مقالات د. سعد الدين إبراهيم

نسخة سهلة الطباعة
 

إسرائيل وإدمان الانتصار السريع
السبت 26/8/2006

دخلت الحرب بين إسرائيل وحزب الله (١٢/٧- ١٤/٨/٢٠٠٦) سجل الصراع العربي - الإسرائيلي كالحرب السادسة أو السابعة، حسبما يعتبر المراقبون، ما إذا كانت معارك الاستنزاف، بين يوليو ١٩٦٧، وأكتوبر ١٩٧٣، تعتبر حرباً قائمة بذاتها مثلما يذهب المصريون، أو مجرد مناوشات مثلما يذهب الإسرائيليون. ولكن لا خلاف بين المراقبين علي ست حروب، خلال هذا الصراع الممتد: هي حرب فلسطين الأولي عام ١٩٤٨، وحرب السويس ١٩٥٦ (العدوان الثلاثي)، وحرب يونيو ١٩٦٧ (الأيام الستة)، وحرب أكتوبر (رمضان) ١٩٧٣ (يوم الغفران)، وحرب اجتياح لبنان ١٩٨٢ بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وأخيراً تلك التي انفجرت في صيف ٢٠٠٦، والشاهد أن إسرائيل، بمفردها أو بمساعدة أطراف أخري، انتصرت في الثلاث حروب الأولي من هذه الحروب الست. بينما تعثرت أو تساوت أو انهزمت في الثلاث الأخيرة. وبصرف النظر عما يعتبره العرب نصراً أو هزيمة في هذه الحروب، فإن هناك مؤشراً دالاً علي تقييم إسرائيل نفسها لهذه الحروب. فحيثما تتشكل لجنة أو لجان تحقيق حول أي جولة من جولات هذا الصراع، فإن ذلك يكون مبعثه غضب الرأي العام الإسرائيلي من سوء أداء مؤسسته العسكرية ـ السياسية في تلك الجولة. وكما يذهب مثل شائع «إن النصر له ألف أب وأم، أما الهزيمة فهي لقيطة - يتيمة»، يبحث لها المحققون عن «والدين».

وآية ذلك أن الرأي العام الإسرائيلي لم يثر أو يطالب بلجان تحقيق في حروب إسرائيل الثلاث الأولي، بينما ثار وضغط وطالب بمثل هذه اللجان في الحروب الثلاث الأخيرة. فهل هزمت إسرائيل فيها فعلاً؟ حقيقة الأمر أنه بالمعايير الموضوعية الكمية، أوقعت إسرائيل بالأطراف العربية المحاربة قدراً أكبر من الدمار والخسائر البشرية، ربما بنسبة واحد إلي عشرة ودارت هذه الحروب الثلاث الأخيرة في معظمها علي أرض عربية، وليست علي ما تعتبره إسرائيل ترابها الوطني. ولكن الرأي العام الإسرائيلي تعوّد، ثم أدمن الانتصارات السريعة، بل والخاطفة منذ حروبها الثلاث الأولي. وعمّق من هذا الإدمان الأساطير التي روجها جيش الدفاع الإسرائيلي عن نفسه، وكذلك جهاز مخابراته المعروف باسم الموساد. وفي ضوء العجز الفاضح للأطراف العربية في تلك المواجهات المبكرة (١٩٤٨-١٩٦٧)، التقطت وسائل الإعلام الغربية نفس الأساطير، ورددتها، بل وانضمت إليها هوليوود، وأضافت أبعاداً رومانسية إلي قدرات ومعجزات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. ومن كثرة ترديدها صدقها العالم، بما في ذلك الإسرائيليون والعرب علي السواء. ومثل كل الأساطير، هناك دائماً بعض الحقيقة، وكثير من المبالغات.

طبعاً، انتصرت إسرائيل علي سبعة جيوش عربية كانت حكوماتها قد أعلنت الحرب في ١٥ مايو ١٩٤٨، ولكن الذي لم تذكره وسائل الإعلام وقتها، ولا المؤرخون بعدها، هو أن أربعة من هذه الجيوش لم يشارك في أي معركة طوال شهور الحرب التي انتهت رسمياً في مارس ١٩٤٩ بتوقيع اتفاقيات الهدنة. بل إن اثنين من هذه الجيوش ضل الطريق إلي فلسطين، إما لغياب الخرائط، أو لعدم توفر وسائل النقل لأرض المعركة. ولكن علي الورق، كان هناك إعلان حرب من سبع دول، علي دولة إسرائيل الوليدة. أما الحرب الثانية (١٩٥٦) فإن خيوطاً كثيرة تداخلت فيها. فلم يعرف علي وجه اليقين الدور القتالي الحقيقي لإسرائيل، مستقلة عن كل من بريطانيا وفرنسا، اللتين شاركتاها في حرب السويس. ومع ذلك فقد اعتبرها كثير من المراقبين انتصاراً عسكرياً لإسرائيل، حتي لو كانت نتائجها السياسية الإجمالية لصالح مصر. ولكن حرب ١٩٦٧، هي التي توجت أسطورة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فقد كانت انتصاراً باهراً لها، وهزيمة ساحقة لثلاثة جيوش عربية، وتم احتلال مساحات كبيرة من أراضيها. أي أن تلك الحرب حسمت الشك في قدرات إسرائيل العسكرية. ولكن كما يذهب المثل الشائع، «بقاء الحال من المحال». تعلّم بعض العرب، وأصبحوا أكثر قدرة علي التعلم والتخطيط والتدريب والقتال. وتعلموا من هزائمهم السابقة أن يكونوا أقل كلاماً وأكثر فعلاً. بل وتعلموا أن يحتفظوا بأسرارهم، ويستعينوا علي قضاء حوائجهم بالكتمان. حينما أخذوا الأمور بالجدية اللازمة بعد هزيمة ١٩٦٧، فوجئوا، وفاجأوا إسرائيل والعالم بأداء عسكري مبهر في أكتوبر ١٩٧٣، وسواء انتصر العرب في تلك الحرب، كما يعتقدون، أو تساووا مع إسرائيل، كما يعتقد معظم المراقبين المحايدين، أو انهزموا، كما يعتقد معظم الإسرائيليين، فإن تلك الحرب كانت فاصلة، في أنها وضعت حداً للتفوق الإسرائيلي العسكري المطلق، والذي ساد بين ١٥ مايو ١٩٤٨ و٥ أكتوبر ١٩٧٣، ربما ظلت إسرائيل هي الأقوي، ولكن الفارق بينها وبين خصومها العرب المحيطين بها تناقص إلي أبعد الحدود.

أما الجديد تماماً في إدارة الصراع العربي ــ الإسرائيلي فهو التحول الكيفي من مواجهات جيوش دول عربية نظامية مع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلي مواجهات شعبية متزايدة منذ عام ١٩٦٨، أي أن الصراع تحول من حروب تقليدية بين دول إلي مقاومة شعبية أو «حروب تحرير وطنية». والمفارقة هنا هو أن مثل هذا النوع من المواجهة هو تماماً ما لجأت إليه التنظيمات الصهيونية المسلحة في الحرب الأولي عام ١٩٤٨ في مواجهة جيوش مصر وسوريا والأردن والعراق، وهو ما يعرف بحرب العصابات. وبعد عشرين سنة، أو تحديداً عام ١٩٦٨ بدأت المقاومة الفلسطينية، ممثلة في تنظيم فتح، استخدام نفس أسلوب حرب العصابات أو الحرب الشعبية، والتي كانت أحد تجلياتها المبكرة، معركة «الكرامة»، عبر نهر الأردن في مارس من ذلك العام، والتي أدمت فيها طابوراً إسرائيلياً مغيراً، وردته علي أعقابه، علي غير العادة. وكان لذلك أثر معنوي بالغ الأهمية، بعد هزيمة الجيوش في يونيو من العام السابق. وقد سارت علي نفس النهج فيما بعد تنظيمات شعبية أخري فلسطينية ولبنانية في مواجهات مسلحة مع القوات الإسرائيلية المسلحة. وأتقن ذلك بشكل خاص مقاتلو حزب الله في جنوب لبنان، بين عامي ١٩٨٢ و٢٠٠٠، وهو ما أجبر إسرائيل علي الانسحاب من جنوب لبنان، بلا قيد ولا شرط بعد احتلال دام ثمانية عشر عاماً. ولنا أن نقارن ذلك باحتلال نفس إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية، المستمر منذ عام ١٩٦٧، دون أن تنجح الدولة السورية في تحريرها بجيشها النظامي طيلة ما يقرب من أربعين عاماً إلي تاريخه.

باختصار، اكتشف بعض العرب، وليس كل العرب، طرقاً ووسائل ناجحة لسد الفجوة القتالية بينهم وبين المؤسسة العسكرية المتميزة. نعم، لاتزال إسرائيل متفوقة قتالياً بكل المقاييس علي أي دولة عربية معاصرة. ولكن فجوة هذا التفوق قد ضاقت باطراد منذ عام ١٩٦٨، ثم تم تحييده أو إبطاله بفضل أساليب الحرب الشعبية التي أتقنتها أطراف عربية لبنانية وفلسطينية، بما في ذلك العمليات الانتحارية. وليس في هذا أو في ذاك أسرار مطلقة أو تفوق مطلق لطرف محارب علي طرف آخر. فالمهم هو قراءة كل طرف قوته الذاتية وقوة الخصم الذي يواجهه، واختيار الأسلوب الأمثل في المواجهة، بحيث يتم تفعيل وتعظيم القوة الذاتية، وتقليص أو تحييد الميزات النسبية لقوة الخصم أو العدو. وهذا ما فعلته إسرائيل في الحروب الثلاث الأولي مع الأطراف العربية (١٩٤٨- ١٩٦٨). ثم تعلمت أطراف عربية، وليس كل الأطراف، كيف تتعامل مع الميزات النسبية للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية. وهذا ما رأيناه ورآه العالم خلال الحرب الأخيرة بين هذه الأخيرة ومقاتلي حزب الله، والتي دامت ثلاثة وثلاثين يوماً. وكانت محصلتها النهائية هي «التعادل»، رغم التفوق الإسرائيلي في قوة النيران والتدمير، ورغم أن الخسائر البشرية لاتزال في صالح إسرائيل بنسبة واحد إلي عشرة. لقد كان الهدف الذي وضعته إسرائيل لنفسها في تلك الحرب هو تدمير حزب الله، وتأليب الشعب اللبناني عليه، وكان هدف حزب الله في نفس الحرب هو الصمود والمقاومة وتحاشي انقسام الشعب اللبناني أثناء القتال.

وفي ضوء ما رسمه كل طرف من أهداف، خرج حزب الله هو الأقرب إلي تحقيق أهدافه، رغم الخسائر البشرية والمادية للبنان، وخرجت إسرائيل هي الأبعد عن تحقيق ما هدفت إليه. وهذا تحديداً سر الاستياء الداخلي في إسرائيل من حكومة إيهود أولمرت. وعلي جيش الدفاع الإسرائيلي الذي روج لأسطورة أنه لا يقهر، وأنه صانع المعجزات. لقد عودت الحكومة الإسرائيلية شعبها علي توقع الانتصارات السريعة أو الخاطفة، لدرجة «الإدمان».

 ومثلما يعرف خبراء الإدمان، حينما يتوقع «المدمن» جريمة تشبع إدمانه، ثم لا تأتي الجريمة، بالدرجة أو الحجم الذي يشبع هذا الإدمان، فإنه يغضب أو يثور أو يكتئب. ولعلاج هذه الثورة أو الاكتئاب تتشكل لجنة تحقيق، ستخرج بعد شهر أو عدة شهور بتقرير، يوزع اللوم، وربما يحدد أسماء بعينها تصبح «كباش فداء»، يتم التضحية بها. ولكن المطلوب إسرائيلياً هو إدراك ضرورة الإقلاع، أو الشفاء من إدمان عادة الانتصار السريع، كما أقلعت أو عولجت بعض (وليس كل) الأطراف العربية عن إدمان الهزيمة السريعة.

 ربما حينئذ، وحينئذ فقط، تتحقق معادلة نفسية واستراتيجية تكون أساساً لتسوية تاريخية منصفة لصراع المائة عام في الشرق الأوسط.. والله أعلم

 (تصحيح: سقط سهواً من مقال الأسبوع الماضي اسم الشيخ مصطفي مشهور، كأحد مرشدي جماعة الإخوان المسلمين السبعة، فلزم التنويه).

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية