مقالات د. سعد الدين
إبراهيم
رجب البنا ... وهيكل ... والأقليات
كتب الأستاذ/ رجب البنا في "الأهرام" بتاريخ 19/10/2005، تحت عنوان "محور
أبادير وسعد الدين"، هجوماً لاذعاً على رجل الأعمال المصري المهندس
عدلي أبادير، وعلى شخصنا المتواضع. وكان مبرر الهجوم هو أن الأول (أبادير)
ينظم مؤتمراً يعقد في واشنطن، في المدة من 16 إلى 18 نوفمبر 2005، دعا
فيه الثاني (سعد الدين) ليكون المتحدث الرئيسي.
ولن أتولى الرد على أ. رجب البنا، نيابة عن المهندس عدلي أبادير، فهو
قادر على ذلك. وسأقتصر هنا على الرد بالأصالة عن نفسي، وفي نقاط محددة:
أولاً: لم يذكر أ. رجب البنا عنوان المؤتمر المزمع عقده في واشنطن، وهو
"دور الأقباط في الإصلاح الديمقراطي في مصر". لأنه لو ذكر العنوان
لانهارت معظم أركان هجومه على المؤتمر. وخلال هذا العام (2005) عقدت
عشرات المؤتمرات التي تناقش موضوع التحول الديمقراطي في مصر والمنطقة،
وتحديداً منذ إعلان الرئيس مبارك مبادرته بتغيير المادة 76 من الدستور،
التي جعلت اختيار رئيس الدولة بالانتخاب التنافسي الحر، بين أكثر من
مرشح، وذلك لأول مرة في تاريخ مصر وفي هذه المؤتمرات جرى تسليط الدور
على دور القوى والفئات المختلفة ـ مثل الأحزاب، والمجتمع المدني،
والمرأة، والعمال، والمثقفين ـ في مسيرة هذا التحول إلى الديمقراطية.
فما هو الضرر أو الضرار إذا عُقد المؤتمر لتسليط الضوء على دور أقباط
مصر في هذه المسيرة، خاصة وأن دورهم كان بارزاً في العهد الليبرالي
الديمقراطي الأول، بين ثورتي 1919 و1952؟
ثانياً: تعمد أ. رجب البنا ألا يذكر بقية كبار المدعوين من مصر إلى نفس
المؤتمر ـ ومنهم د. بطرس غالي، ود. أحمد كمال أبو المجد، والسيد جمال
مبارك، والروائي عباس الأسواني، والمهندس يوسف سيدهم، رئيس تحرير صحيفة
وطني، وآخرين. لأنه لو ذكر قائمة المدعوين لما كان سهلاً عليه شن هجومه
الكاسح، حيث أن هذه القائمة تحتوي شخصيات عامة، في السلطة أو قريبة من
السلطة. وهو الأمر الذي يعمل له أ. رجب البنا ألف حساب فلم يعرف عنه
خلال الأربعين سنة، التي عمل فيها بالصحافة المصرية، المملوكة للدولة،
أنه هاجم مسئولاً مصرياً مرة واحدة!
ثالثاً: لم يتناول أ. رجب البنا، ولو مرة واحدة، مشكلة واحدة من مشكلات
الأقباط في مصر، أو الأكراد في العراق، أو الجنوبيين في السودان، أو
الشيعة في البحرين والسعودية فهو لا يرى هذه الجماعات. وكما أن هناك من
هم مصابون "بعمى الألوان"، أي لا يستطيعون التمييز بين الأزرق والأخضر
والأحمر، فهناك من هم مصابون أيضاً بعمى "الأقليات". وليس أدل على ذلك
من اعتراف الرجل نفسه، في آخر جملة من مقاله، حيث يقول بالحرف الواحد:
"وليس في مصر أقليات. ليس في مصر سوى المصريين". وهذا بالضبط هو أحد
أعراض "عمى الألوان". فهو يرى كل ألوان الطيف السبعة، وكأنها لون واحد.
رابعاً: خلال الأسبوع الذي كتب فيه أ. رجب البنا مقال "محور أبادير
وسعد الدين"، منكراً فيه وجود أقليات في مصر، انفجرت بوادر أزمة طائفية
في الإسكندرية، أشارت إليها كل الصحف، بما فيها "الأهرام"، وهي التي
نشر فيها مقاله. ولكن صحيفة "الدستور"، المستقلة، خصصت أربع صفحات
كاملة لنفس الموضوع في نفس اليوم (19/10/2005)، وجاء في صفحتها الأولى،
تحت عناوين رئيسية، "الخطير: مسرحية مارجرجس التي فجرت الفتنة في
الإسكندرية تدور حول شاب مسيحي انضم لجماعة إسلامية بحثاً عن الحور
العين، ثم عاد إلى قلب يسوع والأخطر: شكوك حول دور أمن الدولة في إشعال
الفتنة الطائفية" وضابط الأمن قال للمسلمين الغاضبين: روحوا انتصروا
لدينكم" وكان تحقيق صحيفة الدستور يرد مباشرة على أ. رجب البنا، حيث
جاء، في الصفحة الخامسة "لا وحدة وطنية ولا كلام فارغ فقد أثبتت أزمة
كنيسة محرم بك في الإسكندرية أن الشعارات التي نلوكها في برامج
التليفزيون والصحف جميعها شعارات خاوية. وأن الصور التي يخرج فيها
البابا شنودة مع الشيخ طنطاوي يبتسمون للكاميرات ويثنون على حكمة رئيس
الدولة، هي مجرد صور للتصدير. وأن هناك أزمة حقيقية بين عنصري الأمة"
ولا يغطي على هذه الأزمة أي هجوم على من يتصدون لها بالدراسة والتحليل
والتشخيص والعلاج ـ كما حاولنا أن نفعل نحن طوال العقود الثلاثة
الماضية ولن يجد الهجوم، حتى لو خطاب "المؤامرة" المعتاد، واستحضر كل
العفاريت لاستعداء القارئ والرأي العام، بنفس المفردات التي عفى عليها
الزمن. وحاكم بعض المفردات التي وردت في مقال أ. رجب البنا: استراتيجية
شريرة لتمزيق الدولة العربية.. تحصيل أموال من أمريكا يستقطب بها عدداً
من الباحثين ويدفع لهم بسخاء.. تفكيك المجتمع المصري بإثارة النزعات
الطائفية.. المخطط الأمريكي لتغيير العالم العربي وترتيب الأوضاع لضمان
إسرائيل.."
خامساً: ليس أ. رجب البنا هو الوحيد المصاب بعمي الألوان وينكر وجود
الأقليات. فقد سبقه على ذلك كثيرون، وفي مقدمتهم رئيسه ورئيس تحرير
الأهرام الأسبق، الأستاذ محمد حسنين هيكل، الذي فعل نفس الشيء في مقال
على صفحة كاملة، في 22/4/1994، بعنوان "أقباط مصر ليسوا أقلية وإنما
جزء من الكتلة الحضارية الإنسانية للشعب المصري". غير أن أحدى حسنات
الأستاذ هيكل أنه لا يكف عن الملاحظة والبحث وإعادة النظر فيما اعتقده
أو صرّح به من قبل. فبعد عشر سنوات وستة أشهر من مقاله الشهير في
الأهرام الذي أنكر فيه وجود مشكلة للأقليات في مصر أو العالم العربي،
عاد في أحد أحاديثه الطويلة على قناة الجزيرة، ليعلن أن أكبر وأهم تحدي
يواجه الأمة العربية في القرن الحادي والعشرين هو مسألة "الأقليات".
إذا كان هذا هو ما حدث مع أ. هيكل، فهل نطمع أن يحدث نفس الشيء مع
أ.رجب البنا ؟ نرجو ذلك، ونرجو ألا تستغرق المراجعة عشر سنوات ونصف.
فإن الأعمار بيد الله. والله أعلم.
|