محمد
رسول الحرية
نحتفل هذه الأيام بعيد المولد
النبوي الشريف، فقد ولد صبي بمكة عام 571 ميلادية، دعته أمه (آمنة
بنت وهب) اسماً قد يظل مجهولاً، ولكن القبيلة التي ولد فيها، وهي
قريش، أطلقت عليه لقب "الأمين" حينما شب عن الطوق، لسمعته بين
أقرانه بالأمانة والخلق الرفيع. أما القرآن الكريم فقد سماه "محمد"
(سورة آل عمران، الآية 138، والأحزاب، الآية 40، والفتح الآية 29،
وسورة محمد، الآية 2). وأطلق القرآن عليه اسم "أحمد" مرة واحدة
(سورة الصف، الآية 6). وكان والده هو عبد الله بن عبد المطلب، الذي
توفي قبل مولد محمد. ثم توفيت والدته وهو ما يزال في السادسة من
عمره. فتولى رعايته جده عبد المطلب، ثم بعد ذلك عمه أبو طالب، وذلك
على نحو ما هو معروف لكافة من درسوا السيرة، والتي كتبها ابن اسحق
في بغداد خلال القرن الثاني من الهجرة، ووصلتنا في مصر في أوائل
القرن الهجري الثالث عن طريق ابن هشام.
وبهذه المعلومات عن نشأة محمد،
فإنه يصبح الوحيد بين أنبياء العالم، الذي ولد في ضوء التاريخ.
فنحن لا نعرف الكثير عن ميلاد ونشأة غيره من الرسل والأنبياء. من
ذلك أيضاً أننا نعرف أنه سافر مع عمه أبو طالب في قوافل التجارة
إلى الشام واليمن، ثم فعل ذلك وحده حينما كلفته السيدة خديجة بنت
خويلد من بني أسد، أن يدير تجارتها. وقد تزوج منها فيما بعد وهو في
الخامسة والعشرين من عمره، رغم أنها كانت تكبره بخمسة عشر عاماً،
وسبق لها الزواج مرتين من بني مخزوم. ونعرف ضمن هذه السيرة أن
محمداً أوتي الوحي معتكف في غار حراء، حيث سمع صوتاً ملائكياً
يأمره " اقرأ باسم ربك الذي خلق..." (سورة العلق). فكان أول الوحي
وبدء الرسالة، التي أصبح دينها هو "الإسلام"، والذي انتشر من مكة
إلى باقي الجزيرة العربية إلى كل قارات العالم، وتكاثر أتباع هذا
الدين، إلى أن وصل عددهم إلى مليار وأربعمائة مليون مسلم، أي خمس
سكان البشرية.
وقد شهدت الشهور الأخيرة من هذا
العام (1427 هجرية، 2006 ميلادية) ضجة عالمية كبرى حول الرسول،
بسبب ما قامت به صحيفة دانمركية (يولاندز بوسطن) من نشر رسوم
كاريكاتورية للرسول، يبدو فيها كما لو كان إرهابياً، حيث كانت
عمامته في الرسم على شكل "قنبلة". وقد اعتبرت غالبية المسلمين أن
في ذلك إهانة للرسول وإساءة لهم. وطالب بعضهم، وبخاصة من الجالية
الإسلامية بالدانمرك، من الصحيفة أن تعتذر، فلما تلكأت في ذلك، طاف
زعماء الجالية بعدد من البلدان الإسلامية لحض حكوماتها على
الاحتجاج و"الانتصار للرسول"، ولهم. واستجابت بعض هذه الحكومات،
واحتجت. كما سمح بعضها لتظاهرات جماهيرية، تحول بعضها إلى العنف
والتخريب ضد ممتلكات ومؤسسات دانمركية في البلدان الإسلامية، كان
أسوأها حرق سفارة الدانمرك في دمشق وقنصليتها في بيروت.
وقد كتبنا حول هذا الموضوع في حينه
(الدستور: 15/2/2006) وقلنا أن قيمة "الحرية" عند الدانمركيين
والغربيين قيمة أساسية، وضمنها حرية التعبير، بينما يظل الدين
عندنا ـ كقيم ورموز وشعائر ـ هو الأعلى والأسمى، بحيث تتضاءل
بجانبه قيم أخرى ومنها "الحرية. وقد راجعني في ذلك المفكر الكبير
جمال البنا، مؤكداً لي أن "الحرية" هي أيضاً القيمة المركزي في
الإسلام. وأهداني الرجل بعضاً من كتاباته التي توثق بالآيات
القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة صدق هذه المقولة، وهي مركزية
قيمة الحرية عند الله ورسوله. وآية ذلك التوجيهات الحاسمة،
والصارمة أحياناً، من الله سبحانه إلى رسوله: "ادع إلى سبيل ربك
بالحكمة والموعظة الحسنة. وجادلهم بالتي هي أحس. إن ربك هو أعلم
بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين".
ـ "لا إكراه في الدين. فقد تبين
الرشد من الغي. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة
الوثقى، لا انفصام لها والله سميع عليم" (سورة البقرة، الآية 256).
ـ "فذكر إنما أنت مذكّر لست عليهم
بمسيطر، إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر، إن إلينا
إيابهم، ثم إن علينا حسابهم" (سورة الغاشية، الآيات 21-26).
ـ "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"
وهذا معناه هو أنه حتى في أهم ما
يخص الله سبحانه وتعالى سمح للبشر أن يمارسوا حرية الاختيار، فمن
شاء أن يؤمن به فليؤمن، ومن شاء أن يكفر به فليكفر. وإذا كان ذلك
كذلك، فليس في صحيح الإسلام، كما نستقيه مباشرة من صريح الآيات
القرآنية البيّنات، ما يستوجب إكراها أو عقاباً دنيوياً للكافر أو
المرتد عن الإسلام، أو لمن غيّر دينه، فؤلئك حسابهم عند الله في
الآخرة (ثم إن علينا حسابهم).
لذلك كان غريباً ومعيباً ما فعله بعض المتزمتون
من فقهاء أفغانستان حينما أقاموا ما يسمى "بحد الردة"، وهو القتل
على أحد مواطنيهم، واسمه عبد الرحمن، لأنه وهو مهاجر كان يعيش في
ألمانيا، غيّر دينه من الإسلام وهو دين سماوي إلى المسيحية وهي دين
سماوي آخر. أي أن الرجل لم يبلغ به حتى الحدود التي سمح بها الله،
وهي "الكفر". وقامت قيامة الرأي العام في عدة بلدان أوربية، من
التي أرسلت قوات لتحرير أفغانستان من الحكم الظلامي المتخلف لجماعة
طالبان، وقدمت مساعدات سخية لشعبها حتى يعيد تعمير البلاد بعد نصف
قرن من الحروب، وحتى يبني نظام حكم ديمقراطي رشيد. لقد عز على
الرأي العام أن يرسل أبنائه يموتون في أفغانستان، من اجل حرية
الشعب الأفغاني، ثم يواجه بمسئولين دينيين ينكرون هذه الحرية على
أحد مواطنيهم المزدوج الجنسية والذي كان في زيارة لوطنه الأصلي بعد
ست سنوات الغربة الطويلة.
صحيح أن أمر عبد الرحمن قد وجد حلاً مؤقتاً،
بهروبه أو تهريبه من أفغانستان إلى إيطاليا (يوم 30/3/2006). ولكن
هذا لا يقدم حلاً أصولياً يتسق مع مفهوم "الحرية"، ومنها حرية
العقيدة والاعتقاد، التي أرساها القرآن في محكم آياته، والتي حرص
عليها الرسول كل الحرص. وآية ذلك ما فعله الرسول مع المرتدين
الأوائل في عصره، وكذلك في تعاهده مع غير المسلمين من أهل يثرب،
التي قصدها مهاجراً، بعد أن ضيّق عليه كفار مكة الخناق.
لقد رصد مؤخراً السيرة، أن من بين المسلمين
الأوائل أثنى عشر، ارتدوا عن إسلامهم، وكان من بينهم اثنان من حفظة
الوحي، أي من أقرب المقربين إلى الرسول، حيث كان يتلو عليهم ما
أنزل الله عليه، على لسان جبريل عليه السلام. ورغم هذا القرب
الشديد، والثقة التي وضعها الرسول فيهما، فإنه لم يغضب ولم يعترض،
فهو "ليس عليهما بمسيطر". وعاد بعض هؤلاء الاثنى عشر مرتداً فيما
بعد إلى الإسلام، بينما ظل الآخرون على ارتدادهم. لقد كان الرسول
يؤمن بحرية الاعتقاد، قولاً وعملاً.
أما النموذج الآخر الذي جسّم هذا الإيمان
بالحرية، وكذلك ما نطلق عليه بلغة عصرنا "التعددية" فهو المعاهدة
التي عقدها الرسول مع كل سكان يثرب من غير المسلمين. وكان بينهم
قبائل الأوس والخزرج، ويهود قريظة والنضير، حينما هاجر إليها في
سبتمبر 622. وأصبح هذا اليوم في ذلك العام هو بداية التقويم
الإسلامي، الذي يُعرف بالتقويم الهجري، والذي بدأت سنته الأولى في
ذاك العام (1 هجرية، 622 ميلادية)، وتحسب شهوره مع دورة القمر
(شهور قمرية). وهذا معناه أن السنة الهجرية أقصر من السنة
الميلادية بحوالي عشرة أيام.
المهم لموضوعنا، وتحديداً لما تعاهد عليه
الرسول والمهاجرين من مكة ومن جهات أخرى مع أهل يثرب من الأنصار
المسلمين وغيرهم من القبائل التي لم تكن قد دخلت الإسلام بعد،
ويهود بني قريظة وبني النضير. وعُرفت هذه المعاهدة في حينها
"بصحيفة الموادعة"، وعًرفت في كتب التاريخ الإسلامي "بصحيفة
المدينة" (وهو الاسم الجديد ليثرب، بعد الهجرة). وقد أطلق عليها
المفكر الإسلامي محمد سليم العوا اسم "دستور المدينة". وقد نصت هذه
الصحيفة أو الدستور عدة مبادئ حاكمة للعلاقة بين الرسول والمسلمين
عموماً، وغير المسلمين الذين يشاركونهم الإقامة في يثرب. وكان أهم
هذه المبادئ جميعاً حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر المتصلة به،
وذلك عملاً بروح الآية الكريمة "لكم دينكم ولي دين" (الكافرون،
الآية 6). فوافق الموقعون على أنه في أمور دنياهم، لكل منهم،
جماعات وأفراد، نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات. أما في أمور
الآخرة، ويوم القيامة، فإن الله، أو الرب أو يهوا أو اللات
والعزة، هو الذي يحاسب المرأ.
ورغم أن كثيراً من المؤرخين أشاروا لصحيفة
المدينة كعمل سياسي مبهر من الرسول في إرساء حقوق المواطنة في دولة
المدينة الفتية، إلا أنه كان يعمل أيضاً بوحي الآية الكريمة "قل
آمنا بالله وما اُنزل علينا وما أُنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق
ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى والنبيُون من ربهم، لا نفرق
بين أحد منهم ونحن له مسلمون" (سورة آل عمران، الآية 84). والجزء
الأهم في الآية هي أن الله سبحانه وتعالى لا يفرق بين أحد من
أنبيائه ورسله أو من آمنوا بهم.
إن روح وممارسة التعددية التي جسّمها الرسول
منذ بداية الدعوة، هي التي لم تفسد للود قضية بينه وبين كثير من
المشركين والكفار على المستوى الإنساني ـ مثل عمه أبو طالب، الذي
رعاه منذ كان طفلاً بعد وفاة جده عبد المطلب وأمه آمنة. لقد ظل
العم أبو طالب مشركاً إلى وفاته، حتى بعد أن نزل الوحي، وآمن به
آخرون ومنهم ابنه علي ابن أبي طالب. ولم يمنع هذا الاختلاف بين
محمد وعمه أن يستمر أبو طالب في الدفاع عنه ضد غلاة الكفار من
قريش. أي أن القربى والرحمة والمحبة الإنسانية كانت أحد أبعاد هذه
"التعددية"، والتي هي الركيزة الأولى للحرية والمساواة بين البشر.
لذلك استحق محمد عليه السلام أن يلقب ضمن أوصاف كماله أنه "رسول
الحرية".
فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا.