قد تستحق إسرائيل مائة لعنة، وأمريكا ألف لعنة، وقد تستحق العولمة
عشرة آلاف لعنة. أما المستبدون العرب فيستحق كل منهم من اللعنات ما
يساوي عدد السكان في بلدانهم من ذلك، مثلاً، أن يستحق معمر القذافي
خمسة مليون لعنة، وعمر البشير 38 مليون لعنة، وبشار الأسد 18 مليون
لعنة، وحسني مبارك 75 مليون لعنة... وهكذا.
أما لماذا هذه اللعنات المستحقة بالملايين على المستبدين العرب،
فلأن معظم مواطنيهم المستضعفين لا يملكون في الوقت الحاضر غير
إطلاقها على حكامهم، الذين طغوا بشعوبهم استبداداً، وعاثوا في
بلدانهم فساداً، فليسلط الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من
سجيل، وإلى أن يستجيب سبحانه لدعوات المستضعفين الصامتين، فإنه جل
علاه يسبب الأسباب، التي تجلب عليهم رياحاً ثرثراً وأعاصير عاتية،
عبر البحر المتوسط أو المحيط الأطلنطي كل حسب ما اقترفت يداه.
ودعونا نتأمل حساب اللعنات في السنوات العشر الأخيرة. لقد كان لكل
طاغية عربي ما يوازي "كعب أخيلا" أي نقطة ضعف مميتة (كما تحكي
الأساطيل اليونانية القديمة) جلبت عليه في النهاية غضب شيطان أكبر
منه، أذله وسامه العذاب، حتى استسلم أو قضى نحبه.
من ذلك أن طاغية العراق، صدام حسين، (1968-2003) بعد أن قتل ونكل
بملايين البشر في كردستان والعراق وإيران، استمرت شهية طغيانه بلا
حدود، فغزا الكويت، وكانت تلك بمثابة "كعب أخيلا"، أو بداية نهايته
في حفرة من الطين، بعد أن تسبب في جلب الغزاة إلى بلاده، وشهد
بعينيه قوة الدمار الذي حاق بها.
أما معمر القذافي (1969-2006) الذي سام الليبيين القهر والعذاب،
وأفقرهم بعد غنى وأذلهم بعد عز، فإن أطماعه وشطحاته ومغامراته
تجاوزت كل الحدود. وكان "كعب أخيلا" بالنسبة له هو نسف طائرة ركاب
أمريكية فوق بلده لوكيربي الاسكتلندية في أواخر ثمانينات القرن
الماضي، اعتقاداً منه أنه بذلك ينتقم من أمريكا ويلقنها درساً لا
تنساه. فما كان منها إلا أن عرضته هو لسلسلة من الدروس والعقوبات
التي انتهت باستسلامه التام لنفس الشيطان الأكبر، الذي كان يرغب
القذافي في الانتقام منه بسذاجة بدوية بلهاء.
