مقالات د. سعد الدين إبراهيم

نسخة سهلة الطباعة

الإسلاميون وإنكار الجميل في بلاد الفرنجة


منذ أربعة شهور، كنت أقوم بجولة محاضرات في عدد من العواصم الأوروبية. وأثناء توقفي في العاصمة البريطانية لندن، التقيت بعشرات العرب والمصريين. وكان بينهم عدد من الإسلاميين المقيمين في لندن، اضطراراً أو اختياراً ومن هؤلاء كان السيد أشرف السعد، الذي كان ملأ الأسماع والأبصار خلال عقد الثمانينات، من القرن الماضي.
وللجيل الجديد، الذي قد شب عن الطرق في ذلك الوقت، فقد ابتدع أشرف السعد مغامرة مالية، أطلق عليها شركة الاستثمارات الإسلامية. ومثل كل مبادرة تتمسح بالدين، وتدعي أنها تسير طبقاً لقواعد الشريعة، وتنأى بنفسها عن "الربا"، فقد حظيت مغامرة أشرف السعد باهتمام ملايين المسلمين، وحتى آلاف الأقباط المصريين، بسبب "العائد" المرتفع جداً على الاستثمارات، التي سميت صكوك "مرابحة" أو "مضاربة" والتي كانت تصل إلى ما بين 15و20 في المائة سنوياً، وهو ما كان ضعف العائد (الفائدة) التي كانت تعطيها البنوك التجارية للمودعين على مدخراتهم في ذلك الوقت. لذلك تكاثرت شركات السعد. بسمعتها ضمن عشرات المبادرات التي تحمل لافتات إسلامية ـ مثل "الريان"، و"الهدى"، و"التقوى"، و"الشريف". واستعانت كل منها بمستشارين من كبار المسئولين السابقين، وأقارب المسئولين الحاليين. حتى أن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء كانوا يفتتحون أو يدشنون المشروعات الحقيقية أو الوهمية لشركات توظيف الأموال الإسلامية هذه. وبعد ثلاث سنوات من تصاعد شعبية تلك الشركات، بدأت بنوك الدولة والبنوك التجارية على السواء تشعر بوطأة المنافسة. كما أن الأجهزة الأمنية بدأت تطلق صفارات الإنذار حول احتمالات استخدام الإسلاميون المناهضين لنظام مبارك لموارد هذه الشركات. هنا انبرت الأجهزة الرقابية والأمنية والمصرفية والإعلامية والأزهرية في هجوم خماسي مباغت على شركات توظيف الأموال الإسلامية. وبدأ المسئولون السابقون واللاحقون يبتعدون ويتبرأون من عضوية مجالسها الاستشارية، بما في ذلك من ظهرت أسماؤهم فيما يسمى بكشوف "البركة"، وكانوا يحصلون على 50% عائد على أي مبالغ حقيقية أو وهمية يودعونها في هذه الشركات.
وخلاصة القصة أن الحكومة سنت على عجل تشريعاً يقضي بتحريم وتجريم شركات توظيف الأموال، واستولت على أرصدة وأصول هذه الشركات، والتي لم تكف لرد إيداعات عشرات الآلاف من المتعاملين معها من المواطنين العاديين. أما أصحاب هذه الشركات، فقد أودع بعضهم السجون، وفر بعضهم الآخر إلى الخارج، ومنهم "الشيخ" أشرف السعد، الذي تحدث إلىّ في لندن في أواخر شهر مايو. واعترف هذا الشيخ الشاب المغامر بأخطائه في الدعاية لشركته وفي إدارتها. ولكنه أصر على أنه لم يكن لصاً ولا نصاباً، وأنه كان يمكن له أن يرد أموال كل من تعاملوا معه لو طلبوا هم أو طلبت الحكومة ذلك. كما باح الرجل بأسماء كل المسئولين الكبار الذين خدمهم، والذين ساعدوه بدورهم على الفرار من مصر، واللجوء إلى لندن، حيث يقيم الآن.
وقد فاجأني الشيخ أشرف السعد، حينما سألته عن أحواله، أنه قال أنه "سعيد في مكة". وحينما استوضحت منه ما اعتقدت أني سمعته، أكد لي أن "لندن هي مكته"، حيث تصان فيها آدميته، وحياته وإيمانه بإسلامه، وهو ما لم يهنأ به في قاهرة المعز". وسألته عما إذا كان مستعداً أن أنقل عن لسانه هذه العبارة... فأجاب على الفور "بنعم"، وأضاف، ويمكن أن تنقل عن لساني أيضاً "أنني أعتبر واشنطن بمثابة المدينة المنورة". وكان هناك شهود مصريين على هذه الواقعة، منهم رجل أعمال معروف ومهندس استشاري مشهور.
ولكن لم يكن كل من صادفتهم من الإسلاميين اللاجئين إلى لندن بصراحة وأمانة الشيخ أشرف السعد، الذي كان ممتناً للجميل الذي أسدته له بريطانيا وأهلها. كان هناك إسلاميون آخرون، يحتلون مواقع في مساجد لندن، وينفثون منها كل ما يمكن تصوره من الكراهية والعدوانية ضد غير المسلمين في بلاد الفرنجة عموماً، وفي بريطانيا خصوصاً، ومنهم المدعو أبو حمزة المصري، وأبو قتادة اليمني، وابو القعقاع الأردني الذين لم يتوقفوا طوال سنوات عن التحدث بعنجهية، كما لو كانوا غزاة فاتحين منتصرين على "الإنجليز الكفار"، وليس كلاجئ مشرد، فار، من العدالة في بلده الأصلي، فآوتهم بلاد الفرنجة من برد، وأطعمتهم من جوع. ومع ذلك لم يمتنوا لكرم الوفادة، ولم يحترموا تقاليد ومشاعر البلد المضيف.
وربما كان خطاب المقت والكراهية الذي روج له الإسلاميون في الداخل والخارج، هو المسئول عن تفجيرات نيويورك (2001)، ثم بالي (2002)، ثم الدار البيضاء (2003)، ثم مدريد (2004، وأخيراً لندن وشرم الشيخ (2005). وكانت تفجيرات لندن خصوصاً، والصدمة التي نتجت عنها، هي ما دعا الرأي العام البريطاني إلى مطالبته لحكومته بإعادة النظر في السياسة البريطانية نحو فتح الأبواب للاجئين السياسيين الأجانب. وقد رضخ توني بلير، رئيس الوزراء، لهذه الضغوط، فبادر بمشروع قانون، أقره مجلس العموم (البرلمان) على الفور، ويعطي الحكومة سلطة ترحيل اللاجئين الذين يبثون الكراهية، إلى خارج بريطانيا، وإعادتهم على مواطنهم الأصلية.
هنا، وهنا فقط، بدأ الهلع يصيب الإسلاميين، لا فقط للخروج من "الجنة البريطانية" ولكن لاحتمال القذف بهم إلى "جهنم أوطانهم" التي كانوا قد هربوا منها. وفجأة اكتشفوا، أو أعادوا اكتشاف، كم هي "حرة" و "عادلة" بلاد الفرنجة مقارنة "بدار الإسلام"! أي أن الإسلاميين، في لحظة الحقيقة وظهورهم للحائط، أدركوا كم كانوا جاحدين لجميل بلاد الفرنجة، وأن القضية ليست قضية مسلمين وفرنجة، ولكنها قضية ديمقراطية مقابل الاستبداد، وأن ما ينبغي رفضه حقيقة، فهو ليس الفرنجة، ولكن الاستبداد، حتى لو كان هذا الاستبداد يمارسه "أخوتنا في الإسلام"، وحتى لو كان من نلجأ إلى ديارهم فرنجة غير مسلمين، ما دامت تحكمها أنظمة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، بصرف النظر عن أديانهم وألوان جلودهم.
وما ينطبق على المشهد البريطاني ينطبق على الساحات الأوربية الأخرى، من إيطاليا إلى أسبانيا وألمانيا وهولندا والبلدان الإسكندنافية. وقد استقبلت هذه البلدان مئات الآلاف من العرب والمسلمين، خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وكان معظم هؤلاء لاجئون سياسيون أو مهاجرون أو طلاب علم. وظلوا هناك وتوالدوا وتكاثروا، إلى أن وصلت أعدادهم إلى ما يزيد عن عشرة ملايين. بل وأصبح عدد المسلمين في أوروبا يضعهم في المرتبة الثانية بعد المسيحيين، وقبل اليهود، الذين تقهقروا عددياً إلى المركز الثالث، رغم أنهم استوطنوا وعاشوا في أوروبا منذ أكثر من عشرة قرون، بل وقبل ظهور الإسلام في الجزيرة العربية.
إن إقبال مسلمون شباب من الجيل الثاني، الذي ولد ونشأ في بريطانيا على تفجيرات لندن يوم 7/7/2005، كان مؤشراً خطيراً على عطب في تنشئة هؤلاء الشباب دينياً وأخلاقياً وإنسانياً. وقيل في تفسير ذلك العطب أن الإسلاميين المتشددين، من أمثال أبو حمزة المصري، الذين وفدوا على بريطانيا مؤخراً، قد أسهموا في تشويه الفكر والممارسة الدينية لدى الأجيال الجديدة من "المسلمين الأوربيين".
وكل هذه الملابسات تدفعنا ـ نحن المسلمين ـ إلى ضرورة مراجعة التراث الفقهي الإسلامي، للموائمة بين صحيح الدين وضرورات الحياة المعاصرة في القرن الحادي والعشرين. وإذا لم نفعل نحن ذلك بإرادتنا الحرة، فربما فرضه علينا الغير. وأسوأ من ذلك، أن يجد المسلمون الأوربيين أنفسهم إما أن يتخلوا عن دينهم أو عن وطنهم الجديد. ولن يجد في هذه الحالة الصياح الاحتجاجي على "ازدواجية المعايير"، أو "الاضطهاد الديني للمسلمين". فما دامت أراضي أوطاننا في ديار الإسلام لم تعد تتسع لنا، ولجأ بعضنا إلى بلاد الفرنجة، فلنحترم تقاليدهم وقوانينهم، ولا نتصور أو نوعز لأبنائنا ـ هنا أو هناك ـ إن "واجبهم الجهادي" هو فرض عقائدهم وممارساتهم على غير المسلمين (على طريقة إما الإسلام أو الجزية أو السيف). دعونا نعلمهم قبول "الآخر" غير المسلم واحترام معتقدات وممارسات هذا "الآخر"، وعدم تهديد حياته وأمنه وتراب وطنه، وتقدير واجبات الضيافة والمواطنة وحقوق الإنسان.
والله أعلم

 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية