الإسرائيلى
الاقبح ولبنان مجددا ً(2)
السبت 5/8/2006
أثارت مقالة الأسبوع الماضي، «الأمريكي
القبيح ولبنان مجدداً»، ردود فعل واسعة، لا فقط بسبب مضمونها
والأحداث البشعة التي دفعتني إلي كتابتها، ولأن كثيرين ممن أعجبهم
المقال لم يكونوا يتوقعون مني شخصياً، بعد أن صدق بعضهم كل ما
كالته لي صحف النظام الحاكم، وكذا الصحف المباحثية الصفراء من
اتهامات مرسلة «بالعمالة للأمريكان»، أو الترويج لسياساتهم
ومشاريعهم الشرق الأوسطية. حتي أن بعضهم حينما رآني في مظاهرة
احتجاجية بميدان التحرير يوم الاثنين الماضي (٣١/٧)، أي بعد ظهور
المقال بيومين، استوقفني، إما ليسأل هل حقيقة كتبت المقال؟ أم هل
غيرت رأيي في أمريكا؟ أو هل رأيت النور أخيراً؟ أو هل عدت إلينا
وإلي جذورك؟ وأدركت الدرجة الهائلة من التضليل والتشويه والكذب
التي يمكن أن يحدثها الإعلام الحكومي، رغم انخفاض مصداقيته وضحالته.
وكنت أبتسم وأرد ردوداً مقتضبة، حيث لم يكن جو المظاهرة، ولا
المناسبة، ولا كثافة الازدحام في الدائرة الضيقة التي حاصرتنا فيها
قوات الأمن تسمح بأكثر من ذلك وطلب بعضهم أن يأتي إلي مكتبي
بالجامعة أو مركز ابن خلدون لمزيد من الاستفسار أو الحوار. ورحبت
بذلك فأتي منهم عشرات يومي الثلاثاء والأربعاء، ومنهم من أخذ ساعة
أو ساعتين، وأخص منهم بالذكر المحاسب النابه هشام الأعصر،
والمحاميتان فاطمة ربيع ونجلاء الإمام، والإعلاميان صلاح عبد
اللطيف وسامي دياب. وانتهز الفرصة لتلخيص أهم ما كنت أوضحه لهم،
وربما يهم آخرين ممن لم تتح لهم فرصة اللقاء المباشر، خاصة وهو
أيضاً يتعلق بعنوان مقالي هذا، ومقال الأسبوع القادم.
* النقطة الأولي الجديرة بالتنويه هو
أن أحداً ممن صدقوا أكاذيب الإعلام الرسمي والمباحثي، لم يكن قد
قرأ لي أي كتاب أو دراسة أو مقال يمكن أن يستشف منه بطريق مباشر أو
غير مباشر ما يفيد ترويجي لأي شيء أمريكي، سواء كان سلعة أو سياسة
أو بدعة. ولكنهم سمعوا أو تناقلوا عن بعضهم البعض ما تلوكه الصحف
الرسمية والمباحثية. وكان بعضهم يباغت، أو يحمر وجهه خجلاً، حينما
أوجه له السؤال: هل قرأت لي كتاباً أو مقالاً يروج لأي شيء أمريكي؟
* النقطة الثانية الجديرة بالتأكيد،
والتي ربما تحتاج إلي مقال مستقل أو حتي دراسة مطولة، فهي احتراف
أو إدمان الهجوم علي أمريكا. فهناك كثيرون ممن يكتبون أو يتحدثون
في الفضائيات قد أصبحوا مسكونين «بالعفريت الأمريكي»، حتي أنهم
يرون «الشبح الأمريكي» وراء كل شجرة، وخلف كل جدار، وعلي سطح كل
منزل، وفي أسفل كل بناية. ولديهم نظرية «مؤامرة أمريكية» لكل مشكلة
تقع في مصر، أو أي نكبة تصيب العالم العربي، أو أي محنة تنزل علي
دار الإسلام من إندونيسيا إلي المغرب. ولست أنا من هؤلاء المحترفين
أو المدمنين. فأنا أري أمريكا كما يراها كثير من العقلاء الأسوياء،
من كل الجنسيات والملل والنحل والأعراق. فأمريكا دولة كبري، وهي
الأعظم والأقوي في هذه الحقبة، التي بدأت مع الحرب العالمية
الثانية، واستمرت خلال الحرب الباردة (١٩٤٥- ١٩٩٠)، ثم توحشت منذ
نهاية الحرب الباردة، وإلي تاريخه. وهي كأي دولة أخري لها مصالح
كما أن لديها قيما ومبادئ. وحينما تتفق مصالحها ومبادئها تكون
أمريكا في أحسن حالاتها (عهود ولسون، وروزفلت، وإيزنهاور، وكيندي،
وكارتر، وكلينتون). ولكن حينما تتعارض المصالح والمبادئ، فإن
أمريكا تجنح للمصالح وتكون في أبشع حالاتها (عهود ترومان، وجرنسون،
ونيكسون، وريجان، وبوش). وهذا كله يقتصر علي الرؤساء والحكومة
والسياسة الخارجية. أما الشعب الأمريكي فهو مثل شعوب العالم يسعي
للسلام والعدالة والحرية، ويتصف بالكرم والإنصاف، خاصة إذا وضعت
المعلومات والحقائق أمامه.
* النقطة الثالثة في وصفي الأمريكي
القبيح، هو وصف يقتصر فقط علي القيادة السياسية التي تتخذ القرار،
ولا ينسحب علي الشعب. وكذلك كان تركيزي في المقال السابق هو علي
الرئيسين رونالد ريجان الذي عاصر، وأسهم، ودعّم الاجتياح
الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢، وجورج بوش الذي كرر نفس السيناريو عام
٢٠٠٦، وبصورة أكثر بشاعة وقسوة. وقد كتبت في المرة الأولي عام ١٩٨٢
في الأهرام والجمهورية سلسلة من المقالات عن «الأمريكي القبيح»،
أثارت في حينها نفس ردود الفعل الواسعة مصرياً وأمريكياً، حتي أن
الرئيس حسني مبارك ومستشاره أسامة الباز، ووزير خارجيته المرحوم
حسن كمال علي، طلبوا مني أن أتوقف، حتي لا تتهدد العلاقات المصرية
الأمريكية. كذلك استغرب الأمر احد محترفي الهجوم علي أمريكا، فكتب
في جريدته (الأهالي) في ذلك الوقت، ما معناه أنه هو واليساريون من
أمثاله هم الوحيدون المؤهلون للهجوم علي أمريكا، وليس لهاو مبتدئ
مثلي (أي سعد الدين إبراهيم) أن يقتحم عليهم ملعبهم المفضل! وهو
نفس ما استغربه ناصريون وإسلاميون وماركسيون في عام ٢٠٠٦، بعد مقال
الأسبوع الماضي.
وفي هذا كان التاريخ يعيد نفسه. فكما
قلد جورج بوش مثله الأعلي رونالد ريجان في دعم إسرائيل لاجتياح
لبنان، كذلك يفعل إيهود أولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي في
عام ٢٠٠٦ تقليد مثلاه الأعليان مناحم بيجن و أريل شارون، اللذين
قادا مغامرة ١٩٨٢، لقد مات الأول، ويرقد الثاني في أحد مستشفيات
إسرائيل غائباً عن الوعي منذ عدة شهور. ولكن كما قال ماركس، «حينما
يبدو كما لو كان التاريخ يعيد نفسه، فإن المرة الأولي تكون فعلاً
حقيقة، والثانية تكون حماقة»، فلنستعرض ونختبر هذه المقولة
الماركسية، والتي لو صحت لكانت مبرراً استخدام «أنعل التعظيم»، أي
إذا كان الإسرائيلي قبيحاً مثل الأمريكي الذي تواطئ معه أو حرّضه
أو ساعده عام ١٩٨٢، فإن هذا الإسرائيلي أصبح «أقبحاً»، لتكراره نفس
الشيء بعدها بأربع وعشرين سنة، في عام ٢٠٠٦، فبين التاريخين أصبحت
إسرائيل أكثر قوة عسكرياً، وأعظم ثراء اقتصادياً، وأكثر تقدماً
تكنولوجياً. ولكنها أصبحت أقل حكمة استراتيجياً. وهي في ذلك مثل
رجع الصدي للقبيح الأمريكي. ولكن هذا الأخير يعيش ويحيا علي بعد
عشرة آلاف ميل من الشرق الأوسط، ويجاور صديقين من الشمال (كندا)
والجنوب (المكسيك)، ويحميه محيطان، الأطلنطي من الشرق، والباسيفيكي
أو الهادي من الغرب. أما الأحمق الإسرائيلي فهو بين شعوب تحيط به
كما يحيط به السوار بالمعصم من ثلاث جهات والبحر من جهة رابعة.
وجيرانه من الشعوب العربية في كل مرة تعطيه الفرصة للتعايش، مثلما
فعل معه الرئيس السادات (مصر) والملك حسين (الأردن) فإنه يبددها
بمغامرة دموية تشعل نيران العداوة له عند الجيران والكراهية لسلوكه
عند العالم كله، ربما باستثناء القلة التي تشاركه القبح. ففي آخر
تصويت بالأمم المتحدة لوقف إطلاق النار، لم يقف مع إسرائيل إلا
ثلاث دول ـ أمريكا وبريطانيا واستراليا. بينما وقف ضدها مائة وستون
دولة. وتزداد العزلة والكراهية لإسرائيل بين شعوب العالم، التي
تشاهد فظائعها اليومية في التنكيل والقتل والتشريد والتدمير في
لبنان، وقبلها بأسابيع في فلسطين. وكأن «الإسرائيلي» يتحدي العالم
بأسره، ويستعذب القتل والفتك والتدمير، ولا يهمه إن ازداد قبحاً في
نظر الآخرين ما دام هو في صحبة «الأمريكي القبيح» وتحت رعايته وفي
حمايته.
في عام ١٩٨٢ كان الإسرائيلي القبيح
يهدف إلي التخلص من مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، الذين كانوا
علي مرمي حجر منه في جنوب لبنان، وأجبرهم فعلاً علي الانسحاب إلي
وسط لبنان. فأغراه ذلك إلي مطاردتهم، ثم محاصرتهم في بيروت، ودكهم
بقنابل طائراته ومدفعيته لثمان وثمانين يوماً، إلي أن أبعدهم عن
لبنان تماماً ـ إلي تونس. ولكن هذا الإبعاد لمقاتلي حركة التحرير
الفلسطينية (فتح) أدي إلي ظهور مقاتلين لحركتي مقاومة أكثر شراسة
لا فقط بين الفلسطينيين، وهي حركة المقاومة الإسلامية (حماس)،
وحركة المقاومة اللبنانية، متمثلة في «حزب الله»، الذي يتزعمه
السيد حسن نصر الله. ولأن لبنان هي موضوعنا وموضوع العالم هذه
الأيام، فسيقتصر حديثنا علي ما تريده إسرائيل من حزب الله.
* تريد إسرائيل القضاء علي حزب الله،
الذي هو حركة مقاومة إسلامية شيعية لبنانية، عمادها فقراء الشيعة
في الجنوب اللبناني المتاخم لشمال فلسطين/ إسرائيل. وبالنسبة لها
فإن القضاء عليه يكون بنزع سلاحه، واقتلاعه من الجنوب، أو علي
الأقل إبعاده عن الحدود، وإضعافه حتي لا يمثل أي تهديد لمستوطناتها
وقراها ومدنها في منطقة الجليل.
* وقد نست إسرائيل أو تناست أن
احتلالها العسكري للجنوب اللبناني عام ١٩٨٢ هو الذي خلق حركة
المقاومة المسماة بحزب الله، كما كان قد خلق احتلالها لفلسطين
مقاومة فلسطينية أخذت أسماء مختلفة من فتح إلي حماس إلي الجهاد.
* وقد قاوم حزب الله ذلك الاحتلال من
عام ١٩٨٢ إلي أن أجبره علي الجلاء من ٩٧% من الأراضي اللبنانية،
إلا من جزء صغير يسمي مزارع شبعا. وكان ذلك في صيف عام ٢٠٠٠، أي
بعد ١٨ سنة من المقاومة. في أثنائها أخذت إسرائيل آلافاً من الأسري،
أفرجت عن معظمهم، ولكنها استبقت منهم عشرات في سجونها. والتزم حزب
الله بأن تظل مقاومته المسلحة إلي أن يحرر كل شبر من مزارع شبعا
وإلي أن يفرج عن كل أسير. ولما تلكأت إسرائيل في الأمرين ست سنوات،
قام حزب الله بأسر جنديين إسرائيليين ليتبادل بهما أسراه الذين ما
زالوا في سجون إسرائيل. واعتبرت الأخيرة أن ذلك استفزازاً غير مبرر،
بل وفرصة للرد والانتقام والتخلص من حزب الله. بل وادعت أن سوريا
وإيران حرضتا حزب الله علي ما فعله، فشنت عدوانها الكاسح، لا فقط
علي قواعد ومقاتلي حزب الله، وإنما علي كل لبنان، فقتلت في أسبوع
واحد أكثر من ثلاثمائة لبناني، تضاعف عددهم مع كل أسبوع من العدوان.
* ولكن المفاجأة التي أذهلت إسرائيل
وأمريكا، ولكنها أسعدت العرب والمسلمين والعالم، فهي المقاومة
الباسلة لحزب الله، والتي صمدت لثلاثة أسابيع، مع إعداد هذا المقال،
ضد أقوي جيش في الشرق الأوسط بل وكبّدته مقاومة حزب الله من
الضحايا والخسائر ما لم يحدث له في أي مواجهة سابقة مع أي أطراف
عربية. ويكفي أن نتذكر أن جيوش ثلاث بلدان عربية ـ هي مصر وسوريا
والأردن ـ لم تصمد في وجه إسرائيل أكثر من ستة أيام عام ١٩٦٧ .
وكما يقول الزعيم الصيني الأسطوري
ماوتسي تونج: «إذا صمدت المقاومة الشعبية ولم تستسلم فهي المنتصرة.
وإذا لم يسيطر الجيش النظامي ويحقق هدفه بتدمير الخصم أو إجباره
علي الاستسلام والرضوخ فهو المنهزم». وإلي لحظة كتابة هذه السطور
وتطبيقاً لمقولة ماوتسي تونج، فإن حزب الله هو المنتصر وجيش
إسرائيل هو المنهزم. والأخير لا يتعلم ولكنه يدمر ويقتل ويشرد،
لذلك فهو الأقبح. وقد كانت مذبحة قانا (٣٠/٧) عنواناً درامياً لهذا
القبح. ولكن لا يزال هناك الأقبح من الجميع، وهو ما سنتحدث عنه في
مقالنا القادم.