أما آل الأسد في سوريا ـ الأب حافظ وولده بشار ـ فهم يحكمون
ويهيمنون على بلاد الشام منذ عام 1970، ولم يكتفوا بإخضاع السوريين
وتدمير مدينة حماة التاريخية حينما تبرمت بهم عام 1981، وقتلوا من
سكانها ما يقدر بعشرين ألفاَ. ولكن أطماعهم امتدت إلى جارتهم لبنان
واحتلوها، وحولوها إلى بقرة حلوب لهم ولأبناء طائفتهم. وإمعاناً
منهم في الطغيان واستعراض القوة، أجبروا البرلمان اللبناني على
تعديل الدستور، لكي يتم تمديد رئاسة أحد أعوانهم ـ وهو الرئيس إميل
لحود ـ ثلاث سنوات إضافية، إلى جانب فترة رئاسته الأولى، وهي ست
سنوات. ومن لم يعجبه ذلك أو تبرم به من اللبنانيين، قامت المخابرات
السورية بتوديعه إلى الدار الآخرة. ولكن تصادف أن أحد هؤلاء، وهو
رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، الذي أعاد تعمير بيروت بعد حرب
أهلية ضروس (1975-1990)، فهب اللبنانيون عن بكرة أبيهم في وجه
سوريا وقوات احتلالها. وتعاطف العالم مع الشبيبة اللبنانية التي
اعتصمت في ميادين بيروت لعدة شهور مطالبين بالجلاء والقصاص. وتم
الجلاء بعد حوالي ثلاثين عاماً من الاحتلال وبقي القصاص. وكما في
حالات الاستبداد الأخرى، ثبت أن اغتيال الحريري، هو "كعب أخيلا"
لآل الأسد. فقد انتهزت كل من أمريكا وفرنسا الفرصة، واتفقتا وهو ما
ينذر، على تسوية حسابات قديمة وجديدة مع النظام البعثي الحاكم،
واستصدرتا من مجلس الأمن الدولي من القرارات ما أحكم الحصار
السياسي والنفسي على آل الأسد. ومن آيات ذلك أن أركان النظام بدأت
تتهاوي، فانتحر رئيس مخابراته ووزير داخليته اللواء غازي كنعان،
ونائب رئيس جمهورية سابق، وهرب عبد الحليم خدام إلى باريس. حيث
أدلى بتصريحات وأفشى من الأسرار ما يورّط الرئيس بشار الأسد نفسه
في واقعة اغتيال رفيق الحريري. وما زالت فصول المأساة الملهاة
السورية اللبنانية تتوالى، أمام العالم، مع تحفز أمريكي ـ فرنسي
لتشديد الحصار، إما على الطريقة الليبية القذافية أو على الطريقة
الصدامية العراقية.
أما "كعب أخيلا" لآل مبارك في مصر المحروسة فهو قضية د. أيمن نور،
النائب السابق ورئيس حزب الغد. لقد تجاوز أيمن نور الخطوط الحمراء،
التي لا يراها عادة إلا سدنة النظام. وكان قرار الرجل الكبير، وهو
في مطار القاهرة في الطريق إلى أبوجا لحضور قمة أفريقية، هو ضرورة
تأديب هذا الولد (العيّل) المشاكس، وقبل أن يعود الرجل الكبير إلى
المحروسة وبالفعل شمّرت سلطات الدولة الثلاث عن أكمامها، وانبرت
لتنفيذ المهمة بنفس همة عبور أكتوبر (1973) أو على طريقة التنكيل
بالخلدونيين (سعد الدين إبراهيم وزملائه) عام (2000)، فقامت
الأجهزة الأمنية باللازم لتلفيق تهمة تزوير توكيلات تأسيس حزب الغد،
التي كانت في حوزة الأجهزة قبل سنة من تاريخه، وهو ما قيل أنه
يستلزم المسائلة القانونية، والتي تتطلب بدورها رفع الحصانة
البرلمانية عن "الولد النائب". وجاء هنا دور مجلس الشعب، لصاحبه
أحمد فتحي سرور، ليثبت أن السلطة التشريعية ليست أقل غيرة أو
انصياعاً من السلطة التنفيذية، في تلبية الرغبة الفرعونية السامية.
فطار صاحب المجلس، عائداً إلى القاهرة من زيارة له في كندا، ليجمع
مجلسه، ويجرّد "الولد النائب" من حصانته البرلمانية، حتى يمكن
القبض عليه وإحضاره لاستجوابه وحبسه، ومحاكمته، وما إلى ذلك.
ورغم الخوف والصمت المريب من الأحزاب والمثقفين في الداخل، إلا أن
المنظمات الحقوقية والبرلمانات الغربية وبعض المثقفين المصريين في
الخارج انبروا للتضامن مع أيمن نور والدفاع عنه. ولآن فصول مأساة
أيمن نور بدأت في مثل هذا الوقت من عام 2005، في أعقاب زيارة
مادلين أولبرايت، وزيرة خارجية أمريكا السابقة للقاهرة ولقاءها مع
عدد من الشخصيات العامة، منهم أيمن نور، فقد أعطى ذلك لأبواق
النظام فرصة للتشهير به كعميل أمريكي، ونفس الاسطوانة المشروخة
لاغتيال الشخصية. وكانت كونداليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا
الحالية، أحد من عبّروا عن استيائهم بسبب ما حدث لأيمن نور. فألغت
زيارة لها كانت مقررة خلال شهر فبراير إلى مصر. وعبّر مسئولون
أمريكيون وغربيون آخرون عن تضامنهم مع أيمن نور وضرورة الإفراج عنه.
ولم يكن آل مبارك قد جال بخواطرهم أن ردود الفعل العالمية عموماً
والأمريكية خصوصاً ستكون على هذا النطاق. ويبدو أن مستشاري السوء
من زبانيتهم، الذين تعلموا في أمريكا، صوروا لأل مبارك أن أمريكا
لا يمكن أن تضحي بمصالحها الاستراتيجية من أجل "هذا الولد" الذي لا
يعرفه أحد في الخارج. ونسي هؤلاء كما نسي آل مبارك أن الأمر ليس
هذا "الولد" أو ذاك، وإنما هي سياسة تورط الرئيس الأمريكي بإعلانها،
نهاراً جهاراً، أمام شعبه وأمام الكونجرس بأن ولايته الثانية ستكون
مكرّسة لنشر الديمقراطية والوقوف إلى جانب الأحرار في العالم (حتى
لو كانوا عيالاً!). ولأن هذا الالتزام العلني قد تم قبل أسبوع واحد
من الأمر الفرعوني بتأديب "الولد أيمن" فقد استنفرت الصحافة
الأمريكية البيت الأبيض ليظهر مصداقيته، ويرد الرئيس بوش اعتباره،
"بعد أن بصق الرئيس مبارك في وجهه" على حد تعبير صحيفة الواشنطن
بوست في واحدة من خمس افتتاحيات نُشرت خلال عام 2005 حول هذا
الموضوع وحول الانتخابات الصورية، سواء الرئاسية أو البرلمانية.
وبعد هدنة قصيرة، أفرج فيها آل مبارك عن أيمن نور، بل سمحوا له
بخوض الانتخابات الصورية الرئاسية والانتخابات البرلمانية نصف
المزورة، فقد استأنفوا ممارسات تدمير "الولد المشاكس" فتكالبت
أجهزتهم لإسقاطه في الانتخابات البرلمانية، ثم قدموه للمحاكمة أمام
نفس القاضي سيئ السمعة الذي سبق أن حاكم وأدان سعد الدين إبراهيم
و27 من الباحثين في مركز ابن خلدون والذي ردت محكمة النقض أحكامه
وبرأت الخلدونيين جميعاً من كل ما لفق لهم من تهم (18/3/2003).
وحكم ذلك القاضي على أيمن نور بخمس سنوات من السجن المشدد في
24/12/2005. وثارت منظمات حقوق الإنسان في الداخل والخارج. واستنكر
الرئيس الأمريكي الحكم وناشد الحكومة المصرية أن تفرج عنه. وبعد
ثلاثة أسابيع من تجاهل الحكومة المصرية لهذه المناشدة، ألغت
الولايات المتحدة جولة المفاوضات التجارية التي كانت مقررة في
واشنطن. واتى نائب الرئيس الأمريكي إلى القاهرة في زيارة خاطفة
لينقل نفس شعور الاستياء عن البيت الأبيض وأعضاء الكونجرس. وكان
هذا الأخير قد أصدر قرارا (رقم 284)ً في أواخر ديسمبر يطالب البيت
الأبيض بربط المساعدات الأمريكية بجدول صريح للإصلاح السياسي في
مصر.
إن قضية أيمن نور، ربما ليست بفداحة اغتيال الحريري، ولكنها بدرجة
أو بأخرى تمثل "كعب أخيلا" لآل مبارك، كما مثلت قضية الحريري
لأبناء العمومة في سوريا من آل الأسد. وهكذا فإن لعنات الصامتين
المستضعفين ـ من الموسكي لسوق الحميدية تنهال على المستبدين، حتى
لو كان القصاص على "يد شيطان أمريكي" وهذه حكمة الله في أرضه.