مقالات د. سعد الدين إبراهيم

المقدس والمدنس بين المسلمين والدانمركيين

            ربما لم يكن مسلمي العالم قد سمعوا عن بلد أوربي يسمى الدانمرك. وبالقطع لم يسمع أكثر من 99% منهم بما فيهم هذا الكاتب باسم صحيفة "جيلاندز بوسطن"، التي تصدر في مدينة دانمركية صغيرة، إلى أسابيع قليلة مضت. كذلك لم يكن أحد قد سمع عن فلمنج روز مسئول القسم الثقافي بالجريدة، الذي سمح بنشر تلك الرسوم. وما كان للناس هنا أن يسمعوا أو يهتموا بالدانمرك أو "جيلاندز بوسطن"، إلا بعد أن نشرت رسوماً كاريكاتيرية للنبي محمد عليه السلام، كإرهابي معمم، في سبتمبر 2005، أي منذ خمسة شهور، وهي الفترة التي استغرقتها مهمة نقل الخبر إلى جماهير المسلمين، ثم قيام هيئة علماء المسلمين التي تتخذ من لندن مقراً له، يوم الجمعة 3 فبراير "يوماً للغضب" ضد الدانمرك، ومن يناصرها أو ينهج نهجها. وقد أخذ التعبير عن هذا "الغضب" صوراً تراوحت من التنديد، إلى مذكرات الاحتجاج الرسمية والشعبية، إلى المظاهرات، إلى إشعال النار في السفارات والممتلكات الدانمركية، كما حدث في دمشق وبيروت مؤخراً. وإلى وقت كتابة هذا المقال (7/2/2006) كانت ردود الفعل الغاضبة ما زالت تنتشر من بلد إسلامي إلى آخر، فشملت مصر وإيران وفلسطين (غزة) وأفغانستان وباكستان. هذا رغم أن رئيس وزراء الدانمرك اعتذر علناً وكتابة للمسلمين في الدانمرك والغرب والعالم نيابة عن صحيفة جيلاندز بوسطن، ورسام الكاريكاتير الذي تجرأ ورسم النبي محمد. وكان الرجل بين نارين، الأولى هي واجبه كمسئول دانماركي أن يدافع عن قيم مجتمعه، وفي مقدمتها قيمة الحرية، بما في ذلك حرية التعبير، قولاً أو كتابة أو رمزاً. والنار الثانية هي سمعة وحرية وممتلكات وأرواح ومصالح بني وطنه في البلدان الإسلامية.

            إن استمرار التعبير عن الغضب في بلاد المسلمين يعكس عدة أمور تخصهم في الأساس، وتتجاوز واقعة الرسوم الكاريكاتيرية الدانمركية.  

الأمر الأول، هو تدني قيمة "الحرية" ضمن منظومة القيم التي يعتنقها المسلمون، ولا يحرصون على إعلائها. من ذلك أن القيم الدينية الروحية والرمزية هي صاحبة الأولوية القصوى عند عموم المسلمين. ومن ذلك النواهي والمحرمات، ومنها النهي عن تصوير أو رسم الله، جل جلاله، أو الرسل والأنبياء والقديسين. وليس هنا مجال للغوص حول الأصول الفقهية أو النصوص القرآنية التي تنهي أو تحرم هذه الممارسة. ويكفي القول أن هذا النهي والتحريم ينطوي على احترام مطلق لهم. ومن لا يشارك المسلمين هذا الاعتقاد ويجرؤ على مخالفته يصبح محل غضب من المؤمنين بالإسلام.

الأمر الثاني، هو أنه إذا تسامح المسلمون مع أبناء الديانات السماوية الأخرى إن هم رسموا صوراً لأنبيائهم ورسلهم وقديسهم هم ـ مثل موسى داوود وعيسى ومريم عليهم السلام، فإن هذا التسامح يختفي تماماً حينما يأتي الأمر إلى نبي الإسلام محمداً عليه السلام. ويعتبر المسلمون أي تجاوز أو خرق لهذا التحريم تجاوزاً وخرقاً لمقدساتهم. هذا فيما يتعلق بمجرد الرسم أو التصوير، حتى لو كان جميلاً ورومانسياً ووقوراً.

الأمر الثالث، هو أن صحيفة جيلاندز بوسطن الدانمركية، لم تكتف بنشر رسوم للنبي محمد، وهو بالنسبة للمسلمين من "المحرمات" الجازمة، ولكنها رسمته "كإرهابي" معمم على رأسه قنبلة، وهو من "الإهانات" القاصمة. وقد تفاعلت المحرمات مع الإهانات لتخلق هذه الانفجارات التي شهدناها ـ من جاكرتا إلى نيودلهي وطهران ودمشق وبيروت.

