تمضي الحياة في مشاغلها الصغرى ومشكلاتها الكبرى، دون أن نتوقف
طويلاً للتذكر والتأمل، إلى أن نفقد عزيزاً كان ملئ القلوب لمن
عرفه عن قرب، وملئ العقول والأسماع والأبصار لمن قرأ له بانتظام في
مجلة الطليعة في الستينات والسبعينات، ولمن كان يقرأ له في الأهرام
صباح كل خميس، خلال الربع قرن الأخير.
إنني أتحدث عن محمد سيد أحمد، الذي لفظ آخر أنفاسه في مثل هذا
اليوم من الأسبوع الماضي (السبت 18/2/2006)، راحلاً عن عالمنا، عن
عمر يناهز السابعة والسبعين. وبالقطع سيكتب عنه كثيرون ممن عرفوه
وأحبوه. ولكني أكتب هذه الذكريات وفاء لسيرته العطرة، وأملاً في
أن تحفز آخرين عن الإدلاء بشهادتهم حول هذا العملاق الإنساني، الذي
لم يأخذ حقه في حياته من التكريم والإجلال.
لقد عرفه جيل كامل من اليسار المصري لنصف قرن على الأقل. ورغم أنني
كنت أقرأ له منذ منتصف الستينات إلا أنني لم أصبح محظوظاً بمعرفته
إلا في أواخر السبعينات، وتحديداً في خريف 1977. ففي شهر سبتمبر من
ذلك العام وصلتنا ـ هو، والمرحوم لطفي الخولي، وأنا، دعوة من "حركة
السلام الآن" الإسرائيلية لحضور مؤتمر عالمي كبير، دعت إليه الحركة
في تل أبيب، للتنديد بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية،
ولمناصرة القضية الفلسطينية. واستغربت أنا الدعوة لشخصي، حيث لم
أكن محسوباً على اليسار المصري ولا اليسار العالمي، مثلما كان محمد
سيد أحمد وأحمد الخولي، وهما يكبراني بأكثر من عشر سنوات، ومن
مخضرمي الأحزاب الشيوعية المصرية السرية، والتي كانت تضم بين
صفوفها عدداً كبيراً من اليهود المصريين في الأربعينات والخمسينات..
لقد كان انتمائي الفكري المعروف في ذلك الوقت هو أنني كنت ناصرياً،
عروبياً وحدودياً. لذلك اعتقدت في البداية أنني دعيت لذلك المهرجان
العالمي بطريق الخطأ. وأنه ربما كان المقصود بالدعوة هو أستاذنا
الدكتور إبراهيم سعد الدين (أطال الله عمره)، فقد كان مثل هذا
الخلط يحدث كثيراً في تلك السنوات بين اسمينا ـ هو إبراهيم سعد
الدين، وأنا سعد الدين إبراهيم. ولأن كلانا كان يكتب في نفس
القضايا العامة، فقد كان الالتباس مفهوماً، للقراء غير المتمعنين.
لقد كان إبراهيم سعد الدين من نفس جيل محمد سيد أحمد ولطفي الخولي،
ومن نفس المدرسة الفكرية اليسارية الماركسية، ومن نفس التنظيمات
الشيوعية السرية.
ولكن أتضح بعد عدة أيام أنه لم يكن هناك خلط عند من وجهوا الدعوة (حركة
السلام الآن الإسرائيلية). فقد قصدوا أن يمتدوا بشبكة اتصالاتهم
خارج صفوف اليسار الماركسي المصري التقليدي. وكان لي كتاب بعنوان "سوسيولوجية
الصراع العربي ـ الإسرائيلي"، ترجم في حينه (1972) إلى العربية،
ربما كان سبب تضميني في الدعوة، كما لو كان كتاب محمد سيد أحمد،
الأكثر ذيوعاً، "عندما تسكت المدافع" هو سبب دعوته. في كل الأحوال
تداولت مع الأستاذ لطفي الخولي أولاً، ومن خلاله تعرفت على محمد
سيد أحمد، واجتمعنا لمزيد من التداول في مكتب لطفي الخولي في
الأهرام. ولما كان هناك قانون يعاقب من يسافر إلى إسرائيل "بتهمة
التخابر مع العدو"، فقد طلبا مني أن أستغل معرفتي بالسيدة سوزان
ثابت (مبارك)، وكانت تلميذة لي في الجامعة الأمريكية وزوجة نائب
رئيس الجمهورية، لكي تقوم بدورها باستطلاع وجهة نظر الرئاسة حول
تلبية الدعوة من عدمه. وجاءنا الخبر اليقين، الذي لم نفهم مدلوله
في الحال، وهو حرفياً: "أن الرئيس أنور السادات يطلب من ثلاثتنا أن
نعتذر عن تلبية الدعوة، وأن ننتظر مفاجأة منه.
وكانت المفاجأة هي إعلان الرئيس السادات نفسه عن استعداده الذهاب
إلى إسرائيل من أجل السلام، والتي أصبحت تُعرف باسم "مبادرة السلام".
والقراء يعرفون بقية القصة العامة للمبادرة ـ من ترحيب مناجم بيجن
بالمبادرة ودعوة الرئيس السادات لإسرائيل، وما أعقب ذلك من
اتفاقيات كامب ديفيد، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.
أما الذي لا يعرفه إلا قلائل، فهو أن الرئيس السادات، وهو يستعد
لشد الرحال إلى تل أبيب، تذكر الثلاثي: لطفي الخولي ومحمد سيد أحمد
وسعد الدين إبراهيم. فقد اتصلت بنا رئاسة الجمهورية لدعوتنا ضمن
الوفد المرافق للرئيس، والذي كان يحرص هو على أن يكون وفداً رسمياً
ـ شعبياً مشتركاً. واجتمع ثلاثتنا للتداول مرة أخرى. واستقر الرأي
على الاعتذار عن الذهاب مع الرئيس السادات. وكانت مبررات الرفيقان
لطفي وسيد أحمد هي أنه شتان بين الدعوتين. فالأولى كانت من "اليسار
الإسرائيلي"، والثانية كانت تلبية لدعوة من "اليمين الإسرائيلي" (حزب
الليكود ومناجم بيجن). ولأنني كنت الأصغر عمراً، وكنت أحمل
للزميلين احتراماً كبيراً، فقد قبلت حجتهما رغم تحفظ مبدئي، حيث
كنت أرى أن هدف "السلام" لا ينبغي أن يخضع لاعتبارات أيديولوجية،
مثل اليمين واليسار.
استمرت علاقتي وتوطدت محبتي لمحمد سيد أحمد طوال العقود الثلاثة
التالية. فقد كان أكثر اليساريين المصريين والعرب انفتاحاً على
الأفكار الجديدة. وكان قارئاً نهماً، وفي كل ميادين المعرفة. وقد
ساعده على ذلك إجادته لثلاث لغات حية ـ هي العربية والفرنسية
والإنجليزية ـ وإلمامه بالإيطالية والروسية. كذلك كان حصوله المبكر
على بكالوريوس في الهندسة وليسانس في الحقوق مما مكنه من ترسانة
مفهومية في العلوم الطبيعية والاجتماعية. ثم زودته الماركسية
بمنهجية جدلية نقدية مبهرة. ولذلك كانت سرعته فائقة في تحليل أي
موقف أو مشكلة أو ظاهرة، واستخلاص نتائجها المنطقية. واقترنت هذه
المواهب والملكات بذكاء متوقد. وهو مما جعل من محمد سيد أحمد كائناً
سباقاً في كل الأمور العامة. من ذلك أنه كان أول من تنبه إلى حتمية
التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي، في أعقاب حرب أكتوبر
1973، حينما نشر كتابه "حينما تسكت المدافع". وكان ذلك في وقت ما
يزال معظم المفكرين والسياسيين العرب يتمسكون بمقولة "الصراع
الأبدي"، لأنه "صراع وجود وليس مجرد صراع حدود" مع إسرائيل. وتمت
ترجمة الكتاب بسرعة إلى معظم اللغات الحية، بما فيها "العبرية" ولا
شك أن ذيوع صيت الكاتب والكتاب كان وراء دعوته، ودعوتنا معه، لحضور
ذلك المؤتمر العالمي الذي نظمته حركة السلام الآن، كما سبقت
الإشارة. بل ربما كان هذا الكتاب هو أحد أهم مصادر الإلهام للرئيس
الراحل أنور السادات للقيام بمبادرته السلامية في نوفمبر 1977.
كان توقد الذهن وسرعة التفكير عند محمد سيد أحمد مما يسبب الإرباك
لكثير ممن يحاورونه. وأذكر من ذلك واقعة طريفة، جمعتني مرة أخرى مع
الأستاذين الكبيرين محمد سيد أحمد ولطفي الخولي، حيث تصادف جلوسنا
معاً في نفس الصف في اللقاء السنوي مع الرئيس حسني مبارك بمعرض
القاهرة الدولي للكتاب. وكالعادة في مثل لقاءات الرئيس، طُلب من
المدعوين أن يأتوا إلى قاعة الاجتماعات قبل الموعد المحدد بساعة
على الأقل. وحيث كان اللقاء في الحادية عشرة صباح ذلك اليوم من
يناير 1981، فقد توافد أكثر من مائة مثقف في العاشرة. ولأن أزمة
الكويت كانت في عنفوانها، فقد تأخر وصول الرئيس عن الموعد المحدد
ساعتين. أي أن المدعوين ظلوا ينتظرون لمدة ثلاث ساعات. وربما لم
يكن ذلك ليمثل مشكلة في حد ذاته. ولكن الذي فاقم من المشكلة هو أن
التدابير الأمنية المتزمتة في ذلك الوقت كانت تمنع الانصراف من
القاعة قبل إتمام اللقاء. في نفس الوقت لم توفر إدارة المعرض دورة
مياه ملحقة بالقاعة، التي كانت عبارة عن خيمة كبيرة. وهو ما سبب
ضيقاً لكبار السن من المثقفين، وخاصة الذين يشكون منهم من مرض
السكر. وكلما اشتد عليهم إلحاح الطبيعة كلما عبروا علناً عن ضيقهم
باللقاء وبمن دعوا للقاء. واقترح لطفي الخولي على محمد سيد أحمد
وكل الجالسين حوله أن يحتج للرئيس علنا على طول الانتظار، وهو
الأمر الذي لا يليق بكبار مفكري مصر. ووافق الجميع على ذلك. ووصل
الرئيس، وألقى ملاحظاته الافتتاحية، ثم فتح باب النقاش، واختار هو
محمد سيد أحمد ليكون أول المحاورين. ونسي محمد سيد أحمد ما كنا قد
اتفقنا عليه، وهو البدء بالاحتجاج لتأخر الرئيس ساعتين عن الموعد،
وعدم وجود دورة مياه في القاعة، وعدم السماح للمدعوين بمغادرة
القاعة لقضاء حاجتهم. فقد كان ذهن محمد سيد احمد، كالعادة، مشغولاً
بجلائل قضايا العالم والمنطقة. وكانت قضية الساعة حينئذ، هي قضية
الكويت والحرب المتوقعة لتحريرها من الاحتلال العراقي. وكان هناك
إنذار لصدام حسين بالانسحاب من الكويت قبل 15 يناير. ولكن أمريكا
قائدة التحالف الدولي، قررت إعطاء صدام فرصة أخيرة، فاقترحت
محادثات سرية في جنيف بين وزيرا خارجية البلدين (جيمس بيكر وطارق
عزيز) يوم 13/1، أي قبل انتهاء مدة الإنذار بيومين. وقد تصادف أن
لقاءنا بالرئيس كان في نفس اليوم، وإن كنا لم نعرف بعد ما سيدور في
اجتماع عزيز ـ بيكر أو نتائجه، بسبب فروق التوقيت بين القاهرة
وجنيف.
المهم بدأ محمد سيد أحمد الحوار مع حسني مبارك على الوجه التالي:
محمد: النهاردة إيه يا ريس؟ الرئيس: 13 يناير يا محمد!
محمد: يعني الليلة سيتقرر ما ينبغي أن يحدث في الكويت.
الرئيس: ماذا تقصد يا محمد؟ محمد: يعني يا ريس، الليلة ستكون يوم
15 أو 16 يناير. الرئيس: يا محمد أنا مش فاهم قصدك إيه إن يوم 13
سيتحول بقدرة قادر ليوم 15 أو 16!
محمد: يعني يا ريس، باختصار، قرار الحرب سيتخذ الليلة! الرئيس: طيب
يا أخي ما تقول كده، بدلاً ما تتوهني معاك ـ المهم عاوز تقول إيه؟
محمد: يا ريس لو حصلت حرب، ماذا ستفعل مصر؟ الرئيس: طيب يا سيدي،
لما تحصل الحرب، يبقى يحلها حلال!
المهم أثناء هذا الحوار الممتد، بين عقليتين ومستويين من الذكاء
مختلفان تماماً، كان لطفى الخولي يهمس بصوت نسمعه نحن الجالسين
بالقرب منه ومن محمد، ولكن لا يسمعه الرئيس الذي كان يجلس على
المسرح، وعلى بعد خمسين متراً تقريباً من الصف الذي كنا نجلس فيه:
تساءل في براءة صادقة: ماذا كنتم تهمسون به... ماذا كنت تهمس به يا
لطفي؟ ولما ذكرناه بالاتفاق الاحتجاج على الرئيس... قال بنفس
البراءة: والله لقد نسيت... سأطلب الكلمة من جديد لكي أحتج! ولكن
كان قطار الحوار مع الرئيس، قد مضى إلى محطة أخرى، تاه فيها الرئيس
أيضاً... وما أكثر ما كان توهانه في حواره مع المثقفين. ولكن لذلك
مقال آخر.
من طرائف ذكرياتي الأخرى مع محمد سيد أحمد، تلك الرحلة إلى المغرب
لحضور مهرجان أصيلة. ومرة أخرى كان معنا كوكبة من مفكري مصر وكبار
أدبائها وفنانيها. فكان بينهم المرحوم الدكتور لويس عوض ولطفي
الخولي، ويوسف إدريس، وأحمد عبد المعطي حجازي، والممثل حسين فهمي.
وكان الأكثر اعتداداً بنفسه في هذه المجموعة هو يوسف إدريس لكثرة
قرائه في المغرب، وما يتوقعه من تكريم واحتفاء به عند وصولنا. وحطت
الطائرة في مطار الدار البيضاء، وأثناء مغادرتنا للمطار تجمع حولنا
مئات الناس، لا للاحتفاء بيوسف إدريس أو أي من عمالقة الأدب والشعر
والثقافة الآخرين، ولكن للاحتفاء بالممثل حسين فهمي. وتنهد محمد
سيد أحمد ولويس عوض طويلاً، وهما يرقبان المشهد. أما لطفي الخولي
فلم تنقطع ملاحظات سخريته من يوسف إدريس، الذي ظل يؤكد أننا سنرى
مدى جماهيريته بمجرد إعلان الصحف عن وصوله للمغرب. أما محمد سيد
أحمد، فمثل عادته، لم تنقطع تأملاته طوال رحلة العودة حول مشهد
المطار.
رحم الله محمد سيد أحمد، سليل الأغنياء، الذي قضى حياته مدافعاً عن
قضايا الفقراء. والهم الله رفيقة حياته الوفية مايسة طلعت، ونجليه
طارق وعمرو، الصبر والسلوان.