مقالات د. سعد الدين إبراهيم

آمال كاشف الغطاء وعراق جديد
 

نظمت مؤسسة روكفيلر ملتقى للمسلمين الديمقراطيين العرب، ومجموعة من السياسيين والدبلوماسيين والإعلاميين الأمريكيين، في أحد منتجعات المؤسسة، في موقع خلاب في بلدة بيلاجيو، على بحيرة كومو، في إيطاليا، خلال المدة من 28 سبتمبر إلى 2 أكتوبر 2005.
كان موضوع الملتقى هو الإسلام والديمقراطية. وبتحديد أدق كان على المشاركين أن يجيبوا على سؤال رئيسي، وهو هل يتوافق "الإسلام"، كما يفهمه أصحابه اليوم، والديمقراطية، كما يفهمها أصحابها من الأمريكيون؟ ثم كانت هناك أسئلة فرعية أخرى تعرض لها المشاركون في الملتقى ـ من قبيل لماذا يكره العرب والمسلمون الأمريكيين؟ وماذا يريد العرب والمسلمون من الأمريكيون؟ وماذا يريد الأمريكيون من العرب والمسلمين؟
كان المشاركون العرب من العراق وسوريا والأردن وفلسطين ومصر والمغرب. وكان من مصر، إلى جانب هذا الكاتب، المفكر الإسلامي الكبير جمال البنا. وباستثناء المشاركان المصريان، كان بقية المشاركين العرب المسلمين نواباً منتخبين في بلدانهم. أي أن منظمي الملتقى بدعوتهم لهؤلاء النواب المنتخبين، كانوا يردون جزئياً ووجودياً على السؤال الرئيسي للملتقى، وهو مدى وإمكانية توافق الإسلام والديمقراطية. فقد كان أيضاً نصف البرلمانيين العرب من النساء المحجبات. وكانت إحدى هؤلاء البرلمانيات من العراق، وتحديداً من النجف الأشرف، وهى الدكتورة آمال كاشف الغطاء. وهي موضوع هذا المقال.
إذن، لم يكن وجود برلمانيين عرب مسلمين هو في حد ذاته إجابة عملية وجودية دامغة لدحض مقولة التناقض بين الإسلام والديمقراطية، بل أكثر من ذلك كانت حقيقة أن من بينهم برلمانيات نساء ومحجبات دحض لمقولة أخرى تتردد في الغرب كثيراً عن أن الإسلام معاد لمبدأ المساواة بين النساء والرجال، وأنه يضطهد النساء. وحتى لا يظن أن برلمانية من العراق، ربما جاءت تحت تأثير الاحتلال الأمريكي لهذا البلد العربي الإسلامي، فقد كانت البرلمانية الأخرى وهي السيدة جميلة الموصلي من المغرب، في الطرف الآخر من العالم العربي الإسلامي. وكانت هاتان البرلمانيتان المحجبتان من أكثر المشاركين في الملتقى حديثاً وحيوية وانطلاقاً. وقد سافرتا من بلديهما ـ العراق والمغرب ـ إلى أوروبا، دون أن يصطحبهما زوج أو ابن أو شقيق. أي أنهما تنقلتا في بلاد غير المسلمين بلا "محرم" ذكر.
نعم، رغم وجود المفكر الإسلامي المصري الكبير جمال البنا ووجود مفكر إسلامي نابه آخر من سورية، وهو الدكتور محمد الحبش، وهو أيضاً برلماني مستقل في مجلس الشعب السوري، واللذان كانا دائماً جاهزان بالحجج الفقهية والبراهين المنطقية لإجلاء الوجه الإنساني والجوهر المستنير للإسلام أقول رغم وجودهما في الملتقى، إلا أن وجود آمال كاشف الغطاء وجميلة الموصلي بلحميهما وشحميهما، من وراء حجاب (طبعاً) كان هو الأكثر تعبيراً وإقناعاً عن حقيقة "الإسلام" والمسلمين. كلمة سريعة عن جميلة الموصلي المغربية، هي قيادية نسائية من حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) وهي واحدة من ثلاثة عشر نائبة من اللائي انتخبن في نوفمبر 2002 وتستحق الحديث عنها في مقال مستقل في المستقبل القريب.
فماذا عن د. آمال كاشف الغطاء؟
وبداية، ما هي قصة اسم "كاشف الغطاء" هذا؟ تنحدر آمال من أسرة شيعية عريقة من علماء الدين، وكتب أحد أجدادها لأبيها مرجعاً دينياً في الفقه الشيعي الجعفري تحت عنوان "كاشف الغطاء". وكان الاسم الأصلي للرجل هو حسين المهدي. ولكن شهرة كتابه وذيوعه في الديار الشيعية، جعل الخاصة يلقبونه بعنوان كتابه ـ أي حسين المهدي صاحب كاشف الغطاء، ثم أسقط العامة كلمة "صاحب"، فأصبح الرجل هو محمد حسين كاشف الغطاء ـ كان ذلك منذ عدة قرون، وأصبح أحفاده من بعده، ومنهم د. آمال يحملون هذا الاسم العائلي (كاشف الغطاء) ويعتزون به، رغم أنه جلب عليهم في عهد صدام حسين (1968ـ2003) أوخم العواقب.
فمثل كل الأسر الشيعية العريقة كان ذكورها، وخاصة أكبرهم، يقتفوا أثر الأسلاف، بتلقي الفقه الشيعي في أحد الجوازات، ثم يتدرج من "شيخ"، إلى "فقيه" إلى "حجة الإسلام" إلى أن يصبح "آية إسلام"، إلى "آية إسلام عظمى". ولأن آيات الله هؤلاء يتمتعون بتأثير روحي كبير بين جماهير الشيعة، فإن صدام حسين، وهو سني، لم يكن يطيق هذه القيادات الشيعية الروحية، رغم أنهم كانوا تقليدياً زاهدين في السلطة الزمنية، ولا يتطلعون إليها. واستهدفهم صدام، فلاحقهم، ونكل بهم، ونفى بعضهم، وفتك بالبعض الآخر. ولم تسلم أي من هذه العائلات ـ مثل الحكيم، والخوئي، والصدر، وبحر العلوم، وكاشف الصدر من أذى صدام. ويبدو أن هذه العائلات قد تمثلت مأساة الحسين في كربلاء منذ أربعة عشر قرناً، فصبروا وصابروا بإيمانهم وبحبل الله، إلى أن زالت الغمة. لقد كان صدام بالنسبة لهم كما كان يزيد بن معاوية بالنسبة للحسن والحسين.
ولكن حتى إناث هذه العائلات الشيعية العريقة لم يسلمن من الاضطهاد والإيذاء. وتمثل آمال كاشف الغطاء نموذجاً درامياً لهذا الاضطهاد وذاك الإيذاء. فقد اتجهت آمال في دراستها المبكرة نهجاً علمياً، بعيداً عن الدين والفقه الشيعي. وحينما أتمت دراستها الثانوية بتفوق، التحقت بكلية الصيدلة بجامعة السليمانية. وتخرجت بتفوق عام 1966، ومارست الصيدلة لسنوات قليلة قبل أن يقفز حزب البعث إلى السلطة (1968)، ثم يبتلع صدام حسين الحزب والسلطة خلال السنوات الثلاث التالية، ويبدأ مسلسل اضطهاد العائلات والمرجعيات الشيعية في العراق، والذي تضاعف بعد الثورة الإسلامية الخومينية في إيران. وتراءى لصدام حسين كما لو أن كل مرجعية أو قيادة دينية شيعية في العراق هي بمثابة "خوميني" آخر. وضمن هذه الموجة من الاضطهاد، تعرضت أسرة آمال كاشف الغطاء لنصيب محتوم من التنكيل طال والدها، وأحد أشقائها، ثم زوجها وأحد أبنائها. وحينما رفضت آمال أن تنضم إلى حزب البعث، فُرضت عليها الإقامة الجبرية في منزلها، وحُرم عليها ممارسة مهنتها كصيدلية، لأكثر من عشرين عاماً، إلى أن سقط صدام حسين. خلال هذه السنوات العجاف، انصرفت آمال للتصوف والشعر وكتابة الروايات، التي كان أخرها رواية "أجساد مقطعة"، والتي نُشرت في بيروت مؤخراً.
وخاضت آمال معترك الحياة العامة في عراق ما بعد صدام، وكانت أحد المدافعات عن الحقوق المتساوية للمرأة في العراق الجديد.
وخاضت معركة الانتخابات النيابية في يناير 2005، وفازت باقتدار. فمع هذا الوقت كان العراقيون قد سمعوا بقصة صمودها في وجه الطاغوت الصدامي، وما تعرضت له هي وأسرتها من تنكيل ومعاناة.
وحينما تحدثت إلى آمال، ونحن في نزهة بحرية على مياه بحيرة كومو، كنت المح حزناً دفيناً في عينيها، ولكني لم ألمس أي مرارة في صوتها أو كلماتها. وحينما أبديت ملاحظة بهذا المعنى، ردت آمال كاشف الغطاء "بأنه لا وقت لديها للمرارة أو اجترار الآلام، فما تبقى من العمر يكفي بالكاد لوقف نزيف الدم، وتصفية التركة التي راكمها الاستبداد، وإعادة بناء عراق ديمقراطي جديد" وقلت "أن هذا هو أمل كل عربي، ولكن هذا الحلم يتحول مع كل يوم إلى كابوس رهيب". ردت بابتسامة واثقة "لا تحدثني عن الكوابيس... فقد رأيت وعشت مع العراقيين ما هو أقسى منها آلاف المرات. وما دام عندنا أي هامش من الحرية، فسنتغلب على كل الصعاب". قلت "من فمك لأبواب السماء"
والله أعلم.
 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية