كلنا ندرك مسلسل الأخطاء والخطايا الذي يقوم النظام السوري الحاكم
بتأليفه وإخراجه وإنتاجه وبطولته خلال العامين الأخيرين، والذي يتم
تصوير مشاهده الرئيسية بين دمشق وبيروت، مع لقطات خارجية في
القاهرة والرياض وباريس.
بدأ المشهد الأول بضغط سوري على النواب اللبنانيين لمخالفة مواد
دستورهم، وتمديد ولاية الرئيس إميل لحود لثلاث سنوات إضافية – بعد
أن استنفذ السنوات الست لرئاسته (1998-2004). وكان اللبنانيون قد
خاضوا حربين أهليتين من قبل (1958 و1975) حينما حاول سياسيون
لبنانيون العبث بمواد دستور بلادهم. ولأن النظام البعثي الحاكم في
سوريا قد تمرّس العبث بالدستور السوري، أو حتى تجاهله تماماً، وبما
أن قواته كانت تحتل لبنان، جارته الأصغر، منذ عام 1976، فإنه لم
يبال بمشاعر اللبنانيين، ولا بتقديسهم لدستورهم. بل ونقل عن الرئيس
السوري، بشار الأسد، أنه هدد "بسحق أي سياسي لبناني يجرؤ على
معارضة الرغبات السورية أو يطالب بانسحاب قواتها من لبنان" (من
تصريحات لنائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام في باريس، ديسمبر
2005).
وكان أحد الذين عبّروا عن استيائهم من سلوك النظام السوري، رئيس
الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، فتم اغتياله، في فبراير
2005، مع عدد من مرافقيه، بتفجير موكبه في قلب العاصمة بيروت،
نهاراً جهاراً. ورغم أن هذا الاغتيال وبهذه الطريقة البشعة، لم يكن
الأول من نوعه، ضد أحد الشخصيات العامة اللبنانية المرموقة، إلا
أنه أحدث ردود فعل واسعة النطاق ـ لبنانياً وإقليماً ودولياً. من
ذلك أن جنازة الحريري تحولت إلى مسيرة مليونية اتهامية، تطالب
بالحقيقة والقصاص. أكثر من ذلك تمترس آلاف من الشباب اللبناني في
ميادين بيروت، لأيام، امتدت إلى أسابيع، ثم إلى شهور، مطالبين
بجلاء القوات السورية المحتلة لبلادهم.
وانبهر العالم بهذا المشهد اللبناني العربي غير المعهود. وأطلقت
عليه وسائل الإعلام "ثورة الأرز"، نسبة إلى شجرة الأرز التي اشتهر
بها لبنان والتي تتوسط صورتها علم لبنان. وتجاوب العالم مع انتفاضة
الأرز، كما انتهزت قوى أخرى الفرصة لتسوية حسابات قديمة وحديثة مع
النظام البعثي الحاكم في سوريا. وفي مقدمة هذه الأخيرة كل من فرنسا
والولايات المتحدة، وهما عضوتان دائمتان في مجلس الأمن الدولي.
فقادتا حملة مطالبة سورياً بالجلاء عن لبنان، واستصدرتا القرارات
اللازمة، والتي طالب أحدها بلجنة دولية محايدة للتحقيق في اغتيال
الحريري، كما انطوى بعضها الآخر على التلويح بعقوبات ضد سوريا، إن
هي ماطلت أو ناورت أو التفت حول تلك القرارات. ولم تجد سوريا من
يقف معها دولياً سوى إيران، وداخلياً في لبنان سوى "حزب الله"،
المحسوب أيضاً على إيران. ولم يجد النظام البعثي الحاكم في سوريا
مفراً، فسحب قواته من لبنان بعد احتلال، قارب الثلاثين عاماً، عاث
فيها نهباً وفساداً.
ولم يتعلم النظام السوري من أخطائه خلال العامين السابقين، بل
استمرت أجهزته في التحريض على اغتيال المعارضين للنظام السوري في
لبنان. فشهدت بيروت اغتيال الصحفي سمير القصير، والنائب جبران
تويني ومحاولة اغتيال الإعلامية التليفزيونية مي شدياق واتجهت
أصابع الاتهام مرات أخرى نحو النظام السوري، ونفى هذا الأخير عن
نفسه التهمة، ووجه إصبع اتهامه نحو المستفيدين من توريط سوريا ـ
وفي مقدمتهم بالطبع إسرائيل، التي تريد معاقبة سوريا بسبب "موقفها
العربي الصامد في وجه المخططات الصهيونية التوسعية، والولايات
المتحدة، التي تريد معاقبة سوريا بسبب تأييدها للمقاومة العراقية
ضد الاحتلال الأنجلو أمريكي للعراق الشقيق. طبعاً لم يحاول النظام
السوري تفسير الموقف الفرنسي من نفس الأحداث في لبنان، رغم
الاختلاف مع مواقف هذا الأخير مع أمريكا في كل القضايا الأخرى،
ومنها القضية العراقية. ثم جاء انتحار، أو اغتيال، غازي كنعان،
رئيس المخابرات ووزير الداخلية، في سوريا طوال الربع قرن الأخير،
في خريف 2005 ليلقي مزيداً من الظلال والشكوك حول الأوضاع المتردية
في سوريا، والتي أصبح "انتحار" الشخصيات العامة أو محاولة هروبها
إلى الخارج من الأمور التي تكررت كثيراً في الآونة الأخيرة.
إن حبل المشنقة يضيق على عنق النظام السوري كما ضاق من قبل على عنق
النظامين العراقي والليبي. والجميع يدركون أن أمريكا وقوى معادية
أخرى تهيمن على النظام الدولي، ولها أجندتها الخاصة التي تخدم
مصالحها أولاً، وآخراً. ولكن نفس هذه القوى المهيمنة وخاصة
الولايات المتحدة، أضافت لهذه الأجندة بعد أحداث سبتمبر 2001،
أهداف نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب. ومن العبث
الاستغراق في التساؤل حول صحة أو إخلاص نوايا الولايات المتحدة في
هذا الصدد. فالكبار والأقوياء، حتى لو كانوا منافقين وسادرين في
ازدواجية معاييرهم، فصناع القرار هناك مسئولون فقط أمام الرأي
العام عندهم، وأمام ناخبيهم، وليس أمام الرأي العام في سوريا، أو
ليبيا، أو ما تردده وسائل إعلام هذه الأنظمة المستبدة. وقد رأينا
كيف عاند واستذكى نظام صدام حسين إلى النهاية، حتى جاءت نهايته.
ورأينا أيضاً كيف عاند واستذكى معمر القذافي إلى أن رأى ما حدث
للرفيق صدام حسين، فاستسلم بسرعة للمطالب الأمريكية والبريطانية
والفرنسية والألمانية والإيطالية، حيث دفع نظام القذافي تعويضات
باهظة لكل ضحايا ممارساته الإرهابية من مواطني هذه البلدان الغربية،
ورضخ القذافي لطلب محاكمة عناصر من أجهزة مخابراته لمحاكمة دولية
في لاهاي. وأكثر من ذلك سارع القذافي بالكشف عن برنامجه لإنتاج
أسلحة الدمار الشامل، واستعداده الفوري للتخلص منها، في ظل تفتيش
دولي، تأكيداً لحسن النية والانصياع التام، دفعاً لمغبة الموت
الزؤام. ونحن نؤكد هنا أنه ما لم يقتفي بشار الأسد بنموذج معمر
القذافي، فسيكون مصيره أقرب لمصير رفيقه البعثي في العراق، صدام
حسين.
فماذا عن نظام حسني مبارك، وكيف يتم إعرابه والتعامل معه بواسطة
سادته الغربيين عموماً والأمريكيين خصوصاً؟
هناك إدراك عام في العواصم الغربية بأهمية مصر إقليمياً، وبالدور
المحوري لها في استقرار المنطقة ودعم مسيرة السلام العربي
الإسرائيلي. وفي هذا الدور، يساهم الغرب في دعم مصر بحوالي ثلاثة
مليار دولار سنوياً. كما كان الغرب مستعداً في مقابل هذا الدور أن
يتغاضى عن استبداد وفساد نظام الرئيس حسني مبارك وأفراد أسرته.
ولكن هذا التغاضي عن الاستبداد، الذي برروه لأنفسهم في الغرب طالما
كان مقصوراً على الإسلاميين المتطرفين، بدأ يتلاشى حينما طال
الاستبداد المباركي المعتدلين من نشطاء حقوق الإنسان ودعاة
الديمقراطية، والأقليات الدينية، والأدباء والمفكرين. وترددت في
الغرب في السنوات الأخيرة التضامن مع ضحايا التنكيل المباركي ـ مثل
حافظ أبو سعده، ونصر حامد أبو زيد، ومركز ابن خلدون، وحزب الغد
وأيمن نور، وعصام العريان، والبهائيين، والقرآنيين. وبدأ الرأي
العام الغربي ممثلاً ببرلماناته ووسائل إعلامه، ومنظماته الحقوقية
يسلّط الضوء على ما يحدث في مصر في السنوات الأخيرة، وبشكل غير
مسبوق في السنوات العشرين الأولى من حكم حسني مبارك. ويكفي للدلالة
على ذلك أن عدد افتتاحيات الصحف الأمريكية الأربع الرئيسية ـ وهي
النيورك تايمز، والواشنطون بوست، والول ستريت جورنال، ولوس أنجلوس
تايمز ـ قد تضاعف ثلاث مرات، خلال الفترة من 2000 إلى 2005،
للتمديد لنظام مبارك وفضح ممارساته. وبدلاً من الإشادة كما كان
الحال في السنوات الأولى من حكم مبارك، فإن المائة افتتاحية في
الصحف الأربع في السنوات الخمس الأخيرة لم تتضمن غير النقد اللاذع
للنظام. ولا يمكن للبيت الأبيض أو الخارجية أو الكونجرس أن يتجاهل
هذه الافتتاحيات، وخاصة حينما يتضح للجان تقصي الحقائق صحة ما
تردده هذه الافتتاحيات. ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة التي لا بد
للقارئ المصري والعربي أن يتذكرها.
في مثل هذا الوقت من عام 2005، أمر حسني مبارك بتأديب "الولد
المشاكس" أيمن نور، الذي كان نائباً في مجلس الشعب، ورئيساً لحزب
شرعي جديد هو حزب الغد. وعلى الفور تحركت كل فروع السلطة الثلاث
لتنفيذ الأمر الرئاسي، فقامت الأجهزة الأمنية باكتشاف توقيعات
مزورة في طلب تأسيس حزب الغد، قبل ست شهور!. وبناء عليه اعتبرت هذه
الأجهزة أيمن نور نفسه مسئولاً يستحق المسائلة بواسطة النائب العام،
الذي قام بدوره وفي نفس اليوم بتقديم طلب إلى رئيس السلطة
التشريعية، أي إلى مجلس الشعب، لصاحبه أحمد فتحي سرور، لرفع
الحصانة عن أيمن نور، حتى يمكن ضبطه وإحضاره للتحقيق، وهو ما تم
أيضاً على الفور وخلال أربع وعشرين ساعة من صدور التعبير الشفوي عن
الإرادة الرئاسية السياسية وتم حبس أيمن نور، وتم تشويه سمعته
واختراق حزبه، واستنزاف عافيته وصحته ومدخراته. وكان القاصي
والداني يدرك أن القضية سياسية من الألف إلى الياء. ورغم تخاذل
الأحزاب والمثقفين عن التضامن مع أيمن نور وحزب الغد، إلا أن
منظمات حقوق الإنسان والبرلمانات الحقيقية في البلدان الديمقراطية
شمت رائحة السياسة والنكاية والانتقام من شخصية برلمانية عامة
جريئة، فتضامنت مع الرجل. ووصلت ضغوط الرأي العام في الخارج درجة
اضطرت معها وزيرة الخارجية الأمريكية، كونداليزا رايس إلى إلغاء
زيارة كانت مقررة لها إلى مصر في شتاء 2005، تأكيداً لجدية وخطورة
تنكيل آل مبارك بأيمن نور. وحينما أتت لزيارة مصر في يونيه 2005،
وكان قد أفرج عنه مؤقتاً دون حفظ القضية. وحرصت رايس على الاجتماع
بأيمن نور، بعد إلقاء كلمتها الشهيرة في الجامعة الأمريكية.
ولكن آل مبارك مثلهم مثل آل الأسد من أولاد العمومة المستبدين في
دمشق، تغابوا عن فهم الدرس أو ربما هم بالفعل يتنافسون معهم في
الغباء السياسي. فبعد المسرحية الهزلية للانتخابات الرئاسية التي
سمح لأيمن نور أن يخوضها، ويخسرها أمام مبارك الأب، وأنزعج أركان
النظام لأن أداء أيمن نور كان أحسن كثيراً من المتوقع، حيث حصل على
ما يقرب من عشرة في المائة من الأصوات، وكان ترتيبه الثاني بين
عشرة متسابقين، وقبل مرشح الحزب الأقدم والأقوى وهو حزب الوفد
العتيد، لذلك قرر آل مبارك الاستمرار في تدمير هذا "الولد المشاكس"
أيمن نور فتكالبت أجهزة النظام وكلاب السلطة على افتراسه في
الانتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر، وتعمدت إسقاطه في دائرة
باب الشعرية، التي طالما فاز فيها بسهولة في انتخابات سابقة. لقد
كان التزوير فادحاً لحساب مرشح الحزب الوطني، وذلك بشهادة مراقبين
محليين ودوليين.
ولكن يبدو أن آل مبارك يصدقون إعلامهم المأجور، أو يأخذون
المجاملات الدبلوماسية التشجيعية كما لو كانت دليلاً على أن
ادعائتهم عن الإصلاح السياسي قد جرى تصديقها فعلاً في الغرب. لذلك
سارعوا بتقديم أيمن نور إلى المحاكمة من جديد أمام نفس القاضي سيئ
السمعة، والذي سبق أن ترأس محاكمة مركز ابن خلدون، وأدان المتهم
الأول (سعد الدين إبراهيم) وحكم عليه بالسجن سبع سنوات. وهو الحكم
المشين الذي لم يصدقه أحد في الداخل أو الخارج. وتأكدت عبثية
وفضيحة استخدام القضاء للانتقام وتسوية حسابات النظام السياسية مع
المعارضين، حينما ردت محكمة النقض تبرئة كل من حاول النظام التنكيل
بهم، ومن كل التهم، بل أن حيثيات براءة سعد الدين إبراهيم وزملائه
السبعة وعشرين كانت إدانة ضمنية لنظام آل مبارك، لا فقط لتلفيق
القضية، ولكن أيضاً لتغولهم (مؤسسة الرئاسة) على السلطتين
التشريعية والقضائية.
إن العالم الخارجي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، يدرك من خلال
مراقبيه وممثليه في القاهرة أن قضية أيمن نور سياسية من أولها إلى
أخرها، مهما قالت أبواق النظام من أنها قضية جنائية. ويدرك العالم
الخارجي أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية شابتها مخالفات جسيمة.
وأخيراً أدرك العالم الخارجي اللعبة المفضوحة لأل مبارك ـ ألا وهي
تدمير أي بدائل سياسية مدنية معتدلة ـ بحيث لا يبقى على الساحة
المصرية إلا هم (آل مبارك) والإخوان المسلمون، فينحاز العالم
الخارجي لآل مبارك، رغم استبدادهم وفسادهم وفشلهم.
وكانت آية هذا الإدراك المتأخر، هو قرار الكونجرس الأمريكي رقم
284، بتاريخ 19 ديسمبر 2005 ـ أي بعد آخر جولة في الانتخابات
البرلمانية المصرية، وإطلاع أعضاء الكونجرس على تقارير المراقبين
المصريين والدوليين. وهو القرار الذي نوّه بما شاب الانتخابات من
مثالب ومخالفات، وناشد فيه الحكومة المصرية أن تلتزم باحترام حقوق
الإنسان، وأن تنفذ الإصلاحات التي وعد بها الرئيس مبارك أثناء
الحملة الانتخابية. طلب قرار الكونجرس من الرئيس الأمريكي أن يبلغ
الحكومة المصرية أن استمرار المساعدات مرهون باحترامها لحقوق
الإنسان والإصلاحات السياسية.
ولكن بعد أقل من أسبوع من هذه الرسالة الواضحة وغير المسبوقة،
استمرت محاكمة أيمن نور أمام نفس القاضي سيئ السمعة الذي أصدر عليه
حكماً بالسجن لخمس سنوات. وهو ما أثار قلق الرئيس الأمريكي، الذي
يتعرض بدوره لضغوط داخلية عاتية، فأصدر خلال تصريحات يعبر عن قلقة
ويطالب الحكومة المصرية أن تفرج عن أيمن نور لاعتبارات صحية. ولكن
آل مبارك استمروا في الغباء والتغابي، حتى لا يبزهم آل الأسد في
دمشق. فما كان من الحكومة الأمريكية، بعد ثلاثة أسابيع، إلا أن
تبعث برسالة خامسة، هي إلغاء زيارة وفد تجاري مصري كان مقرراً أن
يصل إلى واشنطن الأسبوع الماضين لاستئناف المفاوضات حول منطقة
التجارة الحرة، التي سيل لها لعاب رجال الأعمال المصريين منذ سنوات.
والتي تم إقرارها بالفعل بالنسبة للأردن والمغرب والبحرين وسلطنة
عمان.
فإذا استمر آل مبارك في الغباء أو التغابي، فإن المعونة الأمريكية
المعتادة منذ عام 1975، ستكون في خطر، وخاصة شقها العسكري. إن
الرسالة الأخيرة كانت موجهة لا فقط للحكومة ولكن أيضاً لرجال
الأعمال المصريين، من أرباب مبارك الابن. أما الرسالة القادمة إذا
استمر التغابي، فستكون لا فقط للحكومة ولكن أيضاً لرجال القوات
المسلحة المصرية. فلا حول ولا قوة إلا بالله.