعدائهم ـ مثل رفعت السعيد. فهم
مشغولون بها ـ مدحاً أو قدحاً ـ ولا يستطيعون أو يرغبون تجاهلها.
ورغم أن ثلثيهم يقولون أنهم لا يثقون في أمريكا، وأنهم لها كارهون،
إلا أن طلباتهم منها لا تتوقف. وقد لخص الكاتب الصحفي الموهوب،
إبراهيم عيسى، في أحد تجلياته هذه الطلبات، فيما يلي، مع بعض التنقيح
من عندنا:
* آل مبارك: يطلبون من أمريكا أن تواصل دعمها المالي والسياسي بلا
شروط وقحة، من قبيل مشاركة المصريين في الحكم. على الأقل إلى نهاية
الرئاسة الثانية لولي العهد (مبارك الصغير)، أطال الله في أعمارهم
أجمعين.
* اليسار والناصريون: يطلبون من أمريكا أن تقلع عن "رأسماليتها"، وأن
تضغط على اليهود أو تقنعهم على حزم حقائبهم والعودة إلى مواطنهم
الأصلية، وتمكين الفلسطينيين من العودة إلى فلسطين، مع تعويضهم بعشرة
ترليون (عشرة آلاف مليار) دولار لبناء دولتهم القوية المستقلة،
وعاصمتها القدس الشريف.
* الإخوان والإسلاميون وبقية الشعب المصري: يطلبون من أمريكا طلبين
بسيطين. أولهما أن تدخل بلادهم في دين الله الحق وهو الإسلام أفواجا،
وثانيهما أن تفتح لهم باب الهجرة على مصراعيه، فراراً من "كفار مكة"،
وليكن الأمريكيون الذين تحولوا إلى الإسلام مؤخراً لهم، كمهاجرين،
أنصاراً.
وبهذه القائمة المختصرة من الطلبات ـ إذا لُبيت ـ سيرضى المصريون عن
أمريكا، وربما حتى يغفرون لها ما تقدم من الذنوب. والله أعلم. ورمضان
كريم