الأمر الرابع، هو أن انفجارت غضب المسلمين هذه لم تحدث لا بنفس الوتيرة ولا بنفس الدرجة في كل بلد أو مكان تقطنه أغلبية مسلمة، وإنما حدث وبأسلوب عدواني عنيف في بلدان بعينها. وعند التأمل المبدئي لهذه الأخيرة يتضح أن سكانها لهم مظالم واحباطات أخرى، في صدور الناس. فليس صدفة، مثلاً، أن أشد الاحتجاجات غضباً وعنفاً كانت في دمشق، حيث يشعر السوريون بضغوط دولية وعزلة إقليمية منذ اغتيال السيد رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان الأسبق، وحيث اتجهت أصابع الاتهام إلى النظام البعثي الحاكم. كما أنه ليس صدفة أن ثاني أكثر هذه الاحتجاجات غضباً وتدميراً كان في بيروت، حيث أشارت معظم التقارير أن أنصار سوريا في لبنان، مثل حزب الله، هم الذين حولوا مسيرة سلمية إلى جمهرة غاضبة اقتحمت القنصلية الدانمركية في بيروت وأشعلت فيها النيران. ونفس الشيء في طهران، حيث يشعر الإيرانيون بحصار غربي متزايد بسبب "الملف النووي". أي أن هناك ثمة عنصر تحريضي مخطط فيما انطوت عليه بعض هذه الاحتجاجات من عنف وتدمير.  

الأمر الخامس، وهو الوجه الآخر للنقطة السابقة، هو أن البلدان الإسلامية الأكثر رخاء وديمقراطية، كانت أيضاً الأكثر انضباطاً وسلمية في تعبير شعوبها عن احتاجها بسبب مسألة الرسوم الدانمركية ـ على نحو ما نقلته وكالات الأنباء عن مظاهرات جاكرتا وماليزيا ودلهي وتركيا وبلدان الخليج. بل ومن اللافت للنظر أن حركة حماس الأكثر "إسلاموية" والتي فازت في الانتخابات الفلسطينية مؤخراً كانت هي الأكثر انضباطاً وسلمية في احتجاجها عن حركة فتح التي خسرت الانتخابات والأقل "إسلاموية". ونفس الشيء يصدق على الإخوان المسلمين في مصر وعلى حزب العدالة والمساواة في المغرب، وهما يشاركان بالفعل في برلماني بلديهما بعد أدائها المتميز في الانتخابات. وليس هؤلاء أقل غيرة على الإسلام أو على سيرة ومقام الرسول الكريم. ولكن الأمر يتعلق بمدى توفر قنوات شرعية للمشاركة في السلطة، ومن ثم للتعبير السلمي عن الرأي المخالف حتى لو كان احتجاجياً.

الأمر السادس، هو أن المسلمين يحتاجون إلى وقفة أمينة وصارمة مع الذات. فبنفس رفضهم لمن يريدون فرض قيمهم على المسلمين، عليهم أن ينأوا عن محاولة فرض قيمهم على غير المسلمين. فما هو مقدس لدينا ليس بالضرورة مقدس عند غيرنا، والعكس صحيح. فما هو "قداسة" في بعض المجتمعات قد يكون "نجاسة" في مجتمعات أخرى. وليتذكر القارئ في تدنى مكانة "الأبقار" عندنا وتقديسها عند الهندوس، وكذلك وضع "الخنازير" عندنا وعند المسيحيين والغربيين والصينيين. وهكذا فإن "المقدس" و "المدنس" هما أمران نسبيان ويختلفان من مجتمع ومن ثقافة إلى أخرى. ففي الغرب عموماً والبلدان الإسكندنافية خصوصاً  تأتي قيمة "الحرية" في قمة سلم القيم، بينما يأتي الدين عندنا نحن في هذه القمة. وبالمناسبة لقد كان الدين كذلك عندهم في أعلى سلم القيم إلى خمسة قرون مضت، ولكنهم تجاوزوا تلك المرحلة في تطورهم نحو الحداثة والتقدم، حيث أصبحت "الحرية" و "العقل" و "المصلحة" و "حقوق الإنسان" و "حكم القانون" هي القيم الأعلى شأناً. وضمر دور الدين في حياة الغربيين، وأصبح شأناً خاصاً، لا يقحمونه في السياسة ولا يقحمون السياسة فيه.

الأمر السابع، أن جزءاً مهماً من وقفة المسلمين مع أنفسهم هو أن يقرروا ما إذا كانوا سيثيرون ويعاقبون ويقاطعون فرنسا وألمانيا وأسبانيا ونيوزلندا وبلدان غربية أخرى، يتزايد عددها كل يوم، تضامناً مع صحيفة "جيلاندز بوسطن" لإعلاء قيمة الحرية التي يشاركون فيها جميعاً؟ أم إن المسلمين يستعرضون عضلات الغضب فقط عندما يتعلق الأمر ببلد صغير مسالم مثل الدانمرك؟ إن هذه الأخيرة بالمناسبة ـ مثلها مثل السويد والنرويج ـ من أكثر البلدان الغربية تعاطفاً مع القضايا العربية والإسلامية، ومن أكثرها مساهمة في قوات حفظ السلام في بلادنا ومناطق أخرى من العالم. كما أنها فتحت أبواب لعشرات الآلاف من لاجئينا ومهاجرينا. إن على المسلمين شعوباً وقيادات وحكومات أن يكفوا عن المظاهر الصبيانية والعدوانية للتعبير عن الغضب والامتعاض، وإلا ظلوا مراهقين وعدوانيين حتى "ساحة الفناء". اللهم بلغت اللهم فاشهد.

 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية