مقالات د. سعد الدين
إبراهيم
دفاعاً عن الشعب الدانمركي
إنني أدرك أنني في هذا المقال أسبح ضد التيار الإسلاموي الجارف،
الذي عبّر عن استيائه، ثم غضبه، ثم عنفه ضد الدانمرك، وبدرجات أقل
ضد النرويج وبلدان أوربية أخرى، وذلك بسبب ما نشرته صحيفة دانمركية
مغمورة (جيلاندز بوسطن) من رسوم كاريكاتيرية للنبي محمد عليه
السلام. فرسم الأنبياء أو الصحابة والقديسين هو أمر مكروه لدرجة
التحريم لدى جمهرة المسلمين. فما بالنا إذا كان هذا الرسم ساخراً،
مثلما حدث، حيث رسمت الجريدة الرسول معمماً، وجعلت العمامة على شكل
"قنبلة"، مما يوحي أنه عليه السلام إرهابي.
وحينما احتج المسلمون في الدانمرك، وكذلك عدد من سفراء الدول
الإسلامية، ومنهم مصر، على هذه الإساءة، ردت الحكومة الدانمركية،
بأنها، أولاً، لا تتدخل في حرية الصحافة، حيث أن الكاريكاتير يدخل
ضمن هذه الحرية، ومن يرغب في الرد عليه ممن يسيئهم، فإن حقه في
الرد، في نفس الصحيفة، وعلى نفس النحو مكفول بحكم الدستور والقانون
في الدانمرك. والحكومة الدانمركية، ثانياً، تلتزم بدستور بلادهم،
الذي يفصل بين الدين والدولة، ولا يعطي الدين، أو رجاله، أي مناعة
أو حصانة ضد النقد. أكثر من ذلك جرحاً لمشاعر المسلمين، رفض رئيس
الوزراء الدانمركي، واسمه أندرياس رامسونس، مقابلتهم أو تطييب
خواطرهم، وهو ما ضاعف من مشاعر الاستياء عند المسلمين. ثم كان،
هناك مناسبة انعقاد مؤتمر قمة للدول الإسلامية في الرياض بالسعودية
في منتصف يناير 2006، وتوجه وفد من مسلمي الدانمرك بالاستغاثة
لقادة المسلمين أن ينصروهم في مواجهة الصحافة والحكومة في الدانمرك.
وهنا انتهزت بعض الحكومات الإسلامية المأزومة، سواء مع الغرب أو مع
شعوبها في مسائل أخرى، الفرصة لتسوية حساباتها في هذه المسائل
الأخرى، مع الغرب، حتى في تلك التي لا دخل للدانمرك فيها بناقة أو
بعير. بل ودخل منافسوا المنتجات الدانمركية من غربيين ومسلمين في
المعمعة، لصب مزيد من الزيت على غضب المسلمين، وطالبوا بالتظاهر
ومقاطعة المنتجات الدانمركية، وأهمها منتجات حيوانية وورق وأخشاب.
بل وسمح هذا المشهد المتوتر لقوى عديدة في البلدان الإسلامية أن
تدخل في مزايدات استعراضية لكي يثبت غيرتها على الإسلام. من ذلك أن
المجلس العالمي لعلماء المسلمين، الذي يرأسه الشيخ يوسف القرضاوي
ويتخذ من لندن مقراً له، أعلن يوم الجمعة 3/2 يوماً للغضب. فما كان
من جماهير المسلمين الذين استمعوا إلى أئمة المساجد الغاضبين، إلا
أن لبوا النداء، فخرجوا في مظاهرات احتجاج عقب صلاة الجمعة. ولم
يكتف هؤلاء بترديد شعارات الاستهجان، ولكن البعض منهم، في بعض
العواصم توجه إلى السفارات والقنصليات الدانمركية، وأضرم فيها
النار، أو قذفوها بالحجارة، وأحرقوا أعلام الدانمرك، وأي أعلام
غربية أخرى طالتها أيديهم.
وكانت مشاهد الغضب والتدمير أشد ما تكون في دمشق وبيروت وطهران.
ولم يفت المراقبون أن هذه العواصم الثلاث تعيش أزمات أخرى مع الغرب
ومع شعوبها. وقد أتتها المناسبة فرصة لإيجاد "كبش فداء"، يوجهون له
غضب شعوبهم المكبوتة من القهر. ففي عاصمتين منها، هما دمشق وطهران،
لا تخرج مظاهرة، فضلاً عن حمل بعضها لأدوات الحريق من بنزين ومشاعل،
إلا بأوامر أو تحريض من أجهزة الأمن الداخلية. وحتى في بيروت فقد
أجمع المراقبون على أن من قاموا بأعمال الشغب والتدمير كانوا قلة
بين أنصار النظام البعثي السوري، تم القبض على معظمهم، وتبرأت منهم
القوى السياسية اللبنانية الإسلامية والمسيحية والتي كانت قد دعت
لمظاهرة احتجاجية سلمية. وكشفت مصادر لبنانية عن أن أعمال الشغب
والتدمير قد وقعت في حي الأشرفية ذو الأغلبية المسيحية المارونية،
وطالت ممتلكات ومؤسسات مملوكة لهم، ولا علاقة لها بالقنصلية
الدانمركية، التي تقع في طابق علوي بأحد البنايات الشاهقة في نفس
الحي، والتي لم يستطيع المندسون في المظاهرة من التعرف عليها أو
الوصول لها.
ولولا حكمة زعماء المسلمين والموازنة وسيطرتهم على الموقف في آخر
لحظة لكان المندسون قد نجحوا لا فقط في إشعال النيران في القنصلية
الدانمركية ولكن أخطر من ذلك إشعال فتيل حرب أهلية لبنانية جديدة.
فهكذا كانت الحرب الأهلية قد اشتعلت عام 1975.
المهم لموضوعنا هو أن من حق المسلمين، هنا وهناك أن يغضبوا، وأن
يحتجوا، وأن يقاطعوا المنتجات الدانمركية فتلك جميعاً مظاهر
للتعبير عن المشاعر والموقف. ولكن ليس من حق المسلمين أن يحرقوا،
أو يدمروا، أو يعتدوا، أو يقتلوا مواطنين لمجرد تبعيتهم للدانمرك.
كما أنه ليس من حق المسلمين فرادى أو جماعات أن يأخذوا شعباً
بأكمله من عدة ملايين بجريرة رسام واحد أو صحيفة واحدة في مناسبة
واحدة. إن مثل هذا السلوك هو أقرب للعقاب الجماعي القبلي، الذي ساد
في أيام الجاهلية الأولى. وقد جاء الإسلام لينهي عن ذلك في الدنيا
والآخرة، "فلا تذر وازرة وزرة أخرى".
إن كل مجتمع وكل شعب يوجد به خليط من الناس، أغلبيتهم أسوياء
وأقليتهم شواذ أو أغبياء أو غلاة. وحين خرج من صفوف المسلمين قلة
شاذة متطرفة، ذهبت لبلاد الفرنجة، وارتكبت جرائم في حق الإنسانية،
على نحو ما حدث من تدمير لبرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك،
أو محطة قطارات مدريد، أو مترو أنفاق لندن في السنوات الخمس
الأخيرة، وأراد البعض هناك أن يدين الإسلام والمسلمين، فقد تصايحنا
وقلنا لا تأخذونا بجريرة تلك القلة الضالة. واستجاب العقلاء هناك،
بل ورفض زعماؤهم من جورج بوش إلى توني بلير ـ أصوات التحريض عن "حرب
الحضارات" ولم تحدث مظاهرة واحدة ضد مصر أو السعودية أو باكستان أو
أي بلد إسلامي آخر، بسبب أن المسئولين عن تلك التفجيرات قد أتوا من
تلك البلدان. ولم تحرق أي سفارات أو قنصليات أو أعلام إسلامية. هذا
رغم أن جرائم قلتنا المنحرفة هي من البشاعة آلاف المرات مقارنة بما
ارتكبه ذلك الرسام الدانمركي الآثم. نعم، إن هذا الأخير قد أساء
لمشاعر الملايين... ولكن الآثمون من عندنا قتلوا الآلاف من النفوس
البريئة التي حرّم الله قتلها إلا بالحق.
إننا طالما شكونا من ازدواجية المعايير عند الغربيين. وهو أمر صحيح.
ولكن لم يسأل عقلاء هذه الأمة أنفسهم، ولم يصارحوا إخوانهم في
الوطن والدين بنفس السؤال: ألا نمارس نحن أيضاً ازدواجية المعايير؟
ألا نطالب الآخرين بما لا نطالب به أنفسنا ـ كمصريين أو كعرب أو
كمسلمين؟ من ذلك أن بعضنا قد أثار بحق أن الغربيين لا يمكن أن
يسخروا من اليهود أو اليهودية، ولا من المحرقة النازية لهم خوفاً
من العقاب المعنوي (التصفية) أو المادي (المقاطعة) أو القانوني (حيث
أن هناك نصوص قانونية تعاقب من يمارس معاداة السامية أو ينكر وقوع
المحرقة في عديد من البلاد الأوربية، ومنها فرنسا). وبالقطع، يمكن
للمسلمين في أوروبا، حيثما يتمتعون بجنسية بلدانها، أن يطالبوا
برلماناتها وحكوماتها بسن قوانين مماثلة فيما يتعلق بتحقير الأديان،
والازدراء بقيمها، والسخرية من أنبيائها ورموزها، إن هذا من حقهم.
وأعتقد أن المناخ العام هذه الأيام مناسب لمثل هذا المطلب.
من ذلك أن استقصاءاً للرأي العام في الدانمرك نفسها منذ أيام ـ أي
بعد انفجار أزمة الرسوم ـ ونشرت الصحف المصرية والعربية نتائجه،
أشار إلى أن 57% من الرأي العام لا يوافق على الإساءة بالرسوم أو
الأقوال للمعتقدات والرموز الدينية للآخرين، بحجة حرية التعبير.
وفقط 30% تمسكوا بحق حرية التعبير في كل الشئون والأحوال، حتى ما
يتعلق منها بالأديان. بينما البقية ـ 13% ـ ليست متأكدة بعد من رأي
نهائي في الموضوع.
إن الشعوب الحرة، في ظل أنظمة ديمقراطية، ومنها الشعب الدانمركي،
يمكن كسب تعاطفها واحترامها بالحوار، لا بالعنف والقتل والإرهاب.
والشعب الدانمركي تحديداً، شأنه في ذلك شأن بقية الشعوب
الإسكندنافية، من أكثر شعوب أوروبا والعالم تعاطفاً مع القضايا
العادلة للعرب والمسلمين ولكن بعض السفهاء والغوغاء منا أوشكوا أن
يفسدوا هذا السجل الناصع للدانمركيين، بسبب سفيه دانمركي واحد
وصحيفة غوغائية واحدة. فرفقاً بالشعب الدانمركي، وحرصاً على مستقبل
ربع مليون مسلم يعيشون هناك، لا بد أن نتوقف عن مظاهرات العنف
والحرق والتدمير، ولنتعلم كيف نعبر عن مشاعرنا وآرائنا سلمياً
وبالحسنى. وليكن لنا من رسول الله، الذي ندعي الغيرة على سيرته،
أسوة حسنة. والله أعلم.
|